في عام استضافة مصر بزمن المنقلب السفيه عبد الفتاح السيسي لقمة المناخ التي ستعقد نوفمبر المقبل بشرم الشيخ، تتزايد الاانتهاكات  للبيئة والمناخ، بما يهدد بمزيد من الكوارث البيئية والمناخية ، فمن قطع الأشجار وإزالة المسحات الخضراء بمناطق القاهرة والجيزة والإسكندرية والمنصورة ومحافظات مصر المختلفة، إلى حرق المزيد من الوقود إثر قرارات رفع أسعار تذاكر وسائل النقل والمواصلات المختلفة، ما يدفع بالسكان نحو استعمال سياراتهم الخاصة ووسائل النقل الخاصة، التي تقود نحو مزيد من الانبعاثات الحرارية والتلوث البيئي.

إضافة إلى ذلك، تتزايد المخاطر البيئية مع استعمال مياه الصرف الصحي والزراعي ومياه البحر المحلاة في الزراعة والشرب وري المزروعات والحدائق والمزارع، علاوة على نحر شواطئ مصر والتغول بردم السواحل المصرية لبناء مشاريع سياحية على البحر وداخل البحر ، كما تقوم شركة مراسي الإماراتية مؤخرا بالساحل الشمالي.

 

 

ومؤخرا، سلطت كارثة بيئية تسببت فيها إعمار مصر وهي الشركة الإماراتية المالكة لقرية "مراسي" المطلة على شاطئ خليج "سيدي عبد الرحمن" أحد أجمل شواطئ العالم المطلة على البحر المتوسط الضوء على الآثار السلبية التي تسببها المشروعات السياحية والعمرانية على معدلات الأمان البيئي في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة لتحسين صورتها البيئية مع استعدادها لاستضافة مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ "COP27" في نوفمبر المقبل.

ومع تعكر مياه البحر في الساحل الشمالي وظهور مساحات واسعة من الأحجار والتربة ونضوب المياه عنها، قررت وزارة البيئة وقف كافة أعمال التكريك بالمنطقة الشاطئية للقرية، لكن بعد أن استمرت عملية النحر لأكثر من عام، بهدف تنفيذ مشروع سياحي يتضمن إقامة مرسى لليخوت في عمق البحر.

رواد القرى السياحية 

وتوالت شكاوى سكان ورواد القرى السياحية المجاورة الذين فضحوا تعرض حرم البحر المتوسط لأعمال نحر لإقامة المرسى الجديد، ما أدى لوجود عكارة في المياه لاحظها المصطافين مع دخول أشهر الصيف التي يتوافد فيها أصحاب الفيلات والغرف الفندقية التي يمتلكونها بالقرى السياحية المجاورة.

 

وذهب البعض منهم، ممن خرجوا علنا لإدانة الجرائم البيئية على وسائل الإعلام المحلية، للتأكيد على أن عمليات النحر تسببت في تآكل حوالي 10 أمتار واختفاء الرمال وامتلأ بالحجارة نتيجة تراكم الحجر الجيري من الحفر في خليج سيدي عبد الرحمن.

 

 

مراسي الساحل الشمالي 

وإلى جانب مراسي بالساحل الشمالي، تتزايد  مناطق أخرى تتعرض لمشكلات بيئية لا تقل خطورة عن ما شهده الساحل الشمالي، غير أنه يبقى كامنا دون أن يحظى بالاهتمام ذاته، تحديدا ما يتعلق بالمشروعات القومية التي تنفذها الحكومة والتي تبقى هدفا أساسيا للتنمية العمرانية ، لكنها في المقابل تعد وجها آخر للتلوث البيئي يتطلب تدخلات مماثلة لوقفها.

ووفق مسئول بوزارة البيئة، تتزايد الانتهاكات التي تتعرض لها السواحل المصرية جراء "التمدد العمراني" و"الاستثمار السياحي" مشيرا إلى أن  كافة مشروعات التنمية العمرانية على ساحل البحر المتوسط لديها آثار بيئية سلبية، وذلك بسبب التخطيط الخاطئ للمدن الجديدة وعدم دراسة الآثار السلبية لتلك المشروعات على كفاءة الشواطئ.

 

مدينة العلمين الجديدة

 

وفي مقدمة تلك الانتهاكات، تأتي مدينة العلمين الجديدة التي تخطط الحكومة لأن تكون عاصمة ثانية إلى جانب العاصمة الإدارية الجديدة ،  أو المدن المتوقع أن ترى النور خلال السنوات المقبلة مثل "رأس الحكمة الجديدة" و"علم الروم الجديدة" و"عجيبة الجديدة" وهي مدن تقع بالنطاق الجغرافي لمحافظة مرسى مطروح .

