تحت حكم العسكر تطنطن الآلة الإعلامية ليل نهار بأن مصر بلد الأمن والأمان؛ وذلك في سياق الإشادة بحكم الجنرالات ودور وزارة الداخلية رغم أن القاصي والداني يعلم أن مصر بلد الرعب والخوف؛ فالداخل مفقود والخارج مولود كما يقولون في الأمثال الشعبية؛ وفي سبيل الترويج لهذه الأكذوبة يتم توظيف النصوص الدينية على نحو مجتزأ ومتعسف؛  فيتم استخدام قوله تعالى {ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ} للترويج لهذه الأكذوبة؛ متجاهلين أن هذا كان عندما تولى نبي الله يوسف عليه السلام  الوزارة (عزيز مصر) وهو أجنبي من بني إسرائيل ولم يكن مصريا أصيلا، لكنه حكم بالحق بين الناس وأقام العدل في الأرض. علاوة على ذلك، فإن مصر هي الدولة الوحيدة في القرآن التي سجنت هذا النبي العظيم (يوسف عليه السلام) لعفته وطهارته واستقامته رغم ثبوت براءته!  لكن العجيب أكثر أن السلطة العسكرية في مصر تتعامل مع القرآن كـ«سوبر ماركت»، تأخذ منه ما تشاء وتدع ما تشاء؛ لذلك نراهم يتجاهلون تماما قوله تعالى { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)}، في إشارة إلى نبي الله موسى عليه السلام الذي فر من مصر هاربا خائفا يترقب من بطش فرعون وجنوده الظالمين. فلماذا يروجون للآية الأولى (ادخلوا مصر ..  آمنين) ويتجاهلون الثانية (فخرج منها خائفا يترقب)؟! وكلتا الآيتين عن مصر؟! ولماذا يتجاهلون مئات الآيات القرآنية التي تذم فرعون وجنوده لظلمهم وطغيانهم في الأرض حتى استحقوا التدمير والإبادة؟ ولماذا يتجاهلون أن الجيش المصري (بخلاف جيش أبرهة الإثيوبي) من الجيوش القليلة التي دمرها الله بيده وفي معجزة (شق البحر) تتلى إلى يوم القيامة؛ لفساده وبغيه في الأرض بغير الحق؟ لماذا يتجاهلون كل هذه الحقائق بينما يتم الترويج لحديث موضوع مكذوب منسوب زورا وبهتانا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم،  حول «خير أجناد الأرض»؟! يتجاهلون القرآن ويروجون للحديث الموضوع؛ لتوظيف الدين سياسيا لخدمة أجندة النظام!

خلاصة الأمر أن مصر هي بلد الأمن والأمان عندما يحكمها  أهل الحق والإنصاف يقيمون ميزان العدل  في الأرض دون تمييز أو عنصرية أو استثناء؛ وتكون مصر بلد الخوف والرعب عندما يحكمها المنافقون والظالمون الذين لا يقيمون وزنا للعدل ولا يكترثون لأرواح الناس وكرامتهم وحريتهم وأموالهم؛ والجميع يعرف نوعية الذين يحكمون مصر اليوم؛ فهم أكثر الناس بطشا وظلما وطغيانا؛ ويكفي حجم الدماء الحرام التي سفكوها في عشرات المذابح الوحشية رغم أن الله توعد من يقتل مؤمنا واحدا باللعنة والخلود في النار، ويكفي عشرات الآلاف من المعتقلين ظلما الذين تم الزج بهم في السجون بتهم ملفقة مبنية على التحريات الأمنية، ثم تم الحكم عليهم ظلما بأحكام مسيسة بناء على هذه التحريات المفبركة، بخلاف نهب ومصادرة عشرات المليارات من أموالهم وشركاتهم؛ ويكفي ما يحدث حاليا مع صاحب شركة جهينة صفوان ثابت والذي جرى اعتقاله ونجله لابتزازه من أجل إجباره على التنازل عن شركته للعصابة الحاكمة رغم أنها أكبر شركة ألبان في الشرق الأوسط!

كل هذه الحقائق تداعت عندما قرأت قصة السائح الفرنسي يان بوردون (27 سنة) والذي طاف كثيرا من بلاد العالم آخرها  رحلة حول أوروبا على القدمين، وكانت آخر محطاته في إسطنبول التركية قبل أن يقل طائرة إلى شرم الشيخ، وفي طريقه إلى القاهرة في  أغسطس 2021م التقى ضابطا مصريا في مدينة السويس والذي دعاه إلى قضاء ليلة مع أصدقائه في القاهرة هذا اليوم. في اليوم التالي، بحسب الأم والأخت، اللتين تحدثتا إلى «مدى مصر»، ذهب يان للبيات في فندق صغير، وكانت آخر مراسلاته مع أخته يوم 4 أغسطس، حين حكى لها أنه ذهب للمتحف، وأنه سيراسلها مجددًا. بحسب وندي، لم يملك يان خط تليفون، وكان يكتب لها عندما يتواجد في مكان به إنترنت. وفي نوفمبر الماضي 2021، أبلغت العائلة وزارة أوروبا والشؤون الخارجية في باريس والقنصلية الفرنسية في القاهرة عن اختفاء يان. وبتواصل الأخيرين مع الأمن المصري، تم إخبارهم أن يان لم يمر بالأراضي المصرية.  لكن أكاذيب السلطة في مصر معروفة ولم تنطل على الفرنسيين وتجربة الباحث الإيطالي جوليو ريجيني الذي قتل على يد الأجهزة الأمنية في مصر في فبراير 2016م، لا تزال ماثلة في الأذهان، وعند تصميم البوليس الفرنسي، عرف من نظيره المصري أن يان بالفعل كان قد وصل إلى مطار شرم الشيخ في 25 يوليو، وهكذا حصلت عائلته على رقم جوازه الذي لم يكن لديهم علم به. كما كشفت التحريات الفرنسية عن إجراء أربع معاملات بنكية من بطاقة يان الائتمانية بالقرب من ميدان التحرير، بعد ثلاثة أيام من آخر رسائله. سافرت العائلة إلى القاهرة في مايو الماضي 2022، وقابلت السفير الفرنسي والنائب العام المصري، الذي سألهما عن يان لمدة ثلاث ساعات، فيما لم يتمكنا من مقابلة ممثل عن اﻷمن المصري رغم طلب السفارة ذلك.

وأخيرا ظهر يان في القنصلية الفرنسية بالقاهرة، الثلاثاء الماضي 10 أغسطس 2022، وتواصل من هناك مع عائلته عبر الهاتف، قبل أن يعود إلى فرنسا في اليوم التالي، بعد أكثر من عامٍ على اختفائه عقب وصوله للقاهرة في 4 أغسطس 2021. ولم تعلق العائلة حتى الآن على سبب اختفاء يان، فيما أشار  بيان منظمة  كوميتي فور جستس إلى أن المنظمة «تحترم صمته فيما يتعلق بأسباب اختفائه ومنحه الوقت للعودة إلى حياته الطبيعية». وفي رسالة مقتضبة رفضت السلطات الفرنسية الإدلاء بمعلومات بشأن عودة يان بناء على رغبة أسرته.

مرحبا بكم في مصر تحت حكم العسكر، بلد اللا أمن واللا أمان!!

Facebook Comments