لم تكد تداعيات جائحة كورونا تنتهي حتى دخل العالم في أزمة تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا منذ فبراير 2022، الأمر الذي أدى إلى تفاقم أزمة الغذاء والطاقة؛ حتى وصلت مستويات التضخم إلى نسب غير مسبوقة؛ وفي ظل هذا الوضع المازوم أساسا تواجه القارة العجوز "اوروبا" مشكلة أكثر حدة؛ حيث حل عليها صيف كارثي نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وموجة جفاف يُعتقد أنها الأسوأ منذ خمسة قرون، أدت إلى انخفاض مستويات الأنهار، وتعطل حركات الملاحة ببعضها، وكذلك فرض قيود على استخدام المياه، فضلًا عن تخوفات من عواقب محتملة على الصناعة والشحن والطاقة وإنتاج الغذاء، ما قد يؤثر في النهاية على شبكات الإمداد وأسعار الغذاء في أوروبا والعالم.

ووفقًا لتقرير صحيفة«ذا جارديان» البريطانية، تسببت التغيرات المناخية في زيادة الجفاف في أوروبا خلال فصلي الشتاء والربيع، قبل تسجيل درجات حرارة قياسية في فصل الصيف، وموجات حر متكررة أدت إلى عدم تجديد الممرات المائية الأساسية وارتفاع درجة حرارتها.  أثرت موجة الجفاف اﻷخيرة على نهر الراين، الذي يعد شريان نقل وسط أوروبا، إذ تراجع منسوبه في مدينة كوبلنز الألمانية إلى 48 سنتيمتر فقط، أقل ثلاث مرات مما تحتاجه السفن للإبحار، كما تعطلت حركة الشحن في نهر الدانوب، أحد أطول أنهار أوروبا، بالإضافة إلى توقف جريان المياه تمامًا في نهر لوار في فرنسا، وانخفاض مستويات المياه في نهر بو في إيطاليا، بمقدار مترين عن المعدل الطبيعي، واختفائها بالفعل من بعض روافده، ما أثر على إنتاج محاصيل الذرة والأرز بشكل يهدد بفقد نحو 60% من الإنتاج هذا الموسم. وفيما تم الإعلان، الأسبوع الماضي، رسميًا عن الجفاف في ثمانية مناطق بإنجلترا، فإن 63% من أراضي الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، مهددة بالجفاف، وفقًا لبيانات نشرها مرصد الجفاف الأوروبي، الأسبوع الماضي.

حالة الجفاف غير المسبوق هي الأسوأ منذ 500 سنة، وفق ما أعلن مركز الأبحاث المشترك التابع للمفوضية الأوروبية. وحسب توقعات المصدر نفسه، فإن "الجفاف الحاد" أصاب 47% من القارة الأوروبية، كما أن ثلثي مساحة القارة باتت مهددة بالجفاف، علما أنه لحدود منتصف يوليو/تموز الماضي كانت 15% من مساحة أوروبا ضمن تصنيف "الجفاف الحاد".

في فرنسا، أعلنت رئيسة الوزراء الفرنسية إليزابيث بورن عن تشكيل فريق للتعامل مع موجة الجفاف الأسوأ في تاريخ البلاد منذ 64 عاما، كما أن 100 منطقة في فرنسا باتت تعاني من غياب تام للمياه الصالحة للشرب، ومن المتوقع أن يستمر الوضع خلال الأشهر المقبلة. وأعلنت شركة الكهرباء الفرنسية "إي دي إف" (EDF) عن تخفيض حجم الطاقة التي ينتجها أحد مفاعلاتها النووية بسبب ارتفاع درجة حرارة الماء الذي يتم استعماله لتبريد المفاعلات.

