الأزمة السياسية والاقتصادية التي تضرب مصر  في ظل فشل وخيانة سلطة الانقلاب العسكري وتهدد باقتلاع نظام السيسي، تزداد يوما وراء الآخر، في ظل ضعف الإرادة السياسية للتغيير والإصلاح ، بجانب موازنات عسكرية لا تفقه في الاقتصاد أو إدارة المجتمعات المدنية إلا على طريقة تمام يا فندم.

توتر السيسي 

وقد كان واضحا حجم الأزمة المتصاعدة خلال حديث السيسي أمس السبت، خلال افتتاحه مشروعا زراعيا، سبق وأن افتُتح عدة مرات ، ويقوم به جهاز الخدمة الوطنية  ولصالح القوات الجوية صاحبة الاستثمار، وليس ميزانية الدولة أو المواطن، الذي سيشتري منتجات المشروع من السلع بأسعار السوق العالمية وليس بأسعار مدعومة، تصب في صالح الجيش ولواءته فقط.

فسر مراقبون وسياسيون حرص السيسي على الظهور أمس السبت في افتتاح مشروع "مستقبل مصر للإنتاج الزراعي" والحديث في أمور مختلفة بطريقة غاضبة، بأنه تعبير عن تصاعد عدة أزمات يعيشها النظام، وتحديدا السيسي نفسه والدائرة الصغيرة المحيطة به، والمتمثلة بنجله محمود السيسي، ومدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل".

وبدا  السفيه السيسي أمس غاضبا وحادا خلال مداخلاته على هامش افتتاح المشروع، وحرص على توجيه عدة رسائل لأطراف مختلفة لم يسمها.

وفيما بدا واضحا أن إحدى الرسائل كانت بشأن ما أثير عبر مواقع التواصل الاجتماعي أخيرا بشأن أمور شخصية والحديث عن كواليس متعلقة بوضع وزيرة الصحة هالة زايد، قال السيسي إن "الحديث في الأعراض، لن يمر بدون حساب من الله".

 

كما قال المنقلب السيسي إن "هناك من يتحدث من دون علم أو دراسة أو معرفة كافية لوضع البلد" في إشارة إلى الانتقادات التي وجهت أخيرا لعدم الدراسة الكافية للمشروعات القومية.

 

وتابع السفاح السيسي "المشكلة الحالية، في ظل تطور مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح كيف تحافظ على وعي شعبك ومواطنيك، وليس أن تحافظ على نظامك كدولة، وإنما لتحافظ على بلدك".

تأتي هذه المناوشات والسجالات، على هامش تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد وتهاوي الاحتياطي النقدي الأجنبي، والنقص الحاد في المواد الأساسية مثل الحبوب والمواد البترولية، كلها أمور تهدد بشكل حقيقي استقرار النظام، ولذلك فإن الأطراف الفاعلة، سواء كانت داخلية مثل القوات المسلحة وغيرها، والخارجية مثل حلفاء السيسي الإقليميين والدوليين، تبحث سيناريوهات المستقبل في حال وقعت الواقعة وانهار النظام.

يشار إلى أن هناك أيضا أطرافا داخلية وخارجية تسعى للتحرك لضمان الحماية لنفسها إذا حدث ما يهدد استقرار النظام، ولذلك فهي تقوم بتحركات يرى السيسي أنها تهدف إلى زعزعة استقراره.

وتحدثت مصادر سياسية عدة عن

وجود خلافات داخل الأجهزة الأمنية نفسها، والتي ظهرت في الخلافات داخل البرلمان مع الحكومة حول الموازنة وجدوى المشروعات التي تقوم بتنفيذها.

 

وتؤكد تلك الشواهد أن هناك حالة من القلق والتخبط داخل النظام وأجهزته، يغذيها القلق من المستقبل، ولذلك يحاول السيسي بحديثه أن يوحد الجبهات مجددا ، ويطلق تحذيرات مبطنة إلى أي طرف يحاول العبث باستقرار النظام.

 

 

كما أن التجاذبات داخل دوائر السيسي باتت أمر لا يمكن إنكاره، وأن السيسي ودائرته المقربة تخوض مواجهة غير معلنة حاليا مع أطراف في مؤسسات سيادية محسوبة على جهات لها امتدادات خليجية وخارجية، وهو ما يزعج السيسي ويجعل سيطرته على تلك المجموعات محفوفة بمخاطر عدة، ولذلك يبدو غاضبا خلال الفترة الأخيرة.

ولعل ما يثير قلق السيسي من انفلات الأمور عن سيطرته ، هو تعاظم المخاطر الاقتصادية والاجتماعية.

 

تحديات جمة

 

ومن أهم هذه التحديات ارتفاع المديونية الداخلية والخارجية في مصر، وقد بلغ الدين العام المصري عام 2021 مقدار 377 مليار دولار، أو ما يساوي 95%؜ من الناتج المحلي الإجمالي، في الوقت الذي بلغت فيه 89.7%؜ من الناتج المحلي الإجمالي عام 2020.

 

ولكن المعضلة أن هذا الدين العام يشكّل قلقا أكبر إذا ما قُورن بحجم الرصيد الاحتياطي الرسمي لدى البنك المركزي المصري، والذي وصل إلى 41 مليار دولار في نهاية شهر فبراير الماضي، ثم عاد وهبط في نهاية الشهر الذي يليه مارس إلى 37.1 مليار دولار، علما أن هذا الرصيد بقي مستقرا فوق 40 مليار دولار منذ نوفمبر من عام 2020. إذا، نسبة الدين العام في مصر تشكل حوالي عشرة أضعاف الأرصدة الأجنبية الرسمية لديها.

