حذر المجلس الأطلسي، في تقرير له، من تنامي النفوذ الروسي في مصر، داعيا الولايات المتحدة إلى التحرك لوقف المد الروسي في مصر والشرق الأوسط.

وبحسب التقرير، ففي يونيو، أعلنت شركة الطاقة الذرية الروسية المملوكة للدولة "روساتوم" بشكل مفاجئ أنها ستبدأ في إنتاج المعدات لأول محطة للطاقة النووية في مصر في بلدة الضبعة الشمالية الغربية ، وقد أثار التطور الجديد المخاوف في الولايات المتحدة وأوروبا  التي تشعر بالاستياء تجاه روسيا بسبب عدوانها على أوكرانيا وترى في استمرار المشروع علامة على تملق مصر لموسكو.

وقال التقرير إن "هذا الإعلان، الذي جاء خلال زيارة قام بها إلى موسكو رئيس الهيئة المصرية لمحطات الطاقة النووية، يمثل إحياء لاتفاقية وقعتها مصر وروسيا في عام 2015، ولم يشهد تقدما يذكر منذ ذلك الحين".

كما أثار قرار استئناف العمل في منشأة الضبعة النووية المدنية المثيرة للجدال بعض الشكوك بين المراقبين في الولايات المتحدة وأوروبا.

فمن جهة، تنخرط روسيا  التي التزمت بتمويل 85 في المئة من تكلفة مشروع  الضبعة  من خلال قرض بقيمة 25 مليار دولار على مدى 22 عاما  في الحرب في أوكرانيا التي أدت إلى فرض عقوبات اقتصادية عقابية متعددة الأطراف.

وأضاف التقرير أنه في الوقت نفسه، يرى محللون أن مصر ليست بحاجة ماسة إلى منشأة نووية  ،  تتمتع الدولة الواقعة في شمال إفريقيا بفائض في الطاقة بفضل الاستثمارات المتزايدة في الطاقة المتجددة والاكتشافات الكبيرة في البترول والغاز في السنوات الأخيرة.

وقد وصل إنتاج "ظهر"  أحد أكبر حقول الغاز في البحر المتوسط  وقد اكتشفته شركة الطاقة الإيطالية إيني عام 2015  إلى رقم قياسي بلغ 2.74 مليار قدم مكعب من الغاز يوميا في عام 2021 ومن المتوقع أن يساهم إضافة بئرين جديدين إلى حقل الغاز في تعزيز الإنتاج في الأشهر المقبلة.

بالإضافة إلى ذلك، يجري حاليا بناء منشأة للطاقة الشمسية بقيمة 10 مليار دولار في مدينة أسوان الجنوبية، مع إمكانية إنتاج نفس كمية الطاقة التي تنتجها الضبعة بثلث تكلفة الضبعة ، وهذا يجعل منشأة أسوان أكثر فعالية من حيث التكلفة ومن دون المخاطر البيئية المحتملة التي يفرضها مرفق الضبعة.

وأوضح التقرير أنه مع ذلك، يصر المسؤولون المصريون على أن أمن الطاقة المستقبلي للبلاد  والنمو السكاني  يتطلب تنويعا لمصادر الطاقة، بما في ذلك الطاقة النووية والفحم، ويرون في بناء منشأة الضبعة وسيلة لحفز تحول البلاد إلى اقتصاد منخفض الكربون.

 قال لي أحد مسؤولي الأمن إن "الطاقة النووية منخفضة الكربون ويمكنها تزويد أكثر الدول العربية اكتظاظا بالسكان بكهرباء نظيفة، ويمكن الاعتماد عليها وبأسعار معقولة.

وتهدف إستراتيجية الطاقة المتكاملة لمصر إلى رفع إنتاج الطاقة من المصادر المتجددة إلى أكثر من 40 بالمائة بحلول عام 2035. وليس من المستغرب أن يتم الترويج للمشروع في الأذرع الإعلامية على أنه كفيل بتحسين مستويات معيشة المصريين.

وينسجم المشروع أيضا مع طموح مصر في أن تصبح مركزا إقليميا للطاقة في أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. ولتحقيق هذه الغاية، كانت مصر حريصة على تنفيذ الإصلاح المالي وبناء شبكات ربط الطاقة فضلا عن التحول الملحوظ نحو تنمية موارد الطاقة المتجددة.

