كسبوبة مُجرّبة من قبل النظام العسكري لابتزاز الغرب وأوروبا  بأنه يقاوم حركة الهجرة  من الجنوب إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، وهو ما نال به ثمنا اقتصاديا وماليا كبيرا وأيضا سياسيا، فمن صمت أوروبا عن انتهاكات السيسي ونظامه لحقوق الإنسان، إلى تمويل الكثير من صفقات الأسلحة بالمخالفة لقوانين تلك الدول التي تحظر بيع الأسلحة للأنظمة الديكتاتورية والقمعية التي تستخدمها ضد شعوبها، إلى التمويل والقروض الكثيفة التي ابتلعها السيسي خلال سنوات حكمه.

وهو الأمر الذي يكرره السيسي اليوم مع دول الخليج ، الذي سبق وأن ابتزهم عبر سنوات الانقلاب العسكري وحصل منهم على نحو 100 مليار دولار، كمساعدات وقروض وودائع بنكية بحجة مكافحة الإرهاب وحرب الإسلام السياسي وتقويض جماعة الإخوان المسلمين التي لها امتدادات إقليمية ومواجهة حركة الربيع العربي والديمقراطية التي قد تنتقل من مصر إلى ممالك الخليج ، بما يهدد النظم الوراثية والممالك بالمنطقة، حسب أجندة نظام العسكر بمصر.

ومع نفاد أرصدة كثير من دول الخليج والمانحين والداعمين لديكتاتورية السيسي وتورطهم في مستنقع الديون كما في السعودية والإمارات. 

بدأ السيسي ونظامه يلاعب  الخليج وحكامه بورقة أخرى، وهي ورقة كل المصريين، الذين قد تضربهم المجاعة فيضطرون للهجرة غير الشرعية تارة إلى أوروبا عبر البحر المتوسط وتارة عبر البحر الأحمر نحو دول الخليج وتارة إلى الشرق نحو فلسطين وتارة نحو الجنوب إلى السودان ، وهو أسلوب رخيص يرسل رسائل لكل دول الخليج وإسرائيل وأوروبا وأفريقيا لدعم مصر وتمويلها.

حيث جاء مقال عماد الدين أديب المقرب من جهاز المخابرات بعنوان  "مصر، من يعوّض الفاتورة المؤلمة للحرب الروسية  الأوكرانية؟" يوم الأحد 12 يونيو 2022، متضمنا تحذيرات للدول بضرورة مساعدة مصر بنحو 25 مليار دولار بشكل عاجل، خلال العام المالي الذي يبدأ مطلع يوليو المقبل، وهو ما جاء متوافقا مع مناشدة السيسي الدول والمانحين بإقراض مصر نحو تريليون دولار لإصلاح مصر.

وقال أديب "قد يكون مستقبل العلاقات المصرية الخليجية أحد ضحايا فاتورة الحرب الروسية الأوكرانية".

هناك 25 مليار دولار أميركي زادت بين ليلة وضحاها على الموازنة المصرية الطموحة بسبب ارتفاع فاتورة الطاقة ومشتقاتها والحبوب والغلال والسلع التموينية الأساسية".

 

زادت فاتورة مصر الشهرية في استيراد الطاقة بـ700 مليون دولار بعدما ارتفع سعر برميل النفط من 70 إلى 119 دولارا، وقد يتعدى 150 دولارا في حال زيادة الطلب في أوروبا وزيادة طلب المصانع.

 

مضيفا  "تُعتبر مصر المستهلك الأول في العالم للقمح، حيث إنها تستورد سنويا ما يزيد على 12 مليون طن ، ونتيجة الحصار البحري المفروض على أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا ارتفع سعر طن القمح ما يزيد على 80 في المئة من قيمته التقديرية".

 

وفي ابتزاز رخيص، قال أديب "ترك الحالة المصرية كما هي من دون تدخل اقتصادي ومالي عاجل لمواجهة فاتورة الحرب الروسية الأوكرانية هي كارثة بكل المقاييس".

