بعد التهام واسع لكل الشركات والهيئات الحكومية ومؤسسات المجتمع المصري، بل والوزارات ومناصب البلد كلها، من وزارات ووكلاء  وزراء ورؤساء قطاعات حكومية، من قبل العسكر الذين باتوا يتحكمون في كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والحكومية بالمجتمع المصري، منذ الانقلاب العسكري في 2013 ومع استبدال الحزب الوطني المسيطر على الحياة السياسية بعهد حسني مبارك بحزب  "مستقبل وطن" الذي يمتلك الأغلبية البرلمانية ويسيطر على العمل البرلماني  ، وهو الحزب الذي شكلته الأجهزة الأمنية والمخابرات المصرية، لتأميم الحياة السياسية، بدأت تلك الأجهزة في تقوية حزب  حماة وطن كبديل لمستقبل وطن، حيث تجري عملية توسيع لعضوية حزب "حماة وطن" عبر القادة العسكريين المحالين للتقاعد ، ليكون حزب الجنرالات الذي قد يعول عليه السيسي في المرحلة المقبلة.

وقد تحمل عملية التوسيع وتمتين موقع "حماة وطن" داخل الحياة السياسية  لترتيبات ما، قد يكون بطلها العسكرة الفجة والمباشرة لكل شيء، ولإيجاد وجوه جديدة تنطلي على المواطنين الملتاعين والمكويين بنيران سياسات النظام الحالي ، لتصدير صورة أن القادة العسكريين الذين خاضوا المعارك من أجل الوطن، هم الأقدر على العمل السياسي وإيجاد سياسات  أكثر نجاعة من السياسات الحالية، والذي قد يبرره الإعلام المخابراتي بأن الوجوه الجديدة من العسكريين الذين يصبغ عليهم لباس الوطنية هم الأجدر للمرحلة المقبلة.

ومؤخرا، ووفق تقارير سياسية عدة، ققد دخل حزب "حماة الوطن" الذي يُشكل أغلب كوادره من رجال الجيش والمخابرات السابقين، مرحلة التجهيز للحصول على دور أكبر في العملية السياسية في مصر، بدلا من حزب مستقبل وطن، الذي يحوز الأغلبية في غرفتي البرلمان، ويعامل من المسؤولين باعتباره الحزب الحاكم المقرب من عبد الفتاح السيسي.

ورصدت دوائر سياسية، أن هناك نشاطا ملحوظا في الفترة الأخيرة، في الحصول على عضوية حزب حماة الوطن، الذي تأسس في أبريل 2014 مشيرة إلى التحاق عشرات من القادة السابقين في القوات المسلحة والمخابرات العامة والحربية بالحزب، الذي يعد رابع الأحزاب المصرية تمثيلا في مجلس النواب بعدد 23 مقعدا.

ووفق مراقبين للشأن السياسي المصري، فإن نشاط حركة العضويات الجديدة في حزب حماة الوطن لا يمكن اعتباره أمرا طبيعيا بالمرة، خصوصا عندما يحدث هذا النشاط في وقت "مَوَات سياسي" أي بعيدا عن مواعيد الانتخابات البرلمانية مثلا، وهي الفترة التي تشهد في المعتاد حراكا ملحوظا في إضافة أعضاء جدد أو انتقال أعضاء قدامى بين الأحزاب المختلفة.

إذ أن هناك تهافتا من المئات على الالتحاق بحزب حماة الوطن بالفعل في الأسابيع الأخيرة، ، كما أن  هناك العشرات من أعضاء الأحزاب الأخرى، ومنها حزب مستقبل وطن نفسه، ألغوا عضوياتهم في تلك الأحزاب من أجل الانضمام إلى الحزب الذي يمكن وصفه بأنه ممثل القوات المسلحة في العملية السياسية في مصر؛ نظرا لوجود عشرات من القادة العسكريين في قيادته.

 

فساد سياسي

وتدور أحاديث داخل الغرف المغلقة للأجهزة السيادية حول ضرورة وجود حزب قوي ينافس حزب مستقبل وطن، ويشاركه النفوذ والسيطرة على غرفتي البرلمان، بعدما انحرف بعض أعضاء الحزب الأخير عن الصواب، والتفتوا لمصالحهم الخاصة.

وتخشى دوائر الحكم، من سيطرة حزب واحد على العملية السياسية، خوفا من تكرار تجربة الحزب الوطني الذي هيمن على البلاد طوال حكم الرئيس الراحل حسني مبارك، قبل أن يتم حله عقب تنحي مبارك في الحادي عشر من فبراير عام 2011 في أعقاب اندلاع ثورة  يناير2011.

وحول مصير حزب مستقبل وطن في حال صحت الأنباء برغبة السلطة السياسية في دعم حزب حماة الوطن، يتردد أنه سيظل موجودا وممثلا في البرلمان بغرفتيه النواب والشيوخ، لكن مع تقليص سيطرته الحالية.