ومن ناحية أخرى، توفر الحرب الروسية في أوكرانيا وما أعقبها من ضغوط من جانب الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين للتخلي عن استخدام الوقود الأحفوري الروسي الفرصة لمصر للتدخل لسد الفجوة في إمدادات الغاز إلى أوروبا من خلال زيادة الإنتاج والصادرات، ووقعت اتفاقات بالفعل بين شركتي "إيني" و"إيغاس" المصرية القابضة للغاز الطبيعي لكي تزود مصر أوروبا وإيطاليا على وجه الخصوص بثلاثة مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال في عام 2022.

فقد رفضت مصر، التي رأت شريكا راسخا في روسيا وممتنة للثانية على دعمها لها، الاستسلام للضغوط التي مارستها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون لإدانة الحرب الروسية في أوكرانيا بشكل صارخ.

وبدلا من ذلك، اختارت مصر أن تبقى محايدة في الصراع ورفضت فكرة فرض عقوبات على روسيا على الرغم من أن البلاد أيضا تعاني من تداعيات الحرب الجارية، أما مصر التي كان القسم الأعظم من وارداتها من القمح يأتي من روسيا وأوكرانيا قبل الحرب فهي الآن مضطرة إلى التحول إلى مصادر بديلة لاستيراد القمح مثل رومانيا وفرنسا والهند، وهي أيضا تدفع أكثر بكثير لوارداتها.

في الوقت الذي تعاني فيه مصر من عجزا متزايدا في الميزانية ونقصا في احتياطيات العملات الأجنبية، تدفع البلاد ما يصل إلى 480 دولارا للطن الواحد من القمح المستورد  بزيادة قدرها 78 بالمائة تقريبا عن السعر الأصلي 270 دولارا الذي دفع قبل الحرب.

أشاد عبد الفتاح السيسي، في كلمته أمام المنتدى الاقتصادي الدولي الذي عقد في سانت بطرسبرغ في 15 و 18 يونيو، بعلاقات مصر المتميزة مع روسيا، وأشار إلى أن البلدين ينفذان مشاريع كبيرة وطموحة ، مستشهدا بمرفق الضبعة كأحد هذه المشاريع. كما تعزز روسيا تعاونها مع مصر من خلال إنشاء منطقة صناعية روسية في قناة السويس، التي من المتوقع أن تجتذب استثمارات بقيمة 7 مليارات دولار، وتساعد أيضا في تطوير شبكة السكك الحديدية المتهالكة في مصر.

وأشار التقرير إلى أن الدولتين تتمتعان بعلاقات وثيقة على مدى عقود، ولكن العلاقات بينهما ازدادت قوة منذ استيلاء السيسي على السلطة في عام 2014.

كان السيسي، الذي يغضب من الانتقادات التي وجهها إليه القادة الأمريكيون والأوروبيون بخصوص الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها نظامه، يسعى إلى تنويع شراكات مصر العالمية من خلال توطيد العلاقات مع نظيره الروسي، وهو مستبد لا يهتم بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

وفي الوقت نفسه، لا يزال السيسي حذرا من الولايات المتحدة، لأن هذه الأخيرة ألقت بثقلها خلف الناشطين المؤيدين للديمقراطية الذين قادوا انتفاضة 2011 ضد الدكتاتور حسني مبارك، وكان على استعداد في وقت لاحق لإعطاء الديمقراطية فرصة من خلال الخضوع لحكم الإخوان المسلمين.

ثم ذهبت الولايات المتحدة إلى ما هو أبعد من هذا، فعلقت في عام 2013 جزءا من 1.3 مليار دولار التي تقدمها سنويا لمصر بسبب الحملة الدامية ضد الإخوان المسلمين ، وفقا لتقرير صادر عن شبكة سي إن إن ، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة قد أعلنت عن تعليق المساعدات في عام 2015، إلا أن التعليق تسبب بالفعل في توتر العلاقات الأمريكية المصرية.

في سبتمبر 2021، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن خطط لإدارة جو بايدن لمنع مساعدات عسكرية لمصر بقيمة 130 مليون دولار إلى أن تتخذ الأخيرة خطوات محددة تتعلق بحقوق الإنسان ، وقد وصفت وزارة الخارجية بحكومة السيسي مرارا مزاعم انتهاكات حقوق الإنسان بأنها تدخل في الشؤون الداخلية للبلاد ، وبث المعارضة معلومات مضللة.

