مع إعلان إثيوبيا، عن اكتمال الملء الثالث لبحيرة سد النهضة الذي بدأته أديس أبابا منذ  يونيو الماضي، دون توافق مع مصر والسودان،طالب خبراء مياه وسياسيون بمحاكمة عبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب الدموى بتهمة الخيانة العظمى لأنه تآمر مع اثيوبيا ضد مصالح الأمن القومى المصرى خاصة توقيعه على ما يعرف باسم اتفاق المبادئ مع رئيس الوزراء الاثيوبي .

وقال الخبراء ان إعلان انتهاء الملء الثالث دون تحرك مصري مؤثر وغموض ردود فعل نظام الانقلاب وصمته على الانفراد الإثيوبي بالقرار، سوف يجعل مشكلة المياه أزمة مزمنة تهدد مصير أكثر من 140 مليون مصري وسوداني.

وأوضحوا انه باكتمال الملء الثالث أصبح السد الإثيوبي حقيقة واقعة، ومن المستحيل التعامل معه عسكريا لخطورة ذلك على مصر والسودان.

 

كان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، قد أعلن عن تركيب "التوربين الثاني" تمهيدا لإنتاج الكهرباء وتصديرها، وذلك بعد نجاح بلاده فى تخزين 22 مليار متر مكعب مياه بمنسوب 600 متر ببحيرة السد الذي أنجز 95 بالمئة من إنشاءاته الهندسية و83 بالمئة من المشروع.

وفى مناورة سخيفة طالب آبي أحمد، نظام الانقلاب والسودان بمواصلة المفاوضات المتوقفة منذ نحو عام، زاعما أن الملء الثالث لم يسبب نقصا بحصة دولتَي المصب .

وزعم أن "النيل هبة أعطاها الرب لنا نحن الإثيوبيين"، متمثلا المقولة التاريخية للمؤرخ "هيرودوت": "مصر هبة النيل".

 

حقيقة واقعة

 

من جانبه قال الدكتور السيد أبو الخير خبير القانون الدولي والعلاقات الدولية انه باكتمال الملء الثالث أصبح السد الإثيوبي حقيقة واقعية، ومن المستحيل التعامل معه عسكريا لخطورة ذلك على مصر والسودان.

وطالب أبو الخير فى تصريحات صحفية  بمحاكمة نظام السيسي بتهمة الخيانة العظمى، لأنه تواطأ مع إثيوبيا على بناء السد والإضرار الجسيم بالأمن القومي المصري.

وأكد أن مصر والسودان فقدتا كل أساليب وآليات التفاوض، وحرقتا أوراق الضغط على إثيوبيا عمدا وفرطا عن عمد بكافة آليات الضغط، وما عليهم إلا الخضوع لكافة الشروط والأوامر الإثيوبية دون قيد أو شرط.

وشدد أبو الخير على أن هذا الأمر مخطط متفق عليه بين الأنظمة الثلاثة من قبل، مؤكدا أنه ما كان الانقلاب العسكري في مصر منتصف 2013، والانقلاب العسكري في السودان في  أبريل 2019، إلا تمهيدا لذلك.

 

سوء إدارة

 

وقال خبير المياه الدكتور محمد حافظ، أستاذ هندسة السدود بجامعة "Uniten" بماليزيا إن مصر لن تتضرر من الملء الثالث ووصول المياه لـ22 مليار متر مكعب، ولكن المشكلة الآن سوء إدارة التخزين ببحيرة السد العالي ذات المنسوب العالي جدا عند 179.8 متر.

وحذر حافظ من خطأ تقليص وزارة ري الانقلاب حصص المصريين وتراكم حصص السنوات السابقة حتى امتلأ السد العالي بشكل كبير يصعب إضافة مياه جديدة عليه من فيضان النيل الأزرق، بعد نهاية الملء.

ولفت إلى أن إثيوبيا حجزت 14 مليار متر مكعب من المياه، وعندما يصل الفيضان لمصر فإنه لن يجد مكانا خلف السد العالي، ولذا تلقي وزارة ري الانقلاب ومنذ 15  يونيو الماضي 350 مليون متر مكعب يوميا من بحيرة ناصر، بمفيض توشكى .

على المستوى الإثيوبي، يرى حافظ، أن الملء الثالث وصل بحيرة سد السرج الكبيرة جدا والتي كانت فارغة وقت الملء الثاني، ولذلك أصبح لدى إثيوبيا سهولة لصب الخرسانات على الممر الأوسط والكتلة الشرقية والغربية دون استعجال لأن البحيرة واسعة.