ومن أكثر ما يفاقم الانتهاكات، بناء الكتل العمرانية الجديدة والأبراج الشاهقة في مدينة العلمين، أثر سلبا على شواطئ قرى "مارينا" والأمر ذاته حدث من قبل حينما جرى تشييد قرى الساحل الشمالي الحديثة أو ما يُعرف بالساحل الشرير مثل قرى "مراسي" و"سيندا" و"أمواج" و"سيشل" وغيرها وصولا إلى مرسى مطروح والتي كان لها تأثير سلبي على ما يعرف بالساحل الطيب، ويبدأ من قرى" سيدي كرير" حتى قرية "الدبلوماسيين" ويظهر ذلك من خلال نحر الشواطئ وظهور الصخور وتلاشي مساحات واسعة من الرمال الطبيعية.

الساحلي الدولي 

كما يعاني الطريق الساحلي الدولي "إسكندرية – مطروح" من أزمة بيئية ستكون لها أثر سلبي على شواطئ البحر المتوسط، ، إذ  أن شركات التطوير العقاري التي حصلت على تشييد القرى السياحية وعشرات "الكومباوند" على طول الطريق لم تلتزم بالمعايير البيئية المطلوبة والتي تحتم عليها بناء عقاراتها على الجانب الآخر المقابل للبحر لكنها أقامتها مباشرة أمامه ما سينعكس على جودة الرمال وستكرر ظواهر نحر الشواطئ.

 

ودائما ما يتورط أصحاب القرى السياحية و"الكومباوندات" في مخالفة صريحة للاشتراطات البيئية بإقامتها بحيرات صناعية في حرم البحر، وهو الأمر الذي انتهكه مشروع "soul" لشركة إعمار مصر، ويترتب على ذلك تغيير خط الشاطئ الأصلي وتبقى عواقبه مجهولة في المستقبل ويساهم في إفساد القيمية البيولوجية والبحرية للمناطق التي تقام فيها.

 

علاوة على أن الكثافة العمرانية في المناطق الجديدة مرتفعة للغاية ويظهر ذلك من خلال تلاصق المباني والفيلات وتظهر كأنها مناطق شعبية، ويظهر ذلك بوضوح أيضا في التصميم الأولي لمشروع "soul" والأمر يرجع لرغبة المستثمرين تحقيق أفضل عوائد مالية من الاستثمارات دون مراعاة للأثر البيئي الذي سيترتب عليه انكماش مساحات السواحل في حين أن هناك زيادات مضطردة في أعداد السكان.

مشاريع هضبة الجلالة

 

 

ومؤخرا، تدخلت  منظمة  الأمم المتحدة بشكل مباشر لوقف جملة من التعديات على الطبيعة في مدينة الجلالة، وهي مدينة جديدة تقام أعلى هضبة الجلالة فوق 700 متر من سطح الأرض بمحافظة السويس ، إذ أخطأت  الحكومة بالأساس حينما اختارت بناء مدينة جديدة فوق أحد الجبال في حين أن مصر لا تمتلك سوى جبال قليلة ، وكان لذلك تأثير سلبي على الحياة البرية بتلك المناطق، تحديدا فيما يتعلق بالطيور المهاجرة والتي تعد هذه البقعة ممر لهجرة مليون ونصف طائر سنويا.

ونجحت المنظمة بالتعاون مع وزارة البيئة المصرية في إنشاء مرصد الجلالة بهدف رصد وتتبع هجرة الطيور، في إطار مشروع الحياة الجديدة للنسور المصري.

 

ومن ضمن الأمثلة على إهمال الحكومة للكائنات الحية وطبيعة حياتها بعدم وجود دراسات ترصد أعداد طائر "أبو قردان" والذي يُلقب بـ"صديق الفلاح المصري"، ويعد أهم الطيور المصرية على الإطلاق، وتتمثل أهميته في كونه يلتقط الحشرات والآفات الزراعية وتشير التقديرات غير الرسمية بوجود مئات الآلاف منه داخل مصر ويساهم تخليص التربة المصرية مما يقرب من حشرة، وفي حال انقراضه فإنه سيتسبب بكارثة بيئية، سواء كان ذلك على الناحية الصحية عبر التوسع في استخدام المبيدات الحشرية المضرة بالصحة أو مضاعفة تكلفة الزراعة وانعكاساتها على جودة حياة المواطنين بوجه عام.

 

مشروع التجلي الأعظم

 

وضمن المشاريع الأكثر انتهاكا للبيئة المصرية، مشروع تطوير "التجلي الأعظم" بمنطقة سانت كاترين بجنوب سيناء، ضمن مخطط يستهدف تحويل المنطقة إلى بؤرة سياحية عالمية للسياحة البيئية والدينية.