وتابع التقرير "إذا كانت الولايات المتحدة راغبة في تعزيز تعاونها مع نظام السيسي، فقد تحتاج إلى القيام بما فعله الاتحاد الأوروبي بتخفيف انتقاداتها لوضع حقوق الإنسان في مصر، والاهتمام بمصالحها. وطالما أن السيسي يوقف تدفق الهجرة غير الشرعية من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أوروبا، ويواصل جهوده لمكافحة الإرهاب، فإن الاتحاد الأوروبي مستعد لغض الطرف عن أي تجاوزات وتعزيز ترسانة الجيش المصري من خلال زيادة مبيعات الأسلحة الأوروبية إلى مصر خصوصا من ألمانيا وفرنسا.

وقد دفع هذا الاتفاق غير المعلن نظام السيسي إلى توقيع اتفاق شراكة مع الاتحاد الأوروبي طال تأجيله، على أن يتم تنفيذه خلال السنوات الخمس المقبلة، وتشمل أولويات الشراكة الجديدة مساعدة مصر على بناء اقتصاد مستدام ومرن من خلال التحول الأخضر والرقمي، والطاقة، والتنمية الريفية، ودعم البلاد في التصدي لتحديات الأمن الغذائي.

هذا لا يعني أنه يتعين على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أن يتجاهلا القيم الأساسية لاحترام حقوق الإنسان والمساواة والحرية والديمقراطية، بل يتعين على الغرب بدلا من ذلك أن يستمر في الضغط من أجل تحقيق الإصلاحات السياسية من خلال تعزيز الدعم وتعزيز التعاون من أجل بناء الثقة المتبادلة.

أقر السيسي في خطابه أمام منتدى سان بطرسبرغ بأن مصر تشعر بوطأة الأزمة الاقتصادية العالمية ودعا إلى بذل جهود تعاونية من جميع الأطراف لمعالجة الأزمة "

ويحسن بالولايات المتحدة أن تستجيب لهذه الدعوة من خلال الاستمرار في تقديم الدعم لحليفتها في شمال أفريقيا في هذا الوقت من الاضطرابات الاقتصادية وعدم اليقين.

لم تخف إدارة بايدن خطتها للانسحاب من – أو على الأقل تقليص حجم الوجود الأمريكي – في الشرق الأوسط، وقد ترك هذا القرار دولا في المنطقة تشعر بأنها عرضة للخطر – حتى لو تم التخلي عنها – بينما كان قادتها يتطلعون إلى الولايات المتحدة للحصول على الدعم خلال الآثار المتبقية لجائحة كوفيد-19، ونقص الأغذية، وتأثير تغير المناخ، على سبيل المثال لا الحصر.

ليس من المستغرب أن تتدخل روسيا لاستعادة موقعها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأن تملأ فراغا محتملا خلقته الولايات المتحدة بعد فك ارتباطها بالمنطقة وتحويل تركيزها إلى الحرب الروسية والصين.

في الوقت الذي تواصل فيه حكومة السيسي حربها ضد الإرهاب المزعوم في سيناء وتكافح من أجل انتشال اقتصادها من الركود الوشيك، فإن الولايات المتحدة تحتاج إلى إعادة النظر في سياستها إزاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وخاصة مصر التي يشكل استقرارها المفتاح لاستقرار المنطقة.

يعد دعم مصر مكسبا للجانبين، لأنه سيضمن أن يكون للولايات المتحدة شريك موثوق للعمل معه، خاصة عندما تنشأ صراعات في المنطقة.

لقد أثبتت مصر، في عدة مناسبات، قوتها كوسيط بين إسرائيل والفلسطينيين، مثل هذا الدعم من شأنه أن يضمن أيضا التزام القاهرة بمواصلة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية التي بدأتها والتي تصب في مصلحة كل من الولايات المتحدة ومصر، فقد حان الوقت الآن لكي تتعاون الولايات المتحدة بشكل أكبر مع مصر.

 

Egypt is cozying up to Russia. It’s time for the US to step in.

Facebook Comments