حديث زعيم عصابة الانقلاب عبدالفتاح السيسي أنه انقلب على الرئيس  الشهيد محمد مرسي لأنه رفض دعوته لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة يدين الجنرال أشد الإدانة؛ ذلك أن الجنرال الذي كان وزيرا للدفاع يفرض عليه الدستور أن ينفذ أوامر الرئيس فقط؛ لأن الشعب لم يفوض أحدا آخر بحكم البلاد؛ وعندما يتمرد وزير الدفاع على الرئيس المنتخب والمفوض من الشعب فإنه بذلك يكون قد تمرد على الشعب ذاته، لأن الرئيس يستمد مكانته ورمزيته من تفويض الشعب له لإدارة حكم البلاد خلال فترة محددة، وبذلك يكون هذا الوزير مستحقا للعزل والمحاكمة وفق الدستور والقانون.

فإذا تجاوز الوزير مجرد التمرد على الأوامر من الجهة السيادية الأعلى وعصيان أومرها، لينحاز إلى المتمردين الآخرين على الرئيس والدولة فإنه بذلك يكون قد ارتكب جريمة إضافية توجب سرعة العزل والمحاكمة. وبتوظيف نفوذه كوزير للدفاع لاختطاف الرئيس والزج به في السجن والبطش بكل من يدافع عن الدستور والقانون والديمقراطية؛ فإن هذا الوزير يكون قد ارتكب جريمة الخيانة العظمى. وعندما يمعن في القتل والاعتقال والبطش الأمني لكل المؤيدين للرئيس الشرعي فإنه يتحول إلى بلطجي وطاغية يكره الناس على ما يريد، وكل من يشاركه من المسئوولين في الدولة بالجيش والشرطة والقضاء فإنهم يتحولون تلقائيا إلى مافيا من البلطجية، وهذا أعظم تدمير وتخريب يمكن أن يحدث لبلد من البلاد.

الأصل في الإسلام وفي كل البلاد الديمقراطية،  أن مؤسسات الدولة كلها تخضع بشكل كامل ومطلق  للرئيس والحكومة المنتخبين من الشعب بكل شفافية ونزاهة بشرط أن تكون العملية السياسية شاملة لجميع الأحزاب والقوى والفئات  والطوائف، لأن الإخلال بذلك يعني تقنين البلطجة والسطو على السلطة، فكل جنرال طامع في السلطة يحق له الانقلاب والسطو على الحكم ما دام سابقوه قد فعلوا ذلك.

وعدم شمول العملية السياسية يعني وجود فئات من الشعب لا تقر بشرعية ما يجري ولا يمكن إجبارها على التسليم بمخرجات أي عملية سياسية لم يكونوا مشاركين فيها. لذلك فإن تمرد مؤسسات الدولة على الحكومة المفوضة من الشعب هو منتهى التدمير والتهديد للأمن القومي للبلاد. وهذا عين ما فعله السيسي في انقلابه المشئوم. فهو أكبر تهديد للأمن القومي  للبلاد لأنه يضرب أسس بناء الدولة على نحو صحيح في مقتل ويفتح الباب أمام كل طامع لدبر انقلابا ويسطو على الحكم كما فعل السيسي تماما، فقد تحول إلى مثل وقدوة لكل جنرال طامع وطامح.   فالحكم  يُنال بالمكائد والفتن والانقلابات وليس بأدوات الدستور وآليات الديمقراطية. هذه خلاصة تجربة انقلاب السيسي.

أذكر قبل الانقلاب بأيام بأن أحد أفراد (x إخوان) كان يدعو بحرارة إلى انتخابات رئاسية مبكرة؛ فقلت له إن هذه وصفة لتدمير البلاد وتدمير أي معنى للديمقرطية؛ قال كيف: قلت إنكم بذلك تبتدعون بدعة تسمح لكل حزب أو تيار أن يطالب بذات المطالب مع أي رئيس قادم، يعرقلونه وينشرون الفوضى من أجل إسقاطه ثم يطالبون بانتخابات رئاسية مبكرة، فإذا تم السماح بذلك فإن خصوم الرئيس المقبل سيمضون على نفس الروشتة ويطالبون بعد سنة واحدة بانتخابات رئاسية مبكرة فهل يكون من حقكم رفض ذلك؟  بذلك لن يبقى لمصر رئيس يمكن أن يكمل مدته الدستورية. أنتم بذلك تنسفون أي معنى للديمقراطية؛ لأن النظم الديمقراطية تلجأ إلى الانتخابات المبكرة في ثلاثة حالات فقط، الأولى أن يموت الرئيس وبذلك يتعين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، وبعض النظم تلزم بوجود نائب للرئيس يمارس سلطات الرئيس حتى نهاية مدته الدستورية لعدم اللجوء إلى انتخابات مبكرة من الأساس. الثانية، هي توافق النظام والمعارضة على ذلك. الثالث، أن يتنازل الرئيس من تلقاء نفسه ويدعو لانتخابات رئاسية مبكرة لاي سبب من الأسباب. قد يكون لسبب مرضي، أو سياسي.

