التماهي بين السفاح السيسي وعبيده في الإعلام والسياسة يصل لذروته في النكبات والمصائب؛ فتجد العبيد يحولون هزيمة السفاح في معركة سد النهضة المرة لنصر مجيد، ويدافعون عن البلد بحرق البلد وأهله وإبقائه على عرش الخراب، وهو مجرد إمعة رخيصة عند أعداء المصريين، وربما ألف ثورة لاتكفي لمعاقبة عصابة الانقلاب عما تفعله من جرائم بحق 100 جيل قادم.

وفي تصريحه الأحدث، قال السفاح  المنقلب السيسي أثناء زيارته الكلية الحربية في القاهرة، وحديثه مع الطلبة بالملابس الرياضية، قائلا "نتحرك في أزمة سد النهضة بهدوء، مياه مصر أمانة في رقبتي ولن يمسها أحد".

 

أيام النكسة

ما يعيشه المصريون اليوم بعد 10 أعوام من الانقلاب يشبه ما جرى في أيام النكسجي الكبير عبد الناصر، عندما قال جمال عبد الناصر "الجيش جاهز ياعبد الحكيم" فقال له "برقبتي ياريس" وكما جرى أيام عبد الناصر جرى أيام السفاح السيسي، حيث تلقفت أذرع العسكر تصريحات السفاح السيسي وروجت لها بقوة.

وأفردت لها فقرات كاملة في البرامج الحوارية، واعتبرتها انتصارا للسفاح السيسي، في مواجهة أزمة سد النهضة، التي يلام فيها على العسكر الضعف والسلبيات في التعامل، ووصل إلى ادعاء بعض الحسابات المحسوبة على الكتائب حفر مصر لنيل موازٍ في الصحراء الغربية، ينطلق من مفيض توشكى.

وتناول نشطاء تصريحات السفاح السيسي، وقارنوها بتصريحاته السابقة، والبعض اعتبرها إلى جانب تصريحه عن معالجة مياه الصرف استسلاما لإثيوبيا، وتخليا عن حق مصر في مياه النيل.

الحقوقي هيثم أبو خليل انتقد السفاح السيسي بشدة، وقارن تعامل العسكر مع أهالي سيناء بخشونة، فيما تُعامَل إثيوبيا بهدوء، وكتب "‏مياه مصر تم مسها وتم اغتصابها في الملء الأول والثاني والثالث، وهل التحرك بهدوء في موضوع حياة أو موت بالنسبة إلى المصريين مناسب؟ لماذا التحرك بالأباتشي والـF16 على رؤوس أهلنا في سيناء والهدوء مع إثيوبيا؟ لماذا القوة الغاشمة مع المصريين والهدوء مع من يريد أن يغتصب حقوقنا؟

وعلى مدار سنوات انقلاب السفاح السيسي لمصر، تلاعبت إثيوبيا بالملف وحاولت كسب الوقت لصالح إتمام إنشاءات سد النهضة، ولم تنجح جهود الوساطة الدولية في الوصول إلى اتفاق يرضي الأطراف الثلاثة.

وبرغم اللقاءات والمشاورات التي جرت بين السفاح السيسي وقادة إثيوبيا بداية من رئيس الوزراء ميليس زيناوي عام 2015، وتوقيعهما مع الرئيس السوداني السابق عمر البشير "اتفاقية إعلان مبادئ وثيقة سد النهضة" والتي اعتبرها مراقبون تنازلا مصريا عن حصتها التاريخية بمياه النيل، واعترافا بأحقية إثيوبيا في بناء السد.

والتقى السفاح السيسي، رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد عدة مرات، كان أشهرها مشهد القسم الشهير الذي أملاه السفاح السيسي على المسؤول الإثيوبي بقصر الرئاسة في القاهرة يونيو 2018، وقوله إنه لن يضر مصر، فيما توقفت اللقاءات منذ لقائهما في قمة "سوتشي" الروسية أكتوبر 2019، مع نكوص الأخير بوعوده للأول.

وعجزت الولايات المتحدة رغم تبنيها المفاوضات في 2019، و2020، في الوصول إلى اتفاق نهائي ملزم للأطراف الثلاثة، حيث رفضت إثيوبيا في فبراير 2020، التوقيع على مسودة اتفاق وقعت عليها مصر والسودان في واشنطن، فيما عجز الاتحاد الأفريقي في الوصول لحل يرضي الأطراف.

