قالت ميدل إيست آي في مقال بعنوان "كيف عززت مذبحة رابعة الاستقطاب السياسي ؟ إن "ميدان رابعة ضم قبل تسع سنوات المجتمع الطوباوي (المدينة الفاضلة) أو المثالي ، متمثلا في الفئات العمرية والحدود التنظيمية وأن مذبحة رابعة عززت الاستقطاب السياسي".
واقتطف الكاتب "جانيس جوليان جريم" أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة فراي الألمانية (Freie Universität Berlin) من كتابة في مقتطفات من "الشرعية المتنازع عليها ، القمع والثورات في مصر ما بعد الثورة"   فقرات شرح بها كيف مهدت المذبحة الطريق لعودة الاستبداد.
وأضف جوليان أن رابعة أصبحت رمزا لازدراء السلطات للمعارضة المدنية والحقوق المدنية والحل السلمي للنزاع السياسي، معتبرا أن مذبحة رابعة في أغسطس 2013 تمثل حدثا محوريا للاعبين المتنافسين ونقطة تحول لسياسة مصر ما بعد المذبحة.

وأوضح أنه بعد رابعة احتاج ما أُطلق عليه   "معسكر محمد مرسي"  لترشيد العنف المنتشر ضد المتظاهرين، وبالتالي مهد الطريق عن غير قصد لاستعادة الاستبداد.

 في الوقت نفسه ، لم يتمكن المتظاهرون الضحية التخلي عن ادعاءاتهم غير الناجحة بالشرعية، وأن هذا يمنع تضامنا شعبيا أوسع مع أولئك الذين قتلوا في ميدان رابعة الذين وصل عددهم بحسب  "هيومن رايتس ووتش"  إلى ما بين 817 وأكثر من 1000 شهيد من المتظاهرين الذين قتلوا في ساحة رابعة في 14 أغسطس 2013.

وأبان أن مذبحة رابعة وضعت شروط الاحتجاجات المستقبلية ،  نظرا لأن التحالف المضاد للانقلاب قد حدد نفسه في نقيض لقوات الانقلاب ، فقد استجابت ليس من خلال تبني مقاومة عنيفة، ولكن من خلال تنويع ذخيرته المثيرة للجدل".

 

حول رابعة والمذبحة

ولفت إلى أن الأبحاث المسبقة حول أحداث القمع والمذابح أظهرت كيف يمكن أن يترجم تأثيرها العاطفي إلى لحظات رمزية تعطي معنى للنضالات الاجتماعية.

وعلى سبيل التماثل، أشار الباحث إلى المذبحة الفاشية في بيازا فونتانا في ميلانو عام 1969 ، وكيف تركت علامة دائمة على الذاكرة الجمعية الإيطالية، وأثارت اهتماما وتضامنا مع أنشطة التعبئة المستمرة، وانتقلت إلى وسط مركز الخطابات اليسارية تمثل التعبئة بعد المذبحة ووفاة أناركيين بينيلي، في حين تم استجوابها من قبل الشرطة خلال التحقيق تجارب مكثفة للغاية للعديد من الناشطين، وكيف جعل الموت من الرفاق أبطالا.

وانتقل إلى رابعة وضحاياها وكيف تحولت إلى مركز خطاب المقاومة المضادة للانقلاب، وبما تناقض بشكل حاد من تجاربهم السابقة للحياة اليومية في الاعتصامات، وأصبحت المذابح معلما للسيرة الذاتية الجماعية للمتظاهرين، وأنه بالنسبة للعديد من أولئك الذين يحتجون على مذبحتي رابعة ونهضة مصر، لم تكن أسابيع الاعتصام أداة استراتيجية فحسب ، بل مكنت أيضا تنظيم المجتمعات المصغرة البديلة والمثالية.

مجتمع مثالي
وعن هذه المثالية أوضح أن اعتصام رابعة مع الخدمات اللوجستية الداخلية المتطورة ، والتمايز الوظيفي ، ومشاركة العمل  وأنشطة المجتمع  وهياكل الدعم الاجتماعي  كان لها طابع قوي مسبق تحديده.
ووصف العديد من المشاركين في مجال الأبحاث وقتهم في الدراسات الاجتماعية بأنه تجربة شخصية فريدة من نوعها غيرت فهمهم للتضامن وحياة ذات مغزى.

وأن أوصاف هذه الفئة ترددت في تجاربهم خلال الـ 18 يوما في ميدان التحرير في عام 2011 كامتداد بشكل فعال للروايات السابقة من قبل المتظاهرين، المعسكرات المناهضة للانقلاب كانت تؤوي تحالفا متعدد الأديولوجية على قدم المساواة ، كما لم يكن هناك خلال الربيع العربي ولم يعطوا صوتا لتطلعات العديد من الشرائح المختلفة من المجتمع المصري.

