رغم التقارير الإعلامية التي تروج لها الآلة الإعلامية للنظام على الدوام بأن تنظيم "داعش" يحتضر في شمال سيناء، وأن قوات الجيش والشرطة المدعومة من مليشيات القبائل تحاصر عناصر التنظيم في أوكارها الأخيرة، إلا  أن تقارير إعلامية عربية كشفت أن تنظيم "ولاية سيناء" التابع لتنظيم داعش حاصر مراكز حيوية شرق قناة السويس بمحافظة شمال سيناء، يوم الخميس الماضي 11 أغسطس 2022م.

وتنقل صحيفة "العربي الجديد" اللندنية عن مصادر قبلية وشهود عيان أن عشرات العناصر من تنظيم داعش، شوهدوا في محيط محولات كهرباء مدينة القنطرة شرق التي تبعد عدة كيلومترات عن قناة السويس. وأضافت المصادر ذاتها أنّ عناصر التنظيم حاصرت أيضاً منطقة سكة الحديد في القنطرة، فيما منعوا حركة المواطنين في تلك المناطق. وبحسب التقرير فإنّ قوات الشرطة والجيش بدأت بالتحرك في محيط المنطقة المستهدفة من التنظيم، لكنه لم ينسحب إلا بعد فترة ليست بالقصيرة في تحد سافر لقوات الجيش والشرطة. ويحاول التنظيم مرارا الوصول إلى مناطق قناة السويس، إلا أنه قوبل بتشديد أمني حال دون استمرار مكوثه في المنطقة.

الأمر الغريب أن القوات النظامية تشن منذ عدة شهور حملة كبرى على أوكار التنظيم في شرق ووسط سيناء في الشيخ زويد والعريش وبئر العبد، لكن التنظيم فاجأ الجميع بشن هجوم بالقرب من القناة (غرب سيناء). وبحسب بيانات الجيش فإن القوات النظامية تمكنت من  فرض السيطرة على مساحات واسعة من المناطق التي كانت خاضعة للتنظيم  منذ سنوات طويلة.

الخبر على هذا النحو يثير كثيرا من الألغاز والتساؤلات؛ ذلك أن كل الأخبار الواردة عبر البيانات الرسمية تؤكد أن التنظيم في حالة احتضار فيكف تمكن من تنفيذ هذه التحركات دون أن يتم رصد عناصره.

الأمر على هذا النحو يعيد إلى الأذهان حادثين سابقين: الأول هو مقتل عقيد بالجيش السبت 8 يونيو 2022م  عبر تفجير عبوة ناسفة في آلية للجيش، في قرية المطلة غرب رفح، ما أدى إلى مقتل عناصر من الجيش والمجموعات القبلية المساندة له. وفي وقت لاحق، قالت مصادر طبية عسكرية إن الضحية هو عقيد أركان حرب أسامة عبد الحليم، قائد كتيبة 188 مشاة من الدفعة 96 حربية. وكان من بين القتلى مجندا واثنين من المجموعات القبلية المساندة للجيش، إضافة إلى عدد من المصابين بجروح متفاوتة. وكان العقيد عبد الحليم هو القائد المكلف بالمتابعة الميدانية للعملية العسكرية ضد تنظيم "ولاية سيناء" غرب مدينة رفح والتي تُعد معقل التنظيم.

الثاني، هو الهجوم الذي شنه عناصر التنظيم على كمين الطاسة شرق القناة أيضا؛ فخلال أسبوع واحد (من 7 إلى 15 مايو 2022) تعرضت وحدات وعناصر الجيش في سيناء لهجومين مسلحين؛ الأول شنه مسلحو تنظيم "ولاية سيناء" مساء السبت 07 مايو 2022م  على كمين  "الطاسة" غرب سيناء، وهو الهجوم الذي أسفر عن استشهاد ضابط برتبة ملازم،  وصف ضابط بدرجة عريف، وتسعة مجندين ثم ارتفع العدد لاحقا إلى 17 ضابطا ومجندا. أما الهجوم الثاني، فشنه مسلحو التنظيم الأربعاء 11 مايو 2022م، وهو العدوان الذي أسفر عن استشهاد 6 من عناصر الجيش بينهم ضابط برتبة نقيب. في ذات التوقيت  شن مسلحو التنظيم هجمات مماثلة طالت العناصر القبلية المسلحة المساندة للجيش  حيث قتل 6 عناصر وأصيب آخرون. 

هذه العمليات والتحركات من جانب التنظيم تأتي في ظل حملة بروباجندا من جانب الآلة الإعلامية للنظام التي تدعي أن التنظيم في حالة احتضار في ظل الحملة التي تشنها القوات النظامية من الجيش والشرطة مدعومة بمليشيات القبائل المسلحة؛ فكيف تمكن التنظيم من التحرك  إلى شرق القناة دون أن يتم رصد عناصره؟!

الاحتمال الأول، أن التنظيم يملك  جهاز مخابرات عالي المستوى تمكن من اختراق سياج السرية المفروضة من جانب الجيش ورصد جميع التحركات واختار التوقيت المناسب للهجوم لتحقيق أعلى قدر من النجاح دون خسائر تذكر. وهو احتمال يفترض أن للتنظيم (لا يبلغ عدد مقاتليه سوى بضع مئات) قدرات ذاتية عالية المستوى تمكنه من الصمود كل هذه السنوات رغم قلة عدده وعتاده أمام الجيش المصنف العاشر عالميا بخلاف القدرات العالية لأجهزة المخابرات والأمن الوطني والدعم من جانب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. وهو احتمال يفترض كذلك أن التنظيم تمكن فعلا من اختراق صفوف المؤسسة العسكرية وهناك ضباط وضباط صف وجنود قد يكونون على تواصل مع التنظيم وتقديم معلومات دقيقة له بهذا الشأن، وقد يكون وراء التجسس على وحدات الجيش ومشروعاته نفر من مليشيات القبائل المساندة للجيش اندسوا في صفوف هذه المليشيات وهم بالأساس موالون للتنظيم أو حانقون على النظام من أجل الثأر لقتلاهم أو الخسائر التي لحقت بهم خلال  هذه الحرب العبثية.

