تحت ضغوط الأزمة الاقتصادية وهجرة رؤوس الأموال من مصر وتحت سيف صندوق النقد الدولي، ولجذب استثمارات باتت لا تثق في مصر على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتشريعي، جاءت وثيقة ملكية الدولة المصرية، التي أعلن عنها رئيس وزراء السيسي مصطفى مدبولي مؤخرا، لتؤكد العديد من الحقائق ، منها تخلي الحكومة عن التعليم وتركه للقطاع الخاص ليتوسع به، مع الاهتمام والتركيز على السمسرة وتحصيل العمولات أكثر من أي قطاع آخر، وهو ما يكشف سوادا قاتما ينتظر المصريين الذين يضربهم الغلاء وتحرير أسعار الخدمات بكافة أشكالها، وتخلي الحكومة عن أي دعم اقتصادي للمواطنين، وهو ما يصدم ملايين المصريين من محدودي الدخل الذين تزيد نسب فقرهم عن أكثر من 60% ، وسط تزايد كبير مع ارتفاع الأسعار الجنوني ونقص المخزونات الاستراتيجية من الحبوب والأغذية وفق ما كشفت عنه كلمات السيسي  الفاضحة مؤخرا، باحتمالية أن نأكل أوراق الشجر، الذي بات أمرا شبه قريب، وسط جفاف أغلب الأشجار بسبب نقص المياه بسبب سد النهضة الأثيوبي الذي يكبر ويعلو يوما تلو الآخر ، وسط عجز جنود السيسي المشغولين بتحصيل الأموال من مشاريع الجيش الطاردة للاستثمارات الخاصة والقطاع المدني، والحارمة لموازنة مصر من إيرادات مليونية.

 

وأظهرت مسودة وثيقة تداولتها وسائل إعلام  ، أن الحكومة حددت قطاعات قالت إن "الدولة ستتخلى عن أنشطتها فيها على مدار السنوات الثلاث المقبلة، وحددت أيضا المجالات الاقتصادية التي سيستمر وجود الدولة فيها".

 

الوثيقة التي حملت اسم "سياسة ملكية الدولة" حددت 3 مستويات لوجود الدولة في الأنشطة الاقتصادية.

الأول ، التخارج بشكل كامل خلال 3 سنوات، والثاني الإبقاء مع تثبيت وتخفيض الاستثمارات الحكومية مع السماح بمشاركة القطاع الخاص، والثالث الإبقاء مع تثبيت أو زيادة الاستثمارات والسماح بمشاركة القطاع الخاص.

 

أظهرت الوثيقة أيضا اتجاه الحكومة للتخلص من جميع استثماراتها وملكياتها في نحو 79 نشاطا في القطاعات المختلفة، على رأسها أنشطة الاستزراع السمكي والثروة الحيوانية وقطاع المجازر وقطاع التشييد، والحبوب باستثناء القمح وإنشاء الموانئ ومحطات تحلية المياه، وأنشطة البناء باستثناء بعض المشروعات العامة.

وتعد تلك القطاعات التي ستنسحب منها الدولة، قطاعات حيوية، تتعلق بغذاء المصريين ومياه شربهم التي من المفترض أن توفرها الحكومة للمواطنين وفق الدستور، وخاصة بعد نقص حصص مصر المائية بنحو 25%، إثر أزمة سد النهضة.

إذ من المتوقع أن ترتفع فواتير المياه وفواتير الغذاء  ورغيف الخبز وطعام المصريين المرتبط بالحبوب ، وسيكون البديل هو الشراء بالأسعار العالمية المرتبطة بالعديد من المتغيرات، والتي لن يقوى على تغطيتها المواطن المصري.

 

أما المجالات التي تعتزم الحكومة الحفاظ على وجودها مع إمكانية تقليصه، محطات توليد الكهرباء والتعليم قبل الابتدائي وإدارة وتشغيل وصيانة مترو الأنفاق والملكية العقارية وإنتاج الألبان وأنشطة الوساطة المالية المساعدة.

 

في حين أن المجالات التي قد تزيد فيها الدولة وجودها، البنية التحتية للنقل والتعليم وإنتاج ورفع مياه الشرب، وأنشطة متعلقة بقناة السويس وبعض أنشطة الوساطة المالية والتأمين، إضافة إلى خدمات التليفون الأرضي والاتصالات اللاسلكية والبث الإذاعي والتلفزيوني.

 

يأتي هذا بينما تقول الحكومة المصرية إنها "تستهدف إتاحة أصول مملوكة للدولة بقيمة 40 مليار دولار للشراكة مع القطاع الخاص المصري أو الأجنبي على مدار أربع سنوات، وزيادة مشاركة القطاع الخاص في الاستثمارات المنفذة من 30% حاليا، إلى 65% خلال ثلاث سنوات.

 

بل كانت الحكومة تتحدث عن بيع مجموعة من الأصول الحكومية منذ سنوات، لكن الخطط تم تأجيلها في الغالب، وهو ما يرجع لأسباب، منها اضطرابات في السوق وعقبات قانونية وبيروقراطية، وفقا لوكالة رويترز.

 

وتأتي هذه المسودة في وقت يتعرض فيه الاقتصاد المصري لهزة، من جراء نزوح رؤوس أموال وارتفاع تكاليف الاستيراد وصدمة لقطاع السياحة، ناتجة عن الهجوم الروسي على أوكرانيا منذ فبراير 2022.

 

 

ويرى خبراء الاقتصاد أن تلك الوثيقة تستبق المحادثات المباشرة في مراحلها الأخيرة مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قرض جديد،  من أجل سد عجز الموازنة وليس تخليقا لاستثمارات جديدة ، وهو ما ينذر بمزيد من الإجراءات التقشفية التي يشترطها الصندوق وتمس أحوال المصريين المعيشية، من أسعار وخصخصة الخدمات، وفصل ملايين المصريين من أعمالهم بصورة عاجلة، وفق اشتراطات الصندوق،  وهو ما تتوسع فيه الحكومة بالفعل، بفتح باب الإجازات المفتوحة للموظفين الحكوميين، مع تعديلات في قوانين المعاشات والتأمينات وغيرها.

كما تعتبر الوثيقة بداية كوارث اجتماعية واقتصادية منتظرة، إذ تنسحب الدولة عن مسئولياتها في قطاعات حيوية، وتتركها للقطاع الخاص أو مؤسسة الجيش التي لم يُشر لشركاتها واستثماراتها الاقتصادية من قريب أو بعيد، وهو ما يضع المصريين بين شقي الرحى بلا حماية اجتماعية.

Facebook Comments