توقف المشروعات الفنكوشية التي فرضها قائد الانقلاب الدموي عبدالفتاح السيسي على البلاد للتغطية على فساد عصابة العسكر ولإنفاق الأموال ببذخ في المصالح الخاصة والتي كان من نتائجها وصول حجم الديون إلى أكثر من 6 تريليونات جنيه، كشف عن الكوارث التي تواجهها مصر حاليا وعلى رأسها عدم وجود سيولة مالية وتراجع سعر الجنيه المصري أمام الدولار وانسداد طرق الحصول على قروض جديدة لعجز السيسي عن سداد أقساط وفوائد الديون .

هذه العوامل أجبرت حكومة الانقلاب على وقف أغلب المشروعات الفنكوشية ، خاصة في ظل التقارير الأمنية التي تتوقع اندلاع ثورة شعبية عارمة تأكل الأخضر واليابس وتتخلص من عصابة العسكر وعلى رأسها السيسي .  

 

بكري والوزير

 

كانت الأزمة قد بدأت قبل أيام بتمثيلية مكررة ممجوجة، حين طالب مصطفى بكري عضو برلمان السيسي، بوقف المشروعات الفنكوشية لفترة من الوقت لحين تجاوز الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد .

وقال بكري في تصريحات صحفية إنه "يجب مراعاة الأولويات وإعطاء احتياجات الناس الأولوية، محذرا من أن هناك حالة احتقان مجتمعي بسبب معاناة المواطنين".

في نفس اليوم رد كامل الوزير وزير نقل الانقلاب على بكري ، زاعما أن ميزانية  المشروعات القومية التي يتم تنفيذها حاليا تم توفيرها بالفعل من دولة العسكر .

وقال الوزير في تصريحات صحفية  "لو تم إيقاف المشروعات الفنكوشية فإن هذا يهز الثقة فينا ، ويكشف بأننا غير قادرين على استكمال هذه المشروعات وفق تعبيره".

وأضاف قائلا "لو أوقفنا المشروعات قد يقوم المستثمرون والشركات الأجنبية العاملة معنا باللجوء للتحكيم بسبب إيقاف العمل، ومصر قد تخسر كثيرا، فضلا عن أن كل المشروعات توفر فرص عمل كثيرة للعاملين فيها بحسب تعبيره".

 

الأجهزة السيادية

 

حول هذه الأزمة كشف باحث سياسي بمركز حكومي للدراسات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية أن لديه معلومات حول وجود أزمة عنيفة بين جهاز أمن الانقلاب من جهة وبين المخابرات العامة والحربية من جهة أخرى، بعد أن قللت الهيئتان الأخيرتان من أهمية تقارير رفعها أمن الانقلاب إلى السيسي خلال شهر رمضان الماضي، حذرت من أن الاستمرار في رفع أسعار السلع والخدمات الحكومية سوف يؤدي بالضرورة إلى انفجار الوضع الشعبي؛ لأن هناك حالة احتقان واضحة تظهر معالمها بشكل كبير بين أفراد الطبقة المتوسطة التي تتعرض لما يمكن وصفه بالسحق، وهي نفس التعبيرات التي استخدمها مصطفى بكري في حديثه أمام مجلس نواب السيسي، بما يجعلنا نجزم بأن تحرك بكري تم بإيعاز من أمن الانقلاب الذي يرتبط معه بعلاقات منذ أكثر من 30 عاما.

ورجح الباحث أن بكري وبعض نواب حزب مستقبل وطن ممن طالبوا بإيقاف المشروعات مقابل توجيه قدر أكبر من ميزانية دولة العسكر لتوفير الطعام للمواطنين كانوا مدفوعين من أمن الانقلاب؛ لتوصيل رسالة إلى السيسي حول حقيقة الأوضاع في الشارع المصري، بعدما فشلت التقارير السرية التي قدمها الجهاز في إقناع السيسي بذلك بسبب قيام المخابرات العامة والحربية بالتقليل من أهميتها، ووصفها بأنها مبالغة في تقدير ردود الفعل المتوقعة من المصريين تجاه الارتفاع المتوقع للأسعار.