الاحتمال الثاني، أن أجهزة النظام نفسه هي من تسمح للتنظيم بالقيام بمثل هذه العمليات كل فترة والحرص على بقاء هذا التنظيم كمصدر تهديد مستمر، والتضحية بهذا العدد من الضباط والجنود لتحقيق عدة أهداف سياسية؛ أولها، بقاء جذوة "الحرب على الإرهاب" مشتعلة على الدوام لتوظيفها من أجل تحقيق عدة أهداف سياسية وأمنية وإقليمية أبرزها التغطية على استمرار سياسات القمع والبطش الأمني وتأميم الفضاء السياسي والإعلامي وتشديد قبضة السلطة على المجتمع بدعوى الحرب على الإرهاب. وكذلك لتوظيف ذلك سياسيا لدفع الحكومات الغربية ومؤسسات التمويل الدولية نحو دعم النظام بالمزيد من القروض والمساعدات في ظل التدهور الحاد في الوضع المالي والاقتصادي ، على اعتبار أنه يمثل رأس حربة في إطار الحرب على الإرهاب. وأيضا طمأنة الحليف الأمريكي بشأن تحولات العقيدة القتالية للجيش المصري من اعتبار إسرائيل هي العدو الأساس إلى تبني عقيدة الحرب على الإرهاب بما يتطابق تماما مع السياسات والتوجهات الأمريكية التي تجلت بوضوح في تغيير تدريبات مناورات النجم الساطع بين البلدين. وكذلك بهدف التغطية على التنسيق الأمني المكثف بين القاهرة وتل أبيب بشأن تحجيم حركات المقاومة والحيلولة دون تعاظم قوتها حتى تذعن للمخططات الأمريكية الإسرائيلية بشأن إعادة هندسة المنطقة بما يتلاءم مع مصالح القوى الكبرى وإسرائيل.

الاحتمال الثالث، أن الكيان الصهيوني نفسه (إسرائيل) هو من يقف وراء تنظيم ولاية سيناء وضمان بقائه كمصدر تهديد؛ لأن من مصلحة إسرائيل أن  تبقى الحرب على الإرهاب في سيناء مستعرة على الدوام؛ لتحقيق عدة أهداف: أولها أن تلك الحرب المفتعلة تمثل غطاء ضروريا للتواجد الإسرائيلي في سيناء التي باتت مستباحة للطيران الإسرائيلي الذي يشارك بالفعل إلى جانب السيسي في قصف مناطق بسيناء بدعوى ملاحقة الإرهابيين والعناصر المسلحة، وهو ما أكدته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية في تقرير لها  نشرته في فبراير 2018م، نقلا عن مسئولين أمريكيين بأن الطيران الإسرائيلي شن أكثر من مائة ضربة جوية على سيناء بموافقة من السيسي. وهو الأمر الذي التزمت القاهرة وتل أبيب حياله الصمت. وفي يناير 2019م اعترف السيسي بذلك في لقائه مع برنامج "60 دقيقة" على  قناة "سي بي إس" الأمريكية، مقرا بأن الجيش المصري يعمل مع إسرائيل ضد الإرهابيين في شمال سيناء، وأن العلاقات حاليا هي الأكثر متانة منذ بدئها بين البلدين. ومن خلال هذا التواجد العسكري والأمني والمخابرات وحتى عبر بوابة السياحة والاستثمار تفرض حكومة الاحتلال هيمنتها المطلقة على سيناء حتى تبقي  منطقة عازلة تهيمن عليها مصر صوريا وتهمين عليها إسرائيل فعليا.

كما تمثل الحرب على الإرهاب غطاء ضروريا للهدف الحقيقي لحكومة الاحتلال من استباحة سيناء أرضها وسمائها ومياهها بمئات الضربات الجوية وعمليات التجسس التي لم تتوقف يوما؛ فالأمرلا علاقة له بالإرهاب وتنظيم "ولاية سيناء" التابع لتنظيم داعش،  بل بملاحقة شبكات تهريب السلاح لحركات المقاومة في قطاع غزة لا سيما حماس والجهاد. وقد كشف ذلك تقرير نشره موقع "وللا" العبري يوم 6 يناير 2019م، مؤكدا أن إسرائيل استغلت سماح نظام السيسي لها بالعمل في سيناء، وعملت بشكل مكثف على إحباط إرساليات السلاح التي تهرّب عبر الصحراء إلى "كتائب عز الدين القسام"، الجناح العسكري لـ"حماس". التقرير الذي أعده المعلق العسكري للموقع أمير بوحبوط، يؤكد أن الإعلانات التي تصدر عن القاهرة، والتسريبات التي صدرت في إسرائيل عن استهداف تنظيم "ولاية سيناء"، كانت مجرد "حجة" للتغطية على الهدف الحقيقي من العمل العسكري الإسرائيلي في سيناء، والهادف إلى إحباط وصول إرساليات السلاح إلى "حماس" في غزة. ويكشف أن رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي، غادي إيزنكوت، هو الذي أعد مخطط إحباط عمليات تهريب السلاح إلى "حماس" في سيناء، والذي اعتمد بشكل أساس على شنّ غارات مكثفة ضد إرساليات السلاح لحركة المقاومة الفلسطينية. وأن ذلك تسبب في تدمير نحو 15 ألف صاروخ كانت متجهة إلى مخازن كتائب القسام.

Facebook Comments