 

إذ أن عمليات الهدم والبناء تبدو أنها فجة، ولم نتأكد بعد ما إذا كانت حظيت بدراسة الآثار السلبية المترتبة جراء الاعتداء على الحياة البرية والطبيعية في تلك المنطقة من عدمه.

وإلى جانب ذلك، تفاقم خططوط الطرق الجديدة التي تشق الصحاري والبيئة المصرية بتوسع شديد وفق بيانات وزارة النقل، من أضرار التلوث وإهدار الحيوات البرية وملاذات الطيور والكائنات الحية بمصر.

 

تلوث الهواء

إذ أن مصر تعاني كونها تشكل بيئة غير صحية جراء تلوث الهواء والذي يكلف ميزانية الدولة 47 مليار جنيه سنويا، من تكاليف الرعاية الصحية، وخسائر دخل الموظفين، وانخفاض الإنتاجية نتيجة الأمراض المزمنة، بحسب تقديرات البنك الدولي، ومع النمو السكاني وزيادة الاتجاه نحو المدن والاعتماد على التصنيع.

 

مذابح الأشجار

 

وبدلا من الاتجاه نحو إيجاد بيئة أفضل أقدمت الحكومة على مدار السنوات الماضية على ما يمكن تسميته "مذبحة الأشجار" وإزالة بعض الحدائق العامة، في القاهرة وغيرها من المدن الكبرى، بحجة أن ذلك يحقق المصلحة العامة المتمثلة في تطوير تلك المناطق، وتوسيع الشوارع للحد من الزحام.

وفي حي مصر الجديدة، حولت الحكومة أجزاء  من الحدائق العامة، تبلغ 50 فدانا، إلى عمارات سكنية ومطاعم وأنشطة تجارية مؤجرة، وهو الأمر الذي تكرر من قبل مع "حديقة الطفل" بحي مدينة نصر وحديقة قصر عابدين بوسط العاصمة، وحديقة "الأسماك" بحي الزمالك.

 

قوانين وخطط للاستهلاك الإعلامي فقط

 

ومن الغرائب ، أن أقرت مصر إستراتيجية متكاملة للحد من الانبعاثات والتلوث ضمن خطواتها لمواجهة تغيّر المناخ قبل أربع سنوات، إذ توسعت في مشروعات الطاقة النظيفة والنقل الذكي، كما اهتمت بالمشروعات البيئية لتحقيق الاستدامة، غير أن تلك الإستراتيجية مازالت تواجه عقبات عديدة على مستوى التزام الجهات الحكومية أولا بمعايير الحفاظ على البيئة.

 

وتشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن مصر أنتجت 310 ملايين طن من الغازات الدفيئة في عام 2016، أي نحو 10 في المئة من إجمالي انبعاثات الغازات الدفيئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا البالغة 3.3 مليار طن حينها، وزادت انبعاثات مصر بنسبة 140 في المئة خلال الفترة من عام 1990 وحتى عام 2016، وهي زيادة أسرع ثلاث مرات من المتوسط العالمي، وكانت أكبر القطاعات المتسببة في تلوث البيئة هي الطاقة (71.4 في المئة من الانبعاثات في عام 2016) ثم الزراعة (10.2 في المئة) والتصنيع (9.7 في المئة) وإدارة المخلفات (8.6 في المئة).

 

وقدرت دراسة للبنك الدولي عام 2019 عن تكلفة تدهور البيئة في مصر أن متوسط الوفيات المبكرة السنوية بسبب التعرض للجسيمات الدقيقة التي يقل قطرها عن 2.5 ميكروجرام في القاهرة الكبرى وحدها يصل إلى 12 ألفا و600 حالة، بالإضافة إلى نحو 3 مليارات يوم عمل ضائع بسبب الأمراض الناتجة عن تلوث الهواء.

فيما تحتل مصر المرتبة الـ"94″ من بين "180" دولة شملها مؤشر الأداء البيئي العالمي في العام 2020، والذي يمتلك آلية لديها القدرة إبراز الدول الرائدة في الأداء البيئي وأفضل الممارسات، وبالرغم من أن الإحصاء الأخير أشار إلى تقدم المؤشر المصري بنسبة 7 في المئة غير أنها مازالت تقبع ضمن الدول التي تحظى بمؤشرات نجاح منخفضة تجاه التعامل مع ملف البيئة بالرغم من الاهتمام الذي توليه لقضايا البيئة وتغيرات المناخ في إطار استعدادها لتسويق خطتها نحو إنجاح "COP27".

..وهكذا يتواصل التناقض الذي يظل عنوان نظام السيسي الأبرز، ففي الوقت الذي يستضيف السيسي قمة المناخ، يهدد بسياساته ومشاريعه البيئة والمناخ، ضاربا عرض الحائط خطط واستراتيجيات البيئة المعلنة التي تظل للاستهلاك الإعلامي فقط.

Facebook Comments