واستعان بوصف الباحث أحمد شكر في 2015 (يبدو أنه دراسة أو روقة بحثية للشخص الذي ورد اسمه) أن هوية الساحات أو الميادين تنشئ ديناميات المجتمع، لاسيما إذا استكملها مكون ديني قوي ، فإن جزءا كبيرا تجسد ما تمثله مدن الخيام لمؤيدي مكافحة التشتت، وأن المشاركين عبروا عن مساحات طبيعية ، لرؤية مثالية للمجتمع والعيش عليها، والتي تعتمد على الخطابات الإسلامية كمخزون ثقافي لمعسكرات 2011، وذلك على مدار 47 يوما من الاعتصام، فالرباط تحول إلى أمن  حقيقي، حيث كان الناس ملزمين ببعضهم البعض من قبل أكثر من طلب سياسي مشترك".

وأن ما ضمه ميدان رابعة ونهضة مصر من مجتمع لأشخاص لديهم خلفيات اجتماعية اجتماعيا وأيديولوجيا مختلفا في مقاومة جماعية ضد تركيب كتلة تاريخية جديدة على شكل قوى الانقلاب المدعومة من الجيش.

وأن مساواة رابعة تجاوزت تصنيف الفئات العمرية، والحدود التنظيمية -على الرغم من تجنبها من قبل اللاعبين الليبراليين والعلمانيين الرئيسيين- ولكن من حيث المبدأ، تجمع المتعاطفين مع حقوق مؤيدي مرسي في التعبير عن رأيهم بحرية، وكانت مدن الخيام مأهولة من قبل المصريين من جميع مناحي الحياة ؛ العلمانية والمتدينين والليبرالي واليساري والثوري والرجعي.

النظام الاجتماعي الطوباوي

ولفت إلى أن دراسة الملفات التعليمية الاجتماعية والاقتصادية لأولئك الذين قُتلوا في مذبحة رابعة ، أظهرت أن المشاركين في الاحتجاج جاءوا من أكثر من نصف مناطق البلاد، بما في ذلك الأجزاء الأكثر ازدهارا والمتحضرين في البلاد بحسب ما كتب (Ketchley & Biggs ، 2015).
ولم يكن المخيم (اعتصام رابعة) مؤيدا للعبادة بقدر ما كان مضادا للزعيم (زعيم الانقلاب ويبدو أنه إشارة لعبدالفتاح السفاح) وأشارت المحادثات مع المشاركين في الحملة المضادة للانقلاب العسكري إلى وجود فصيلين من اللاعبين على الأقل في رابعة وميدان النهضة.

وأن أول الفصيلين كان المؤيدون للرئيس مرسي، وعلى النقيض من ذلك ، فإن الثاني يتآلف من المواطنين الذين لم يكونوا بالضرورة مؤيدين لمرسي ولكن قبل كل شيء  يعارضون الطريقة التي تمت بها إزالته من منصبه.

وقال جانيس جريم رئيس المساحات الراديكالية لمجموعة الأبحاث في مركز التفاعل لأبحاث السلام والصراع متعدد التخصصات ويركز عمل جانيس على العنف السياسي وقمع الدولة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وكذلك على عمليات التعبئة الجماهيرية ومناهضة النظام من الأسفل، إنه من بين الفصيل الثاني المشارك في الاعتصام، شارك البعض في الاقتناع بأن الرئيس السابق مرسي كان ينبغي أن ينحى أو أنه ينبغي  على الأقل  إزالته من منصبه من خلال الإقالة كما هو موضح في الدستور".

الدعاية المصرية

وأوضح أن هذا التشعب يمثل من الدوافع لكونه معاداة الفرق فرقا كبيرا في تحالف الاحتجاج في 30 يونيو، الذي رحبت فصائله الرئيسية بالتدخل العسكري كوسيلة ليس فقط لإسقاط الرئيس ولكن أيضا تلغي دستورا كرها.
وأثنى الباحث على تماهي مكونات الاعتصام في تحالف دعم الشرعية، وقال  "من المؤكد أنه كان في التحالف الوطني لدعم الشرعية (NASL) تصوير اعتصام رابعة على أنه مجتمع منظم أفقيا ومتنوعا، وأن التحالف لم يتضح فيه التسلسل الهرمي الفعلي بين الإخوان وغيرهم كونهم أعضاء في مخيم الاعتصام".