كما أن هناك توجيهات أمنية صدرت قبل شهور بدعم الحزب الذي يهيمن عليه قادة من القوات المسلحة والمخابرات الحربية، وقد تسربت هذه التوجيهات إلى كثير من المشتغلين بالعمل السياسي في مصر، وبالتالي كان من الطبيعي أن يسعى الكثيرون من أعضاء الأحزاب الأخرى للقفز من مراكبهم الحزبية، التي لا تجد مرفأ آمنا لها من أجل اللحاق بالحزب، الذي بدا أنه سيحظى بعناية رئاسية في الفترة المقبلة، ومن ثم يستحوذ على قدر أكبر من النفوذ والمناصب والمقاعد البرلمانية في الانتخابات المقبلة.

إلى جانب، تكدس التقارير الأمنية حول مخالفات تم رصدها لكثير من قادة الحزب، الذين انشغلوا بالبيزنس وتعظيم ثرواتهم على حساب العمل السياسي ودعم السيسي في نفس الوقت الذي أبدى فيه السيسي إعجابه بدأب حزب حماة الوطن على تبني أفكاره ومبادراته، وتفرغ قادته للعمل العام، دون أن تكون لهم طلبات أو ترصد عليهم مخالفات مثل قادة "مستقبل وطن" الذين أصبحوا عبئا -بحسب تعبير مسؤول أمني مهم- على النظام السياسي المصري، بدلا من أن يكونوا داعمين له.

 

الصراع بين الأجهزة

ووفق  تقديرات سياسية، فإن تعلية حماة وطن ، قد يكون أحد صور الصراع بين الأجهزة الأمنية والمخابراتية بمصر، فقد تأسس "حماة الوطن" على أيدي قادة عسكريين سابقين، ما يعني أنه يمثل الذراع السياسية للقوات المسلحة.

 بينما تأسس حزب مستقبل وطن على يد المخابرات الحربية، وتحديدا المقدم أحمد شعبان صاحب النفوذ المتعاظم في الحياة السياسية المصرية في عهد السيسي، الذي تعاون مع محمد بدران، رئيس اتحاد طلاب مصر السابق، والملقب بـالطفل المعجزة، لتأسيس الحزب ليكون داعما للسيسي وبديلا للحزب الوطني المنحل.

قبل أن تدب الخلافات سريعا في أروقة الحزب، ليتم إبعاد بدران بحجة سفره إلى أمريكا لاستكمال دراسته، وانتقلت تبعية الحزب من المخابرات الحربية إلى الأمن الوطني، قبل أن يستقر مع المخابرات العامة التي قامت باختيار عبد الوهاب عبد الرازق رئيسا للحزب، بعد أن ترك منصبه كرئيس للمحكمة الدستورية العليا عام 2018.

وتتصاعد صراعات على النفوذ بين الأجهزة السيادية ، وبالتالي ليس من المستبعد أن يكون إفساح المجال أمام حزب حماة الوطن محاولة من القوات المسلحة والمخابرات الحربية للحصول على دور أكبر في العملية السياسية، وتقليص المساحة الهائلة التي تستحوذ عليها المخابرات العامة من خلال حزب مستقبل وطن في السنوات الأخيرة، مستغلين في ذلك حالة عدم الرضا، وربما الاستياء في الشارع، عن أداء الحزب الذي يشبهه الكثيرون بالحزب الوطني في فساده وسيطرته المطلقة، وتمتعه بدعم السيسي، ما أدى إلى تكتل كل الأحزاب والحركات المعارضة له لإسقاطه في يناير من عام 2011.

يذكر أن حزب حماة الوطن تأسس في أبريل 2014 قبل شهرين تقريبا من انتخاب السيسي.

وذكرت لجنة الأحزاب في البيان الذي أصدرته للإعلان عن ترخيص الحزب أن أعضاءه المؤسسين ثلاثة من القادة العسكريين السابقين، هم اللواء فؤاد عبد العزيز عرفة، الذي يعمل خبيرا استراتيجيا وسياسيا منذ خروجه من الخدمة العسكرية، واللواء محمد أسامة أبو المجد، الذي شغل منصب عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب 2015 ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب حماة الوطن، وأخيرا ناجي عبد العزيز محمد، الذي اختفى عن الأنظار تماما بعد ذلك، ليظهر بدلا منه الفريق جلال هريدي، قائد قوات الصاعقة الأسبق، الذي أصبح رئيسا للحزب فيما بعد، ولا يزال في منصبه حتى الآن، رغم بلوغه الثالثة والتسعين من عمره، ومعه اللواء أحمد العوضي، النائب الأول لرئيس الحزب، واللواء طارق نصير، الأمين العام للحزب، وكلهم من القادة العسكريين السابقين رغم أن أحد شعارات الحزب الظاهرة في صدر موقعه الإلكتروني أنه حزب الشباب المؤهلين لتسلم راية القيادة، بجذب المزيد من شباب مصر الأكفاء، ليكون الأكثر حداثة، والأحرص على امتلاك ناصية العلم والمعرفة، والأقدر على الانتشار والتقدم.

وعلى أية حال، تبقى العسكرة مستمرة متجذرة في ظل حكم العسكر، الذي ينال من حريات المصريين وحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وهو ما يؤشر لقرب انفجار اجتماعي كبير، في ظل الانغلاق السياسي الذي يعانيه الجميع في مصر، سواء منظمات مجتمع مدني أو أحزاب سياسية مدنية أو مستقلين أو صحفيين أو نشطاء.

Facebook Comments