قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استضافة حاكم المملكة العربية السعودية الغنية بالنفط على العشاء في باريس، بعد أيام من إلقاء محاضرات على القادة الأفارقة لفشلهم في الوقوف في وجه الاستبداد في العالم، بحسب صحيفة "بوليتيكو".

ومساء الخميس، يستقبل ماكرون ولي العهد محمد بن سلمان، المعروف أيضا باسم مبس، في قصر الإليزيه لتناول عشاء عمل، وأثارت الدعوة انتقادات حادة من جميع الزوايا.

يشكك البعض في نفاق ماكرون في إقراض رأس ماله السياسي للمساعدة في إعادة تأهيل الحاكم السعودي الفعلي الذي تلقى إدانة واسعة النطاق بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في عام 2018 وأثار القتل الوحشي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول حيث استخدم عملاء سعوديون منشارا عظميا لتقطيع أوصال الجثة صدمة عبر المجتمع الدولي.

وتعد زيارة ولي العهد إلى فرنسا جزءا من رحلته الأولى إلى أوروبا منذ القتل، والتي يقال إنها بأمر من بن سلمان نفسه.

وقال أحمد بن شمسي من منظمة هيومن رايتس ووتش غير الحكومية "لا يوجد عذر لإعطاء هذا الرجل تصريحا واستلامه وبسط السجادة الحمراء له  كما لو أن أيا من هذا لم يحدث" في إشارة إلى انتهاكات حقوق الإنسان المستمرة في السعودية.

وقالت خطيبة خاشقجي، خديجة سينزيغ، لوكالة فرانس برس إنها "غاضبة من أن إيمانويل ماكرون يتلقى بكل الأوسمة جلاد خطيبي".

بالنسبة لماكرون، لا يمكن أن يكون تغيير لغة الخطاب أكثر إزعاجا، وخلال زيارته التي استغرقت أربعة أيام إلى الكاميرون وبنين وغينيا بيساو، انتقد ماكرون الحرب الهجينة العالمية الروسية التي استخدمت المعلومات والطاقة والغذاء كأسلحة، وألقى محاضرات على القادة الأفارقة حول نفاقهم في رفضهم الانحياز إلى أحد الجانبين في الحرب في أوكرانيا.

قال يوم الأربعاء في بنين "روسيا هي واحدة من آخر القوى الاستعمارية الإمبريالية – تقرر غزو دولة مجاورة للدفاع عن مصالحها".

  وخلال الزيارة، كان ماكرون يأمل في إعادة ضبط العلاقات مع الدول الأفريقية الناطقة بالفرنسية وتحذيرها من الوقوع تحت تأثير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاستبدادي.

لكن بالعودة إلى باريس، فكان من المقرر أن يتناول ماكرون العشاء في القصر الرئاسي مع أحد أكثر القادة المكروهين في الشرق الأوسط، والذي تعرض أيضا لانتقادات شديدة بسبب الحرب في اليمن، حيث يتهم باستخدام التجويع كسلاح حرب.

ونفى الإليزيه أن يكون ماكرون ذا وجهين في نهجه الدبلوماسي ، الأمر لا يتعلق بالنفاق ، بل يتعلق بالكفاءة ، بحسب ما قال مسؤول في الإليزيه قبل الزيارة.

وأضاف "الرئيس يريد أن يكون له وزنه وأن يكون مفيدا وأن يحاول حل المشاكل التي تواجهها فرنسا وأوروبا والمساعدة في تهدئة الأزمات الإقليمية ، والطريقة الوحيدة للقيام بذلك هي التحدث إلى الجميع".

وفي ديسمبر الماضي، أصبح ماكرون أول زعيم غربي يزور ولي العهد، مستخدما مكانته لتمهيد الطريق لعودة بن سلمان إلى الحظيرة الدولية، وقد سرعت الحرب في أوكرانيا وتدافع الغرب لتأمين مصادر الطاقة البديلة عودة محمد بن سلمان إلى النظام الدبلوماسي العالمي بعد سنوات من الجهود المبذولة لعزل ولي العهد.