وأكد أنه بداية من الملء الرابع ستتخذ إثيوبيا استعدادات كبيرة لصب الخرسانات بالكتلة الشرقية والغربية والممر الأوسط بسهولة ولن تتكرر مشاكل الملء الثاني والثالث لديها، متوقعا أنه فى مثل هذه الأيام سيصل منسوب الممر الأوسط إلى 625 مترا فوق منسوب سطح البحر.

وحذر حافظ من أن التأثير الحقيقي على دولتي المصب سيبدأ من العام القادم مع الملء المحتمل، لأن فيضان هذا العام بدا جيدا وهذه معالم نهاية السنوات السبع وقمة الفيضان، والتي تتبعها سنوات عجاف، وأي اختصار أو تخزين مياه بسد النهضة يؤثر مباشرة على مصر والسد العالي.

وتوقع أنه لو كان العام القادم أول أعوام الجفاف فستحدث مشاكل كثيرة، وستتقلص حصة المصريين لـ35 مليار متر مكعب مياه بالسنة، للحفاظ على المياه بالسد العالي لأطول فترة، وهذا يعني تبوير أراض ووقف زراعات، وشراء الطعام من الخارج وارتفاع فاتورة الاستيراد، والحاجة للعملة الصعبة.

وعن الخيارات التي فقدتها مصر والسودان من اكتمال الملء الثالث، أكد حافظ، أنها فقدت الخيار العسكري الذي كان ممكنا حتى 20 يونيو الماضي، مع بدء الملء الثالث، ولذلك من حينها فقدت القوة العسكرية المصرية هذا الحل نهائيا لأن المساس بسد السرج يعني فناء السودان.

وبشأن ما يجب على مصر والسودان فعله، قال إنهما سيضطران للسير بمسار خطط أبوظبي بشراء مصر للمياه، ولكن السودان لن تشتري غير الكهرباء واقترضت 400 مليون دولار من البنك الدولي لعمل ربط كهربائي مع إثيوبيا.

 

خطوة استباقية

 

وقال الدكتور ممدوح المنير مدير المعهد الدولي للعلوم السياسية والاستراتيجية إنه لا يمكن الجزم بأن إثيوبيا أكملت بالفعل الملء الثالث للسد كما هو مخطط له، وقد تكون خطوة استباقية إعلامية تفرض بها واقعا على مصر والسودان، بينما تكمل هي عملية الملء خلال الشهور القادمة في صمت.

وأضاف المنير فى تصريحات صحفية : بافتراض أن ما أعلنته هو الحقيقة، فلا يوجد هامش حركة حقيقي تملكه مصر للتعاطي مع الأزمة التي ستظهر آثارها تباعا خلال السنوات القادمة مشيرا إلى أن السيسي هو الذي وقع على الاتفاقية التي تعترف بحق إثيوبيا في ملء السد، وأي حديث آخر ينفي المسؤولية عنه أو عن نظام الانقلاب هو نوع من العبث.

وكشف أن كل الحلول التي يطرحها نظام الانقلاب هي داخل الأراضي المصرية، وغالبها غير عملي ولا توجد موارد مالية لتنفيذها، فمعالجة مياه الصرف الصحي وتحلية مياه البحر واستخدام نظام التقطير في الزراعة كلها تحتاج ميزانيات ضخمة، ونظام غير فاسد في شرطين يغيبان تماما عن الحالة المصرية.

وأشار المنير إلى أن التحرك الدبلوماسي لنظام السيسي بلا معنى أو قيمة؛ فقد توجه مرتين لمجلس الأمن، ومرات لواشنطن والمحصلة صفر، لأن بناء السد مصلحة غربية صهيونية لخنق مصر، وأي تحليلات لا تذكر هذه الحقيقة فهي خادعة.

وأوضح أنه كان يمكن تغيير المعادلة لولا توقيع السيسي على اتفاق المبادئ، وعدم استخدام الجيش بشكل غير مباشر لردع إثيوبيا عند بدء الملء دون اتفاق يحفظ حقوق مصر والسودان وهو الخيار الذي انعدم حاليا بملء السد.

وحذر المنير  من أن أي انهيار في السد أو سوء في إدارته سيؤدي لكارثة وجودية تهدد السودان ومصر، وبالتالي فلا توجد مصلحة مصرية حاليا في القضاء عليه بعد امتلائه .

Facebook Comments