وأضاف "في الحقيقة ، لعب أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وموظفي حزب الحرية والعدالة (FJP) دورا رائدا في معظم اللجان في المربع وشاركوا بشكل حاسم في الجهود اللوجستية اللازمة للعمل السلس لهذا النظام الاجتماعي الطوباوي (المثالي) بما في ذلك توفير الضروريات الأساسية و تنظيم الأمن".
وأبان أن مكونات الجذور التنظيمية للتحالف شكل الإخوان المسلمين منها ما بين ربع إلى ثلث، كما أكد العديد من الأشخاص الذين تمت مقابلتهم الذين حضروا المشهد.
 

شهادة واقعية
ونقلا عن شهود العيان الذين قاموا بجولة في موقع الاعتصام في الأيام التي سبقت فضه قال الباحث إنهم "توصلوا إلى نتيجة مماثلة، وفقا لذلك ، وأن معظم المشاركين في الاعتصام لم يكونوا أعضاء رسميين في أي من المؤسسين، وعلى مدار أسابيع ، أصبح ميدان رابعة والنهضة مختبرات اجتماعية، حيث تم التفاوض على القوى المتنوعة في تحالف دعم الشرعية واختبارها وتشكيل مجتمعهم السياسي المثالي الجديد.

وأوضح أن هذا التفاوض مر من النقاشات السياسية حول التشكيل الجسدي للاعتصام مرورا بالأعمال الدنيوية ، مثل تنظيف الشوارع ، وإعادة طلاء الجدران المحيطة  أو توزيع الطعام  أو تنظيم التحولات الليلية ، والممارسات اليومية للحفاظ على ترتيب بديل جماعي ، تنافس على ذلك قدمت حالة ما بعد الانقلاب، لحظات من الإلهام لتشكيل هوية جماعية قوية تتجاوز الفروق السياسية بين الحركات المشاركة في التحالف.
 

الصفات الخارقة

وقال الباحث إنه "في 14 أغسطس 2013 ، تم تحطيم هذا المجتمع بشكل مفاجئ، ومع ذلك ، فإن تماسك حركة مكافحة التشتيت استمر، والتجربة الجماعية لعنف الدولة الوحشية منحت مزيدا من الشعور والهوية للنضال اللاحق للمتظاهرين، مؤطرة الائتلاف باعتباره جريمة ضد الإنسانية في شهر رمضان، وأصبحت المذابح الموضوع الرئيسي للحملة  التي تهيمن على الصور وإطارات العمل الجماعي في النصف الثاني من الإطار الزمني الذي تم فحصه.

ولفت إلى إشارة داون بيرلمتر ، يبدو أنه باحث اجتماعي آخر، من أن المنعطف الحرج لرابعة وجميع الجهات الفاعلة المقابلة والأرقام والصور والرموز كانت منحوتة مع صفات خارقة للطبيعة.

وأضاف أن الفض أو ما عبر عنه بالتشتت تسبب في صدمة أخلاقية تجاوزت الحدود الجغرافية للميادين المماثلة، على غرار جوانتانمو وأبو غريب Guantanamo أو Abu Ghraib وأصبح رمزا للانتهاكات في كل مكان لحقوق الإنسان باسم الحرب العالمية على الإرهاب ، وأصبحت رابعة رمزا لازدراء السلطات للمعارضة المدنية والحقوق المدنية والحل السلمي للنزاع السياسي.

وأن رابعة والنهضة وما حدث فيهما من مذابح كانت بمثابة نقطة تحول للمتظاهرين المناهضين للانقلاب، بصدى المذابح المخالفة بقوة للمعايير العالمية للكرامة البشرية والحقوق المدنية، ولذلك  تحولوا بسرعة إلى رموز عبر الوطنية لإساءة معاملة الدولة بسلطاتها القمعية.

ورأى أنه الحلقات المثيرة للجدل في صيف عام 2013 تسبب في رد فعل عنيف على الوجهين، موضحا أنه بمقابل ما سبق فإن الانقلاب ولإضفاء الشرعية على حملة القمع العنيفة ، لجأ النظام إلى الدعاية القومية الشريرة التي تنافس خطاب الشرعية الذي تبناه (NASL ) ووصفت جماعة الإخوان المسلمين وحلفاءها كإرهابيين ، وتأمين ساحة الاحتجاج في مصر باعتبارها مجالا غير شرعي من السياسة المتمردة.
وقال إن "مذبحة رابعة جعلت هذه السردية لا رجعة فيه ، وبالتالي تعزيز الاستقطاب السياسي الذي يمهد الطريق لاستعادة الحكم الاستبدادي".

https://www.middleeasteye.net/opinion/egypt-rabaa-massacre-anniversary-political-polarisation
 

Facebook Comments