 

ويرتبط العجز في ميزان المدفوعات في مصر بأن اقتصادها قد تأثر بتراجع مصادر العملات الأجنبية من مساعدات واستثمارات وتحويلات وصادرات وسياحة، وعائدات قناة السويس، وفي المقابل زادت فواتير مصر، خصوصا تجاه المستوردات الغذائية التي ارتفعت أسعارها عالميا.

 

ولعل أبرز رقم في هذا المجال ارتفاع أسعار القمح، فبعدما كان 350 دولارا للطن قبيل اندلاع الحرب في أوكرانيا وصل الآن إلى حوالي 450 دولارا للطن، أي بزيادة مائة دولار للطن.

وتحتاج مصر إلى حوالي 19 مليون طن تنتج منها في حدود 8-10 ملايين طن سنويا، وهذا يعني زيادة في فاتورة الاستيراد، قد تصل إلى مليار دولار إذا بقيت الأسعار على حالها.

 

وقد كان لدى مصر مخزون يكفي أربعة أشهر ونصف الشهر، حسب تصريحات وزير الزراعة الانقلابي السيد القصير، إلا أن هذا لن يحل معضلة مصر التي ستكون بحاجة إلى توسيع رقعتها الزراعية المخصصة للقمح، واستزراعه في أراض جديدة، وهي تقوم بذلك حاليا.

 

أما الأمر الرابع فهو التضخم وارتفاع الأسعار، ومع أن الخبز المدعوم في مصر ما يزال رخيصا، إلا أن الحكومة التي تود رفعه لتخفيف مخصصات الدعم قد ينطوي على مزيد من الشكوى لدى الطبقات الأقل حظا ودخلا، والتي يشكل الخبز العيش جزءا أساسيا في الغذاء اليومي للمواطن المصري.

ووفق جواد العناني  الخبير الاقتصادي،  نائب رئيس الوزراء رئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق، هنالك دلائل على أن الاقتصاد الرسمي يعاني من نقص القدرة على إيجاد فرص عمل كافية، خصوصا إبان الأزمة الاقتصادية الناجمة عن كورونا والحرب الأوكرانية، والتي أدت إلى تراجع معدلات النمو إلى نسب غير كافية لإيجاد فرص العمل المطلوبة.

كما تتسع الفروق الاجتماعية بين المصريين وطبقة الحاكمين ومقربي السلطة، وهو ما ينطوي عليها التباين الشاسع في الدخل والثروة بين أبناء مصر.

 

وتدل الإحصاءات المتاحة أن الحد الأدنى للأجور يصل إلى أقل من 2500 جنبه مصري في الشهر، وأن الحد الأعلى يصل إلى 41.100 ألف جنبه شهريا، وتبين أن أغنى 10%؜ في مصر ينفقون 70 ضعف أفقر 10%؜ من السكان، وتستحق هذه النسبة الاهتمام والتفكير.

ويكاد يجمع الخبراء والمراقبون  على أن مصر باتت بحاجة ماسة للتركيز على القطاعات الإنتاجية، وإيجاد فرص عمل داخل الاقتصاد الرسمي، علما أن الاقتصاد غير الرسمي يشكل نسبة عالية يقدرها بعضهم بنحو 50%، وأنها تخلق 68%؜ من الوظائف الجديدة.

 

وتكمن الأزمة الاقتصادية ، في اعتماد مصر على بناء احتياطها النقدي على الخارج، كما يواصل البنك المركزي الاعتماد على الأموال الساخنة في توفير سيولة للسوق والبنوك، وهي سياسة ثبتت فداحة كلفتها، مع هروب تلك الأموال بسرعة حال وقوع أي مخاطر خارجية أو داخلية.

 

 

وبسبب مخاطر تهاوي الاحتياطي على الاقتصاد المصري، سارعت حكومة الانقلاب لإقناع داعمين إقليميين بضخ سيولة عاجلة في الاحتياطي، فحصلت على 13 مليار دولار من الدعم النقدي الخليجي.

وقد خرجت من مصر 20 مليار دولار في صورة أموال ساخنة خلال الربع الأول من العام الجاري، وفق تصريحات رئيس حكومة الانقلاب مصطفى مدبولي.

 

وزادت موجة الهروب عقب اندلاع الحرب الأوكرانية، وإعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التوجه لزيادة سعر الفائدة على الدولار في إطار مكافحة خطر التضخم.

تراجع الاحتياطي 

المبالغ الضخمة التي هربت من مصر خلال فترة وجيزة أدت إلى حدوث تراجع حاد في احتياطي البنك المركزي، حيث إنها مثلت ما يقرب من نصف احتياطي البلاد النقدي المخصص لسداد أعباء الديون الخارجية وتمويل الواردات والدفاع عن العملة المحلية في وجه المضاربات.

 

وإذا واصلت الحكومة المصرية تلك السياسة المعتمدة على الخارج، لا على الموارد الذاتية، فإن قيمة العملة المحلية ستواصل تراجعها عاما بعد آخر، وخاصة مع وجود فجوة تمويلية قدرت بأكثر من 17.6 مليار دولار في العام المالي الماضي 2021/2022.

 

وهنا نصحو كل عام على قرار جديد بخفض قيمة الجنيه وإجراء تعويم جزئي أو كلي حسب حجم الأزمة التي يمر بها الاقتصاد والمالية العامة وإيرادات الدولة وعجز الموازنة في ذلك الوقت ، وهو ما يمثل أزمة مستمرة ، يبدو أن السيسي ونظامه لن يخرجوا من نفقها وسيحملون مردوداتها للشعب المصري.

Facebook Comments