ولكن ومع توقف المفاوضات بشكل نهائي لنحو عام مضى، وفي 10 يونيو، أعلنت الخارجية الإثيوبية، عن اهتمامها باستئناف المفاوضات، وهو الإعلان الذي يأتي بعد تأكيد إثيوبي بأنها ماضية في قرارها بالملء الثالث، ما حدا بدولتي المصب لعدم الرد على الرغبة الإثيوبية بالعودة للمفاوضات.

وفي رؤيته السياسية لدلالات تغيير السفاح السيسي لهجته خلال عدة أيام من الليونة والتأكيد على عدم رغبته في الصدام إلى نبرة القوة وقوله "محدش هيقرب من مياه مصر"، قال مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير عبد الله الأشعل "يُغير لهجته كما يريد، فذلك ليس بإرادته".

وأضاف "لأن مياه النيل تتحكم فيها إثيوبيا بدعم إسرائيلي أمريكي، وعندما يتحدث السيسي عن صدام أو حديث لين فلا يهم أو يفيد ذلك في قضية مياه النيل؛ لأن الأصل هو الإرادة".

وأكد  "الآن هناك سلب كامل لإرادة مصر؛ وما تريده إسرائيل وأمريكا هو ما سوف يتم، ولذا لا نعول على تلك التصريحات أو غيرها، ولا عن شدتها أو ليونتها".

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية أن "تصريح عدم الصدام مع إثيوبيا ودول الحوض والقارة السمراء، وأن عنده بدائل أخرى للمياه هو ما يسير عليه السيسي، ولهذا صدره للحديث أمام الوفود الأفريقية حتى تعلم أن مصر متراجعة عن حقها في المياه".

وقال إن "هذا النهج ناجم عن أن مصر ضعفت للغاية، وأصبحت في ذيل الأمم، ولم تصبح قادرة على الدفاع عن مياهها وحاجاتها، وأرى أن تلك التصريحات لا قيمة لها سواء كانت لينة أو قوية".

 

خداع المصريين

وفي رؤية فنية متخصصة بملف المياه، انتقد الخبير الدكتور محمد حافظ "تغيير لهجة السيسي عندما صرح بأن مصر لم تتخذ أي عمل لزيادة حصتها من مياه النيل، وتحوله للهجة تبدو في تأكيده للشعب المصري بأنه (محدش هيقرب من مياه مصر).

أستاذ هندسة السدود بجامعة "Uniten" بماليزيا، أوضح أن حديث السيسي "ليس أكثر من تحقيق رغبة لبعض الجهات التي رأت أن تصريحه المنبطح الأسبوع الماضي يحمل العديد من علامات الاستسلام للإرادة الإثيوبية".

وفي هذا الإطار لفت حافظ، إلى أن "أحد المحللين السياسيين الإثيوبيين الثلاثاء، مع الإعلامي محمد ناصر، راح يشكر ويمدح مجهودات السيسي في التعاون مع إثيوبيا، ووصفه بأنه ليس كالرئيس السابق حسني مبارك".

وقال "بشكل عام يجب أن نفهم التصريحين المخالفين لبعضهما البعض في ظل تصريحات إثيوبيا باستعدادها للرجوع لطاولة المفاوضات بعد تجميد المفاوضات لأكثر من 15 شهرا".

وأوضح أن "تصريحات السيسي الحقيقية الصادرة عن قناعته الشخصية هي تصريحات الأسبوع الماضي المنبطحة، كرسالة تمهيدية لإثيوبيا، والتي ردت عليه بالموافقة على الرجوع للمفاوضات، بينما تصريح الاثنين الماضي، فهو للاستخدام الداخلي".

وتابع حافظ "ووفقا لتسريبات أُعلنت من قبل أحد المفاوضين المصريين فإن المفاوضات القادمة ستشمل مناقشة بيع إثيوبيا مياه النيل الأزرق للدولة المصرية، وهذا غالبا ما تم الاتفاق عليه خلال لقاءات سرية عقدت بالشهرين الماضيين بأبوظبي دون الإعلان عنها رسميا".

 

Facebook Comments