 

سعر البنزين

 

ودلل على كلامه بالإشارة إلى أن بكري نفسه دافع باستماتة قبل شهرين فقط عن المشروعات الفنكوشية بزعم أن هذه المشاريع تعيد بناء دولة العسكر ويعمل بها نحو 5 ملايين مواطن.

وأضاف الباحث، الغريب أنه رغم الصراع فإن المخابرات العامة والحربية أيدت تقرير لأمن الانقلاب في بداية رمضان الماضي، يحذر من رفع سعر البنزين بمعدلات كبيرة؛ لأن ذلك سيتسبب في زيادة احتقان المواطنين، خاصة أنه سوف يؤدي إلى رفع أسعار المواصلات العامة والخاصة ويؤثر على أسعار السلع، واستجاب السيسي بالفعل لذلك التحذير، وأعطى تعليماته بأن تكون الزيادة 25 قرشا فقط، رغم أن لائحة هيئة تسعير المنتجات البترولية حددت الزيادة أو التخفيض في السعر بحدود 10%، وهو ما كان يعني إمكانية زيادة سعر اللتر الواحد بحوالي 85 قرشا.

 

رسالة سلبية

 

في المقابل، اعتبر باحث اقتصادي في مجلس وزراء الانقلاب أن إيقاف العمل في المشروعات الفنكوشية الآن سوف يرسل رسالة سلبية للمستثمرين الأجانب، ويؤثر على قدرة مصر في جذب استثمارات جديدة، مؤكدا أن المشروعات التي تجري في مصر يتم تنفيذها بشكل خاطئ، سواء من حيث مصادر تمويلها أو تحديد أولويتها وفقا لظروف الاقتصاد المصري.

وقال الباحث إن "مشكلة دولة العسكر في السنوات الأخيرة أن كل شيء فيها يجري تنفيذه بشكل عشوائي دون الاعتداد أو حتى النظر لدراسات الجدوى والتقارير الاقتصادية التي يعدها المتخصصون في الوزارات المختلفة، لافتا إلى أن السيسي صرح خلال حضوره منتدى إفريقيا عام 2018 بأن "مصر لو مشيت بدراسات الجدوى وجعلتها العامل الحاسم في حل المسائل كنا هنحقق 20-25% فقط مما حققناه".

 

الاستثمار الأجنبي

 

وكشف أن تبعات إيقاف المشروعات كثيرة ، أهمها فقدان من 3 إلى 5 ملايين فرصة عمل وفرتها هذه المشروعات ، كما أن مشروعات إصلاح البنية التحتية في البلاد من طرق وكباري وشبكة سكك حديدية تمثل بداية لإصلاح الاقتصاد، فضلا عن أن وقف المشروعات يعطي رسالة عكسية للاستثمار الأجنبي المباشر بعدم استقرار الأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر، وبالتالي استبعادها من الدول ذات المناخ الجاذب للاستثمار.

وأكد الباحث أن ذلك لا يعني الاستمرار في تلك المشروعات على حساب البشر وتوفير احتياجاتهم، مشيرا إلى أنه من المفترض في الوقت الحالي أن تكون هناك إعادة ترتيب للاقتصاد المصري عبر إيقاف بعض المشروعات الحالية التي تحتاج لتمويل كبير ولن تدر عائدات سريعة، واستبدالها ببعض المشروعات الإنتاجية والصناعية، على أن تعاد جدولة المشروعات المتوقفة لاستكمالها على خطة خمسية أو عشرية، حسب أولويات احتياجات مصادر الإنفاق مع إعادة ضبط السياسات المالية والنقدية، وهذا هو الشيء الهام في المرحلة المقبلة.

 

Facebook Comments