رغم اعتراف  المنقلب السفيه السيسي ونظامه أكثر من مرة أن إنتاج الكهرباء بمصر بات يزيد عن حاجة استهلاك المحلي، وأن مصر تبيع كميات كبيرة للحارج، وذلك بعد توسع السيسي في إقامة محطات سيمنز الألمانية لتوليد الكهرباء بنظام القروض الكبيرة التي أرهقت ميزانية مصر بنحو 20 مليار دولار.

وكان واضحا  أن إقامة مشاريع الكهرباء كان يتم بلا دراسات جدوى، وهو ما نجم عنه زيادة الإنتاج عن حاجة مصر، وبما أن الكهرباء سلعة لا يمكن تخزينها، اضطرت الحكومة لبيعها للخارح سواء عبر الخط العربي أو لأوربا بأسعار أقل من تكلفتها الفعلية وبأقل من سعر السوق المصري.

ومع زيادة الأزمة الاقتصادية والعجز المالي الكبير وامتناع كثير من الدول والمؤسسات المالية الدولية عن إقراض مصر بعد أن وصلت ديونها لأرقام كارثية تجاوزت نحو 410 مليار دولار،  تبتلع خدمة الدين نحو 102% من إجمالي الدخل القومي، فجأت حكومة السيسي بدعوة عاجلة لضرورة ترشيد استهلاك الكهرباء، من أجل توفير الغاز المستهلك في الإنتاج لتصديره لأوروبا من أجل الحصول على دولارات.

وقال رئيس وزراء الانقلاب مصطفى مدبولي، في 10 أغسطس الجاري إن  "مصر ستبدأ قريبا في ترشيد الكهرباء المستخدمة في إنارة الشوارع  والأماكن الرياضية، والمباني الحكومية، بالإضافة إلى رفع درجة حرارة أجهزة التكييف في مراكز التسوق، والهدف من ذلك، حسب قوله، هو ترك المزيد من الغاز متاحا للتصدير إلى البلدان التي تعاني من نقص الغاز الخاص بها".

وأدى قرار روسيا بتضييق الخناق على صادراتها من الغاز الطبيعي إلى عجز عالمي كبير، في المقابل، وصلت أسعار الكهرباء في أوروبا إلى مستويات قياسية، وتستعد المملكة المتحدة لقطع التيار الكهربائي هذا الشتاء، وتعمل البلدان المستوردة للغاز في آسيا على ترشيد الكهرباء، وبالنسبة للبلدان التي تنتج الكثير من الغاز الخاص بها، يصبح الخيار بين الاحتفاظ بالغاز لتوليد الكهرباء في الداخل، أم بيعه لتحقيق ربح كبير في الخارج؟ تميل مصر، على سبيل المثال، إلى الخيار الثاني، كما يقول تقرير لموقع Quartz الأمريكي.

ووفق تقديرات اقتصادية، فإن مصر بحاجة إلى السيولة النقدية أكثر من الغاز، إذ تعد مصر لاعبا ثانويا نسبيا في سوق الغاز، حيث لا يمكنها شحن أكثر من 3.2% من الطلب العالمي على الغاز الطبيعي المسال في ذروة الإنتاج، لكن سلسلة من الاكتشافات البحرية الكبرى في العقد الماضي رفعت من مكانتها على الخريطة التجارية، وعالجت حالات انقطاع التيار الكهربائي التي عصفت بمصر خلال سنوات الاضطرابات والثورة.

قدم النقص العالمي الأخير في الغاز مكاسب غير متوقعة في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2022، كسبت مصر 3.9 مليار دولار من صادرات الغاز، وهو قدر مشابه لما كسبته في عام 2021 بالكامل.

وفي يونيو ، وقعت البلاد صفقة مع إسرائيل والاتحاد الأوروبي لتعزيز صادرات الغاز مقابل 103 ملايين دولار من المساعدات الغذائية.

لقد أعاقت حرب أوكرانيا مصر بطريقة ما، لكنها منحتها جانبا من الكسب بطريقة أخرى. وباعتبارها أكبر مستورد للقمح في العالم، شهدت مصر ارتفاعا حادا في أسعار المواد الغذائية بسبب الاضطرابات التجارية الناجمة عن الحرب.

لذا، يقول موقع Quartz إن توجه مصر لبيع الغاز للمشترين في الخارج ليس مجرد نزوع انتهازي، البلد في حاجة ماسة إلى السيولة النقدية لاستيراد المواد الغذائية والسلع الأخرى، ولمجموعة من مشاريع البنية التحتية باهظة الثمن التي تسعى الحكومة إليها، بما في ذلك بناء عاصمة إدارية جديدة.