هذا الوضع الطارئ، الذي يأتي عقب الفاتورة الصحية والاجتماعية الباهظة، التي تحمّلتها مصر بشجاعة خلال العامين الماضيين لمواجهة آثار فيروس كورونا، شكّل ضغطا متزايدا على العملة المحلية مقابل الدولار الأميركي، وهو ما أدى إلى خفض الجنيه المصري مقابل الدولار بما لا يقل عن 20 في المئة، الأمر الذي ألقى بآثاره على كل أسعار السلع والخامات الأساسية والوسيطة لبلد يستورد أكثر من ثلثَيْ احتياجاته من الخارج.

 

يحدث ذلك في ظل نظام رعاية اجتماعية توفره الدولة لأكثر من 65 مليون بطاقة تموين مدعومة لغير القادرين، تشكل أكثر من ربع موازنة الدولة.

 

باختصار هذا وضع استثنائي لا يُطاق ولا يمكن لاقتصاد مثل الاقتصاد المصري أن يتحمل تبعاته ولا تكلفته.

 

 

وعن موقف  السيسي، تابع أديب، يشعر صنّاع القرار في القاهرة بظلم شديد نتيجة هذا الوضع المأزوم لأنه لم يأتِ نتيجة سوء إدارة الحكومة أو فساد في المنظومة أو خطأ في التوجهات الاستراتيجية الاقتصادية أو خلل في السياسة النقدية، بل جاء نتيجة أزمتين هما الكورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وهما أزمتان هبطتا من السماء على رأس البشرية.

وهنا يتجلى كذب أديب وخداعه، متناسيا أن استراتيجية السيسي الاقتصادية هي مزيد من التضييق على الفقراء والتوسع في الديون والاقتراض دون رقيب أو محاسبة وأن مصر في ظل حكم السيسي تزداد فسادا وتنعدم الشفافية ويتوسع بإسناد المشاريع بالأمر المباشر للعسكر ، وهو ما يهدر على المصريين مليارات الجنيهات  والدولارات في مشاريع ريعية لا تدر دخلا أو تخلق إنتاجا أو فرص عمل حقيقية للمصريين، بل تحرم موازنة الدولة من عوائد نحو 60% من الاقتصاد المصري كرسوم وجمارك وضرائب يسيطر عليها الجيش المُعْفَى من كل شيء، حتى من أجور عماله ، إذ يعتمد على السخرة وتشغيل المجندين.

وعلى طريقة السيسي في الشحاتة، قال أديب  "أزمة الاقتصاد المصري الآن هي في تدبير الموارد اللازمة لتغطية الزيادات الضخمة التي طرأت على الطاقة والغذاء".

 

 

 ويواصل أديب "في المقام الأول تنتظر القاهرة من أشقائها في الخليج ألا تُترك وحدها في مجابهة هذه الأزمة الاستثنائية الضاغطة التي لا تهدد الاقتصاد المصري فحسب، بل تهدد الاستقرار السياسي في البلاد على أساس أن رضاء المواطنين، أي مواطنين، مرتبط بقدر عظيم بمدى توافر ضرورات المعيشة بيسر وسهولة".

 

فاتورة الزيادة البالغة 25 مليار دولار، أي ربع أكثر من تريليون جنيه مصري، هي تحدٍ قاسٍ وجدي لا يتحمل التأجيل أو المزاح في تلبيته الفورية.

 

 

متابعا ، في المقام الثاني يستطيع الاقتصاد المصري أن يدبر أموره حتى الربع الأخير من عام 2022 بفضل تحركات ذكية وواعية تمت أخيرا، لكن تبدأ الضغوط والتحديات القاسية بترك آثارها على البلاد والعباد. 

ويستكمل عماد أديب تبريره لفشل وفساد نظام الانقلاب وتهيئة الرأي العام لمجاعة قادمة وابتزازه  للخليج وأوروبا ، يبقى احتمالان في هذا الشأن.

الأول أن يتم تدبير موارد من الدولارات الطازجة لتنعش الاقتصاد المصري لمواجهة هذه الفاتورة المستجدة عن طريق مشروع دعم عربي دولي منظم ومحسوب بدقة، وبرعاية مؤسسات مالية دولية، هذا هو الاحتمال الآمن.

 

الاحتمال الثاني لا قدّر الله، السيناريو القائم على استفحال الأزمة والضغط الشديد على حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي في مصر، وهو احتمال كارثي يفتح أبواب جهنم ليس على الأوضاع في مصر وحدها، لكن على أربعة محاور:

 

1- سوف يصب لمصلحة الدول غير العربية الشرق أوسطية، أي لمصلحة إيران وتركيا وإسرائيل.