كما فعل الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية الأخيرة  فقد قدمها عاما كاملا. لم يقتنع صاحبنا بهذا الكلام، ومضى كالبهلول يدعم سيناريو الدولة العيمقة دون أن يدري كرها في الإخوان، حتى مكَّن هو وأمثاله غربان العسكرمن اختطاف الدولة ونسف الديمقراطية وسحق الثورة والإخوان، ومنذ ذلك الحين لا تزال مصر معلقة في أقدام الغربان يطيرون بها نحو الهلاك المحتوم. أما صاحبنا فعاد لاحقا يبدي أشد الندم. الدرس الكببير والوحيد من هذه التجربة أن الكنز الذي يستحق التقديس إلى جانب (التوحيد والإيمان والهوية) في حياة الأمم والشعوب هو حماية نظامها الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة وفق الأدوات الدستورية والديمقراطية دون تهميش أو إقصاء أو تزييف.

على الرغم من ذلك، فإن الرئيس مرسي رحمه الله عندما أدرك حجم المؤامرة، قبل بهذه البدعة (انتخابات رئاسية مبكرة) على مضض بحسب وزير الشئون القانونية والبرلمانية حكومة هشام قنديل الدكتور محمد محسوب، الذي كشف سنة 2016م، نقلا عن الدكتور سعد  الكتاتني رئيس البرلمان المعتقل حاليا، أن مرسي قبل بالمبدأ الذي  قدمه السيسي، خلال اجتماع القوات المسلحة ببعض ممثلي الأحزاب في 2 يوليو 2013م. وحسب الوزير الأسبق، ذكر الدكتور الكتاتني استعداد مرسي للدعوة لانتخابات مبكرة، لكن السيسي اشترط حينها أن تجري خلال 15 يوما، وهو ما يعني فراغا في السلطة الذي لن يشغله سوى الجنرال نفسه وسيتحكم في نتائج أي انتخابات تجري في ظل سيطرته.

وقال عبر “فيسبوك”: “كان رأي الرئيس أن تأتي الانتخابات الرئاسية بعد البرلمانية مباشرة.. بحيث تجري الانتخابات الرئاسية بظل حكومة منحها البرلمان الثقة، وبرلمان اختاره الشعب.. وأن ذلك لا يحتاج لأكثر من ثلاث أشهر”. لكن السيسي رفض لأن السيناريو المرسوم من رعاة الانقلاب (إسرائيل ــ أمريكا ــ الخليج) يتضمن استئصال الإخوان والقضاء على أي تأثير لهم في المجتمع المصري.

نعود إلى حديث السيسي عن رفض الإخوان لانتخابات رئاسية مبكرة،  ذللك أن حديث السيسي يمتلئ عن آخره بالكذب والتدليس؛ فإذا كان الهدف  هو مجرد إجراء انتخابات رئاسية مبكرة؛ وقد قبل الرئيس بذلك في سياق دستوري ديمقراطي؛ فلماذا ارتكبتم كل هذا العدد الهائل من المذابح؟ لماذا كانت  مذبحة الحرس بعد الانقلاب بنحو أسبوع واحد، حيث أطلقتم الرصاص على مئات الساجدين في صلاة الفجر فقتل نحو مائة وأصيب المئات؟ ولماذا دبرتم مذبحة المنصة ثم مذبحة الفض وغيرها من المذابح؟ لماذا اعتقلت كل قيادات الإخوان والحكومة المنتخبة؟ لماذا أغقلتم على الفور كل الفضائيات الموالية للرئيس والإسلاميين؟ لماذا فرضتم خطاب العنصرية والكراهية على كل  النواف الإعلامية التي كنتم تشرفون عليها؟

والأهم لماذا رفضم التسوية التي توصل إليها الإخوان مع الدكتور محمد البرادعي، الذي استقال من منصبه كنائب للمؤقت عدلي منصور؛ احتجاجا على فض اعتصام رابعة بالقوة، مؤكدا أن معارضته لاستخدام القوة في فض الاعتصامين “ليس فقط لأسباب أخلاقية، وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها، كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام”.

وأضاف في تصريحات إعلامية نشرتها وكالة الأناضول وغيرها في نوفمبر 2016م،  أنه تعرض لتهديدات من جانب أجهزة وصفها  بالسيادية لأنه كان يمضي في طريق حل الأزمة سلميا، بينما كانت هذه الأجهزة  تصر على تعقيد الموقف وعدم حل الأزمة بشكل سلمي. كلام البرادعي شديد الوضوح، فالأزمة كانت في طريقها للحل سلميا، لكن السيسي هدده لأن قيادة الجيش التي دبرت الانقلاب وعلى رأسها السيسي لم يكونوا على استعداد لحل الأزمة لأن  ذلك قد يعني محاكمتهم على جريمة الانقلاب لاحقا؛ لهذا بدا البرادعي متلعثما أثناء المؤتمر الصحفي مع كاثرين آشتون المبعوثة الأوروبية والتي كانت تنتظر إعلان البرادعي التوصل إلى تسوية للأزمة لكنه لم يعلن فمضت إلى المطار متيقنة أن الأزمة في طريقها نحو المزيد من التعقيد بسبب رفض الدولة العميقة لأي تسوية للأزمة.

خلاصة اعتراف البرادعي أنه يقول للسيسي بكل لغات العالم: أنت كذاب.

Facebook Comments