وتواجه مصر ديونا تقارب 400 مليار دولار، علاوة على تراجع احتياطيات العملات الأجنبية، والتضخم متصاعد قال "مدبولي في مؤتمر صحفي ، نحن نبحث في كيفية الاستفادة بشكل أفضل من الموارد الطبيعية المتاحة لنا من أجل جلب المزيد من العملات الأجنبية".

 

فرض التقشف على المواطنين

وخلال فصل الصيف، عندما ترتفع درجات الحرارة إلى أعلى مستوى، تُستخدم نصف الكهرباء في مصر لتكييفات الهواء، وتنخفض صادرات الغاز، التي وصلت إلى مستويات قياسية في الشتاء الماضي.

وبحسب الموقع الأمريكي، استخدمت محطة إدكو للغاز الطبيعي، وهي الأكبر في البلاد، 11% فقط من طاقتها في يونيو ، وكانت معطلة تماما في يوليو ، وفقا لشركة استخبارات السوق Kpler تستخدم محطة دمياط، وهي محطة أخرى لتصدير الغاز الطبيعي المسال في مصر، حوالي ثلثي طاقتها فقط لذلك هناك طاقة تصديرية يجب توفيرها.

ستوفر خطة حكومة الانقلاب للحد من استخدام الكهرباء حوالي 570 مليون قدم مكعبة يوميا من الغاز، وفقا لتحليل أجرته شركة الاستخبارات Rystad Energy. هذا يمثل حوالي ثلث الطاقة التصديرية لمصر، ما يعني أن تدابير توفير الكهرباء ستوفر دفعة كبيرة لما تستطيع البلاد شحنه، لكنها تمثل حوالي 1.2% فقط من الطلب العالمي، لذلك من غير المرجح أن تصعد مصر بشكل ملحوظ في المقاييس العالمية. ومع ذلك، فإن أي إنتاج إضافي في سوق الغاز الدولي سيؤدي إلى انخفاض الأسعار للجميع.

 

انتهاك البيئة المصرية من أجل الدولارات

وعلى الرغم من استضافة مصر لمؤتمر لمناخ نوفمبر المقبل، إلا أن مصر من أجل تحصيل الدولارات وتوفير الغاز للتصدير، تقوم حاليا بتحويل بعض محطات الطاقة للعمل على زيت الوقود بدلا من الغاز، على حد قول جاستن دارغين، الذي يدرس أسواق الطاقة في شمال إفريقيا في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وينتج عن زيت الوقود تلوث الهواء وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري أكثر بكثير من الغاز الطبيعي.

وقال دراغين "هذا وقت عصيب بشكل خاص لمصر، بينما تحاول الالتزام بإصلاحات الاقتصاد الكلي التي حددها صندوق النقد الدولي، في الوقت الذي تبقي فيه على الخلاف الاجتماعي والسياسي المحتمل، الناتج عن مشاكلها الاقتصادية المتفاقمة ، وإن دعم احتياطياتها من العملات الأجنبية ليس مجرد قضية اقتصادية، بل قضية أمن قومي".

وكانت حكومة السيسي قررت اقامة مباريات دوري كرة القدم والمسابقات الرياضية لتقام  نهارا توفيرا للكهرباء، كما قررت تقليل إضاءة الشوارع والطرق العامة ، ورفعت أسعار استهلاك الكهرباء إلى أسعار عالية جدا، وألزمت المقار الحكومية بتوفير استهلاك الكهرباء، وهو ما أثار غضبا شعبيا، إذ أن الحكومة في الوقت الذي تطالب فيه المواطنين بالتقشف في استهلاك الكهرباء، تقيم الحفلات الغنائية للفنانيين في المناطق السياحية والتي تستهلك كميات غير موقعة من الطاقة والكهرباء، كما تقيم الحكومة عواصم ومدنا ترفيهية تبتلع المليارات من استهلاك الكهرباء كما في العاصمة الجديدة والعلمين الجديدة، وهو ما يكلف ميزانية الدولة الكثير من الأموال والطاقة أيضا ، وهو ما يجعل دعوات الترشيد معيبة ولا تجد سبيلها للتطبيق، وهو ما ستواجهه حكومة السيسي التي أمنت  من ثورة المصريين بالدبابة العسكرية، إلى القطع المبرمج وتقليل ساعات التيار الكهربائي في المدن والقرى وجهات عمل تخدم العلابة.

 

Facebook Comments