رغم أن حكومة بوريس جونسون قدمت دعما يقدر بنحو 37 مليار جنيه استرليني (نحو 925 مليار جنيه مصري) للشعب البريطاني؛ إلا أن المظاهرات اندلعت الثلاثاء 21 يونيو 2022، في أنحاء بريطانيا؛ احتجاجا على ارتفاع الأسعار وتدني الظروف المعيشية بعدما بلغ التضخم في يونيو 09%. كما تظاهر نحو 80 ألف بلجيكي وسط العاصمة بروكسل، احتجاجًا على ارتفاع الأسعار وتدني الظروف المعيشية. وتأتي تظاهرات الثلاثاء في إطار أسبوع من الاحتجاجات دعت إليه النقابات العمالية البلجيكية، للمطالبة بزيادة الأجور بما يتوافق مع الزيادات المتسارعة في الأسعار. وبدأت الاحتجاجات الواسعة، الإثنين، بإعلان العاملين وعناصر الأمن في مطار بروكسل إضرابًا شاملًا عن العمل، ألغيت على أثره أكثر من  230 رحلة جوية.

وفي بريطانيا، أصيبت خطوط السكك الحديدية البريطانية بحالة من الشلل نتيجة بدء عمال القطارات ومحطات قطار الأنفاق في لندن، إضرابًا عن العمل يمتد حتى الجمعة المقبل، ويعد الأكبر منذ 30 عامًا، للمطالبة بزيادة الأجور والأمان الوظيفي، على خلفية ارتفاعات كبيرة أيضًا في الأسعار ومعدل التضخم الذي وصل 9% ومن المتوقع أن يصل إلى 10%، وهو أعلى معدل منذ أكثر من 50 سنة.  خلال أيام الإضراب سيعمل نحو نصف شبكة القطارات فقط في بريطانيا، بخدمات محدودة للغاية، إضافة إلى تعطيل مستمر في الأيام الواقعة بين أيام الإضراب.  ويمكن أن يمتد الإضراب إلى وسائط نقل أخرى مثل سائقي الباصات أو قطاعات أخرى، منها التعليم والصحة والبريد. وصوت بعض المحامين بالفعل لصالح إضراب الأسبوع المقبل، بعد نزاع مع الحكومة بشأن قيمة الاستشارة القانونية.

ويعاني العالم منذ شهور من أزمة اقتصادية طاحنة، بدأت ملامحها في التجلي إثر الهجوم الذي شنه فيروس كورونا على البشر، ما أصاب جميع مناحي الحياة بالانكماش، وفي القلب منها الأنشطة الاقتصادية، التي ما كادت تفيق من أثر كورونا حتى تلقت ضربة موجعة بعدما شن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتن، حربه ضد أوكرانيا، ما يدفع الاقتصادي العالمي الآن نحو الركود.

وتشهد مصر حاليا أكبر موجة غلاء وارتفاع لأسعار السلع والوقود في تاريخها كله؛ فلم ير المصريون مطلقا مثل هذا الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الغذائية والملابس وكل شيء في توقيت واحد متزامن. أسباب ذلك متعددة أبرزها تبني نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي سياسات نيوليبرالية متوحشة تنحاز للشركات العالمية متعددة الجنسيات المحسوبة على دول كبرى من جهة كما تنحاز للمؤسسة العسكرية ومشروعاتها من جهة ثانية فتمنحها امتيازات ضخمة تجعل منها أكبر مهيمن على مفاصل السلطة السياسية والاقتصادية في البلاد، كما تنحاز هذه السياسيات إلى طبقة الأثرياء من رجال الأعمال من جهة ثالثة على حساب جموع المواطنين الذين يتساقط منها عشرات الملايين تحت خط الفقر على نحو مرعب؛ لم يحدث من قبل.

وفي أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، وارتفاع أسعار الوقود والسلع الغذائية خرجت تقديرات موقف من مراكز بحث وتحليل تحذر من انفجارات اجتماعية في الدولة الهشة كمصر وعدد من الدول العربية؛ وكان على رأس المحذرين البنك الدولي، الذي توقع اندلاع احتجاجات مشابهة لاحداث الربيع العربي بسبب التضخم وارتفاع الأسعار. وتؤكد صحيفة "التلجراف" البريطانية،  أن مصر ستواجه أزمة غذاء كبرى، وتنقل الصحيفة البريطانية عن البروفيسور "تيموثي لانج" الأستاذ الفخري المتخصص في سياسة الغذاء، تحذيراته مؤكدا أن «مصر صندوق بارود ينتظر الانفجار». ووفقا لتقديرات موقع «جيوبوليتيكال فيوتشرز»، فإن الاحتجاجات الجماهيرية تكاد تكون حتمية في مصر وشمال إفريقيا إذا ارتفت أسعار الغذاء إلى مستويات جديدة تفوق قدرة ملايين الفقراء. واستنادا إلى مؤلفات جاك غولدستون عالم الاجتماع السياسي الأميركي والأستاذ بجامعة جورج مايسون، فإن هناك احتمالات قوية لحدوث تمرد وانفجار اجتماعي جراء ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء. بينما الحرمان النسبي قد يدفع إلى قيام الثورة وحدوث التغيير، فالشعور بعدم المساواة وانعدام الفرص -سواء في الدول الغنية أو الدول متوسطة الدخل- هو الذي يدفع باتجاه التفكير في الثورة، وذلك من أجل تغيير موازين القوى السياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية، ويصبح الأمر أكثر إلحاحا عندما يدرك المواطنون أولا أن فقرهم ليس قدرا حتميا لأن بلادهم فقيرة ولكن نتيجة للسياسات الحكومية الفاشلة والفاسدة، وثانيا لأن هناك فئات وطبقات أخرى لا تعاني الفقر، بل تحتكر الثروات والموارد على حساب بقية المجتمع، وبكلمات أخرى، فإن فقرهم هو بفعل فاعل وليس أمرا قدَريا.

Facebook Comments