 

2- سوف يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في مصر تعيد حالة الفوضى التي صاحبت سابقا أحداث يناير 2011، وساعتئذ لا أحد سيتمكن من توقع ردود فعل القوى الشعبية الداخلية.

3- سيبدأ كابوس النزوح البري الكبير عبر الحدود مع ليبيا وفلسطين والسودان.

 

4- سيبدأ سيناريو كابوس الهجرة بالملايين عبر البحر المتوسط إلى أوروبا، وعبر البحر الأحمر إلى دول الخليج.

ويختتم بقمة الابتزاز بقوله "ترك الحالة المصرية كما هي من دون تدخل اقتصادي ومالي عاجل لمواجهة فاتورة الحرب الروسية الأوكرانية هي كارثة بكل المقاييس ، ولك الله يا مصر".

هذا المقال المثير للشحاتة وابتزاز دول الخليج وأوروبا، لا يكاد يحمل السيسي ونظامه أي مسئولية عما حدث ويحدث في مصر، على الرغم من الفشل الكبير في إدارة الاقتصادد المصري، وتركيز كل  الإنفاق في مشاريع فنكوشية لا يحتاجها الاقتصاد المصري، ناهيك عن بيع أصول الدولة وإهدار فرص العمل والإنتاج على المصريين، وإهدار المنافسة الاقتصادية باستخدام الأمر المباشر لإسناد المشاريع لشركات الجيش، علاوة على كفران السيسي بدراسات الجدوى للمشاريع، ما أهدر الأموال والمساعدات والقروض على مشاريع الطرق والكباري بلا فائدة.

 

السيسي يشحت تريليون دولار!!

 

وعلى نفس طريقة عماد أديب التي لا تصدر إلا عن العسكر.

والاثنين الماضي، جاءت تصريحات السيسي، أثناء افتتاح مشروعات للإنتاج الحيواني، بمدينة السادات  بالمنوفية لتصب في نفس اتجاه الشحاتة والابتزاز أيضا.

وقال السيسي "عضمنا لسه مانشفش، عضمنا ينشف لما يبقى دخل الدولة تريليون دولار، لما الدخل يبقى كده حاسبوني ، أنا بنام وأحلم بعشرة تريليون دولار، ومش بعيد على ربنا".

التصريح حظي باهتمام كبير لضخامة الرقم مقارنة بتصريحه في العام السابق 2021 حين طلب 100 مليار دولار، وفسروه بأنه تنصل من المسؤولية والمحاسبة على ما آلت إليه أحوال الشعب المصري من سوء مقارنة بالوعود البراقة في بداية فترة حكمه.

كما تاتي تصريحات السيسي للإفلات من المحاسبة من قبل المصريين الذين يتجرعون الجوع والفقر، مؤجلا أمر محاسبته إلى حين يكون دخل مصر تريليون دولار، وهو رقم كبير ولا يتناسب مع  مصر ولا مقدراتها ولا مسئوليها العاجزين أصلا عن توفير  الحد الأدنى من الخبز للشعب.

ولعل المستغرب، أن يعالج السيسي أزمة مصر الاقتصادية المتفاقمة بأقوال وسياسات اتكالية، فكيف يمكن صيانة مصير 100 مليون مصري في مواجهة كارثة اقتصادية وشيكة؟ ربنا بيعطف علينا ويكرمنا، وبيراضينا وهيراضينا.

فيما علق الصحفي فتحي أبوحطب ‏"وكيف تحقق الدولة تريليون دولار سنويا؟ الوعود جميلة، ولكن من الأفضل تحويلها إلى خطة عمل، وخريطة طريق توضح كيف ومتى يصل الدخل القومي إلى تريليون دولار؟ لا يمكن تحقيق الأهداف قبل تكليف فريق عمل من الكفاءات، وتغيير المنظومة القانونية والإدارية لاقتصاد مصر ، وهو ما لا ينتويه السيسي بل يريد ابتزاز دول الخليج والغرب لدعم مصر، وضمان الهروب من المحاسبة حتى العام 2035، ضاربا عقول المصريين وبطونهم في أسمنت العاصمة الإدارية أو الكباري والمحاور المرورية المتناثرة يمينا وشمالا بلا فائدة.

Facebook Comments