والتقطت صور للرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي تعهد قبل ثلاث سنوات بجعل السعودية "منبوذة عالميا" وهو يلامس بقبضتة ولي العهد خلال زيارة إلى جدة الشهر الماضي، وتلقى بن سلمان هذا الأسبوع ترحيبا على السجادة الحمراء خلال زيارة لليونان انتهت بتوقيع عدة اتفاقيات ثنائية.

التخبط في الزيت

كما أثار موعد العشاء في الإليزيه غضب معارضة ماكرون الصاخبة، من طرفي الطيف السياسي.

وقالت ساندرين روسو، وهي نائبة خضراء من ائتلاف NUPES اليساري إن "سياسة الطاقة التي تنتهجها الحكومة تقودنا من الهاوية، وهم مستعدون لفعل أي شيء لمواصلة التخبط في النفط"، مشيرة إلى انتهاكات حقوق الإنسان ومعاملة المرأة وحرب المملكة العربية السعودية في اليمن.

واتهم معارضو اليمين الرئيس بعدم الاتساق واتخاذ موقف أخلاقي فقط عندما يناسبه.

إنه يثبت أن الشيء الوحيد المهم هو السياسة الواقعية، على الأقل نعترف بأن السياسة الواقعية هي ما نقوم به ولا نتظاهر، قال جان فيليب تانغي، وهو مشرع عن التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، مشيرا إلى العقوبات المفروضة على روسيا كمثال على ما أسماه الدبلوماسية الأخلاقية لماكرون.

وقال تانغي "طالما أن الحكومة الحالية لا تستخدم الأخلاق ليكون لدينا أجندة غير أخلاقية على الإطلاق، سنكون في وضع سخيف من القول إن فلاديمير بوتين زعيم استبدادي، وهذا صحيح، وأن الأمير السعودي هو صديقنا".

ويأتي الاجتماع في الوقت الذي يكافح فيه ماكرون وغيره من القادة الغربيين للاستقلال عن موسكو من خلال تأمين الطاقة من موردين بديلين وسط حرب روسيا في أوكرانيا، لكن هذا البحث عن مزودي الطاقة الذين لديهم سجلات نظيفة في قضايا مثل حقوق الإنسان والمناخ يثبت أنه مستحيل لأن العديد من الدول الرائدة الغنية بالنفط في العالم لا تزال فقيرة على تلك الجبهات.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، استضاف ماكرون في باريس رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الذي وقع معه اتفاقية لتوريد الديزل.

وتعد العلاقات الدبلوماسية مع السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، أساسية بالنسبة لماكرون في الوقت الذي يحاول فيه خفض أسعار النفط، لا سيما من خلال الضغط على دول أوبك لزيادة إنتاج النفط.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، قال بن سلمان إن "السعودية لن تكون قادرة على زيادة طاقتها الإنتاجية إلى أكثر من 13 مليون برميل يوميا بحلول عام 2027، وحذر من السياسات البيئية غير الواقعية التي تضر بالطاقة الأحفورية".

وتعد المحادثات مع السعودية جزءا من جهود أوسع نطاقا لإيجاد موردين للطاقة البديلة تضع الدول الغربية – التي غالبا ما تصور نفسها على أنها مدافعة عن حقوق الإنسان – بين المطرقة والسندان.

وفي الأسبوع الماضي، سافرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى أذربيجان حيث حصلت على صفقة تضاعف إمدادات الغاز إلى أوروبا ووصفت البلاد بأنها جديرة بالثقة، وانتقدت جماعات حقوق الإنسان وأعضاء البرلمان الأوروبي هذه الخطوة، الذين أشاروا إلى فضائح رشوة الرئيس إلهام علييف وانتهاكات حقوق الإنسان.

قال بن شمسي، من هيومن رايتس ووتش "عدم إثارة أي من هذه القضايا باسم المصالح الاقتصادية، وهذا ما يسمى بالسخرية، إنه يسقط هذه القيم التي تتظاهر الحكومات الغربية بما في ذلك فرنسا بالدفاع عنها".

https://www.politico.eu/article/emmanuel-macron-saudi-arabia-mohammed-bin-salman/

Facebook Comments