وفي إسبانيا، أصبح مخزونها من المياه 40% فقط، وهو أدنى مستوى له بالتاريخ، وتتناقص هذه النسبة بحوالي 1.5% مع كل أسبوع تستمر فيه الحرارة المفرطة وتغيب فيه التساقطات المطرية، وحسب الحكومة الإسبانية فإن هذه السنة هي الأكثر جفافا منذ 60 عاما. أما إيطاليا فقد أعلنت الحكومة الإيطالية أن هذه السنة هي أكثر سنة جافة في تاريخ البلاد، وحسب الجمعية الإيطالية للأرصاد الجوية فإن ما يحدث في البلاد لم يتم تسجيله منذ أكثر من 230 سنة. ومن أبرز مظاهر حالة الجفاف في البلاد الحالة المزرية لنهر "بو" الذي كان يبلغ طول تدفقه 652 كيلومترا، وتراجع إلى 10% عن المعتاد.

ويعتبر نهر الراين في المانيا من أهم الأنهار في العالم، وعبره تمر أكبر حركة تجارية في أوروبا، ويربط ألمانيا بالموانئ الكبرى، خصوصا روتردام في هولندا، والموانئ في بريطانيا، وتراجع مستوى المياه في النهر أدى لتباطؤ حركة السفن فيه، وبلغ مستوى التأخير حوالي 132 يوما، وباتت بعض السفن تستوعب 25% فقط من قدرتها تجنبا للجنوح في النهر، وهو ما يؤدي لارتفاع تكاليف الشحن.

وفي بلجيكا، فقد سجلت أكثر سنة جافة في تاريخها منذ سنة 1885، كما تراجع منسوب المياه في عدد من أنهارها. وفي بريطانيا، أعلنت الحكومة البريطانية عن دخول 8 مناطق بالبلاد في حالة "جفاف حاد"، كما تم تسجيل أسخن صيف في تاريخ بريطانيا منذ سنة 1976، وكان يوليو الماضي 2022 الشهر الأكثر حرارة منذ سنة 1935 بعد أن تجاوزت درجة الحرارة 40 درجة مئوية في بعض المناطق، وحسب صحيفة "غارديان" البريطانية فإن بعض منابع نهر "التايمز" قد جفت، وذلك لأول مرة في تاريخ البلاد.

 

أسباب الجفاف

بحسب "الجزيرة نت"، تعتبر التغيرات المناخية التي أدت لارتفاع درجات حرارة الأرض بنسبة درجة واحدة، إضافة إلى تراجع التساقطات الثلجية خلال فصل الشتاء هي أهم الأسباب وراء موجة الجفاف الحالية؛  مما أدى لتراجع حجم المياه التي تتدفع عادة من الجبال، كما ارتفع منسوب استهلاك النباتات للماء لأنها تعاني من الجفاف وتراجع خصوبة الأرض. لكن دراسة أخرى نشرت في موقع "نيتشر" (Nature) تقول إن درجات الحرارة المرتفعة في أوروبا وما يصاحبها من جفاف سببه التغيرات في التيارات الهوائية التي تدفع الهواء الساخن من شمال أفريقيا نحو أوروبا. كما أن الوضع قد يزداد سوءا بسبب ما يبدو أنه تراجع أوروبي عن هدف تقليص انبعاثات الغاز بنسبة 55% بحلول عام 2030، ذلك أن أزمة الطاقة تدفع الحكومات الأوروبية إلى العودة للأساليب القديمة، بما فيها الاعتماد على الفحم والوقود الأحفوري.

أما بشأن التكلفة الاقتصادية للجفاف والحرارة، فإن درجات الحرارة العالية وموجات الجفاف تتسبب في خسائر كبيرة للاقتصاد الأوروبي، وحسب دراسة لعدد من الخبراء الاقتصاديين الأوروبيين، فإن موجات الحرارة الطويلة ستؤثر على الناتج الداخلي الخام لأوروبا، وتوقعت الدراسة نفسها أن نمو الناتج الداخلي الخام الأوروبي سيتراجع بنسبة 0.5% مقارنة بالسنوات العشر الماضية.

 

 

Facebook Comments