السؤال هو التالي: لماذا حافظت بريطانيا على نظامها الملكي من جهة وقامت من جهة ثانية بتفتيت كل الممالك الأخرى في بلادنا بدءا بالخلافة العثمانية ثم تصفية ما أمكن من الملكيات العربية في مصر والعراق بشكل خاص؟ 

شهد قصر الرحاب في العراق يوم 14 تموز (يوليو) 1958 واحدة من أبشع المجازر السياسية في التاريخ الحديث، حيث قام شرذمة من "الضباط الأحرار" بقيادة عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف بالانقلاب على الملكية وتصفية جميع من كان بالقصر بما فيهم الأطفال والنساء. 

لم تكن المخالب البريطانية بعيدة عن المشهد رغم سعي البريطانيين الحثيث إلى نفي أي يد لهم في المجزرة أو في تغيير النظام السياسي بالعراق، لكن تاريخ الحضور السياسي البريطاني في العراق وفي المشرق العربي يكذب كل هذه الادعاءات. ليس غزو العراق الذي قاده الحلف الأمريكي البريطاني بأكذوبة أسلحة الدمار الشامل إلا خير دليل على عمق الجرائم التي ارتكبتها الامبراطورية الاستعمارية في حق العرب والمسلمين من الهند إلى مصر مرورا بفلسطين ووعد بلفور.
 
في مصر قادت زمرة من العسكريين انقلابا على الملك فاروق سنة 1952 وسُمّي ثورة قادها هناك أيضا تنظيم عسكري يسمى "تنظيم الضباط الأحرار" سرعان ما انقلب فيه البكباشي عبد الناصر بعد ذلك على الرئيس محمد نجيب وقام بوضعه تحت الإقامة الجبرية حتى آخر أيام حياته. وهو نفس السيناريو الذي حدث في العراق حين انقلب عارف على قاسم ثم انقلب صدام على كليهما قبل أن تنقلب أمريكا على الجميع وتسلم العراق إلى المليشيات الإيرانية. 

غير بعيد عن هناك قادت المخابرات الأمريكية والبريطانية انقلاب العقيد القذافي على الملك الصالح إدريس السنوسي لتنسف البناء السياسي الوليد هناك وتفتح الباب أمام قرابة نصف قرن من الطغيان والعبث والقمع الدامي الذي لا تزال آثاره ظاهرة إلى اليوم. 

في المقابل احتفظت أنظمة وراثية عربية ببنائها السياسي لكن ذلك لم يكن ليكون دون مباركة بريطانية أمريكية خاصة في الخليج وهي الأنظمة التي حافظت على ولائها للعرش البريطاني مقابل ضمان حماية النظام القائم. يبقى المغرب الاستثناء الإفريقي والمغربي الوحيد الذي حافظت فيه الملكية على نفسها من مغامرات العسكر رغم الانقلابات الدموية الفاشلة التي حاولت أكثر مرة الإطاحة بملكية خاصة في زمن الملك الراحل الحسن الثاني. 

تشكّل الورم السياسي 

كان منتصف القرن الماضي مرحلة مفصلية في تاريخ الشعوب العربية وأنظمتها السياسية وخاصة الفترة التي تلت نهاية الحرب العالمية الثانية بدءا باحتلال فلسطين سنة 1948. في هذه الفترة الحرجة التي امتدت إلى حدود السبعينيات تشكل النظام السياسي العربي بصيغته النهائية وكانت نهاية الأنظمة الملكية في ليبيا ومصر والعراق وسوريا من أبرز ملامحه لأنها كانت العملية التي أسست للأنظمة العسكرية التي ستحكم المنطقة بقبضة من نار وحديد إلى اليوم وستنتهي بالبلدان التي حكمتها إلى نهايات كارثية مؤلمة. 

لا يعني هذا الإقرار أن الأنظمة الملكية أنظمة ديمقراطية لكن فيها نماذج أكثر عدالة اجتماعية وأقل قمعا وعزوفا عن ارتكاب المجازر والجرائم التي ارتكبتها كل الأنظمة العسكرية العربية دون استثناء. في الجزائر وفي سوريا والعراق وليبيا ومصر ارتكب العسكر جرائم لا تحصى ولا تعدّ وبلغ توحش القمع في هذه البلدان مستويات لم تشهدها أية انظمة عسكرية عبر العالم كما هو الحال في سوريا اليوم حيث قرر النظام العسكري الطائفي حرق البلد وإبادة الشعب وتهجير الملايين واستقدام الجيوش الأجنبية لقتل المدنيين العزّل وقصفهم بالبراميل المتفجرة.
 
لم يكن تغيير شكل نظام الحكم في سوريا والعراق والسودان والجزائر ومصر وليبيا اعتباطا بل كان مشروعا مرسوما بدقة خاصة إذا علمنا أنّ هذه التنظيمات العسكرية قد استندت في أغلبها على الفكرة القومية ومقولة العروبة وشعاراتها الكاذبة. لكن الخيط الجامع بينها بخلاف القمع والاستبداد إنما يتمثل في وحدة الإرث المرعب الذي خلفته حيث تحولت الأوطان التي حكمتها الجماعات القومية العسكرية إلى خراب تأبى الغربان الإقامة فيه.

كانت الأنظمة القومية العسكرية هي الحلّ السحري الذي فطنت إليه القوى الاستعمارية حين قررت جيوشها مغادرة المنطقة العربية وقد تركت وراءها خير ضامن لمصالحها في هذه الدول وخير مانع لنهضة شعوبها. بل إن هذه الأنظمة العسكرية كانت القوّة الضرورية لتأجيج العلاقات بين الشعوب ودفعها إلى محاربة بعضها البعض كما يفعل الجيش الجزائري ضد المملكة المغربية وكما فعل القذافي وقبله عبد الناصر في اليمن وصدّام خلال غزو الكويت.
 
تستبطن الأنظمة الملكية والوراثية بشكل عام القدرة على التحول إلى ملكيات دستورية على غرار كثير من الدول الأوروبية وهو الأمر الذي يستحيل حصوله في حال الجمهوريات العسكرية العربية. لقد نجحت كثير من الدول الخليجية خاصة في تمكين شعوبها من حدّ كاف من الرفاه الاجتماعي عبر تقاسم الثروات النفطية وعبر الاستثمار في البنى التحتية والتعليم والمرافق العمومية. وهو الأمر الذي لم يحصل في الجمهوريات العسكرية التي تمتلك أضعاف ثروات دول الخليج مثل الجزائر وليبيا والسودان التي يهرب أبناؤها عبر الصحاري والبحار من أجل بلوغ السواحل الأوروبية علّهم يظفرون بموطن شغل يضمن لهم كرامتهم. 

رحلت ملكة بريطانيا إذن بعد أن تركت بصماتها الدامية على قارات العالم الخمس وخلفت وراءها ملايين القتلى الذين لم يعتذر عنهم التاج البريطاني يوما. لكن أخطر ما خلفته الامبراطورية الاستعمارية البريطانية إنما هو الخنجر الصهيوني في أرض فلسطين وهي الجريمة التي تحولت فيما بعدا أصلا تجاريا لصالح الأنظمة العسكرية العربية التي كانت عبر تاريخها الطويل الحارس الوفي للكيان الغاصب وللإرث الاستعماري المريع. 

…………

نقلا عن "عربي 21"

Facebook Comments