انتقدت منظمة العفو الدولية موقف نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في ملف حقوق الإنسان، وقالت إن السلطات المصرية تكابر ولا تريد الاعتراف بأزمة حقوق الإنسان المتجذرة في البلاد، ولا تبد أي نية صادقة في معالجتها، رغم مرور سنة على إطلاق الإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في سبتمبر 2021م.

وبحسب تقرير للمنظمة الأربعاء 21 سبتمبر 2022م، بعنوان، “انفصال عن الواقع: الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في مصر تتستَّر على أزمة حقوق الإنسان”، فإن السلطات المصرية تواصل تضييق الخناق على الحريات وارتكاب الجرائم المشمولة في القانون الدولي، مع اقتراب موعد انعقاد الدورة السابعة والعشرين للمؤتمر السنوي لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ “كوب 27”. واتهمت سلطات الانقلاب بتوظيف الإستراتيجية باعتبارها أداة دعائية لتُخفي قمعها الذي يزداد استفحالاً ضد أي شكل من أشكال المُعارضة قبل مؤتمر المناخ المُقرر انعقاده في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.[[1]]

استند تقرير منظمة العفو الدولية الجديد، إلى توثيقها المستفيض لأنماط انتهاكات حقوق الإنسان المُرتكَبة في مصر منذ اغتصاب عبد الفتاح السيسي للسلطة بانقلاب عسكري في يوليو 2013م، وكذلك إلى المعلومات التي جمعتها منذ إطلاق الاستراتيجية من مصادر متعددة، منها الضحايا والشهود والمدافعون عن حقوق الإنسان والمحامون الحقوقيون.  وأجرت المنظمة أيضًا مراجعةً للوثائق الرسمية، والأدلة المسموعة والمرئية، وتقارير هيئات الأمم المتحدة وغيرها. وقُدِّمَت النتائج التي خلص إليها التحليل وتوصيات المنظمة إلى السلطات المصرية في 7 سبتمبر/أيلول 2022.

وقدمت المنظمة تحليلا لهذه الإستراتيجية تضمن التحفظات الآتية:

أولا، لقد وضعت السلطات المصرية الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان ــ بحسب الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية إنياس كالامار ــ  لتكون ساترًا برَّاقًا لانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها من دون رادع، معتقدةً أنه يمكنها خداع العالم قبل مؤتمر المناخ، إلا أنه لا يمكنها تلميع سِجِلها المريع بمجرد حيلة من حيَل العلاقات العامة”. ودعت كالامار المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغوط على السلطات المصرية، على المستويين المُعلَن وغير المُعلَن، لاتخاذ خطوات ملموسة نحو إنهاء الانتهاكات وإفلات مرتكبيها من العقاب، بدءًا بالإفراج عن الآلاف من مُنتقدي السلطات ومُعارِضيها المُحتَجَزين تعسفًا داخل السجون المصرية، وتخفيف قبضتها على المجتمع المدني، والسماح بالتظاهرات السلمية.

ثانيا،  السلطات المصرية وضعت استراتيجية على مدى خمسة أعوام من دون أي تشاور مع منظمات حقوق الإنسان المستقلة أو مشاركة شعبية، بينما ترسم “صورة مُضللة” على نحو بالغ لأزمة حقوق الإنسان في مصر، وتعفي السلطات من أي مسؤولية عبر إرجاعها الأزمة إلى التهديدات الأمنية والتحديات الاقتصادية، بل و”ضعف الوعي” لدى المواطنين المصريين أنفسهم بحقوقهم وممارستها.

ثالثا، تتجاهل الاستراتيجية سِجِل السلطات المصرية المخزي منذ يوليو/تموز 2013، في قمع المُعارَضة، مع استمرار احتجاز الآلاف تعسفًا أو مقاضَاتهم ظلمًا. وخلال العامَيْن الماضيين فقط، تُوفي عشرات الأشخاص في السجن، بعد حرمانهم المُتعمَّد من الحصول على الرعاية الصحية الكافية واحتجازهم في أوضاع قاسية ولاإنسانية”.

رابعا، اتهمت المنظمة سلطات الانقلاب بتقديم صورة مضللة عن الأوضاع الحقوقية في مصر، وبالغت في تسليط الضوء على إنجازات الحكومة المُعلَنة فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، والتي تتناقض تناقضًا شديدًا لا مع تقاعسها عن إحراز أي تقدم بشأن إعمال هذه الحقوق فحسب، بل أيضًا مع اعتداءاتها من دون رادع على مَن يُعبِّرون عن مظالمهم الاجتماعية والاقتصادية، ومن بينهم العمال وأعضاء الطاقم الطبي وسكان العشوائيات.

خامسا تُفرِط الاستراتيجية ــ  بحسب المنظمة ــ في تأكيدها على أهمية الضمانات الدستورية والقانونية، ولكنها “لا تقدم مبررات لعدم تماشيها مع التزامات مصر الدولية، أو كيف يُستَخَفّ بها في الواقع الفعلي على نطاق واسع، وتغفل تمامًا أنماط انتهاكات حقوق الإنسان الحالية أو الماضية، وتتجاهل الدور الذي اضطلع به عناصر قوات الأمن ووكلاء النيابة والقضاة في ارتكاب أو تسهيل ارتكاب هذه الانتهاكات لحقوق الإنسان”.

سادسا، رغم ترحيب المنظمة ببعض التوصيات المتواضعة التي قدّمتها الاستراتيجية الوطنية، تحت مُسمى “النتائج المُستهدَفة”، أكدت أنه على الرغم من ذلك، لا تقترب “النتائج المُستَهدَفة” للاستراتيجية بشكل عام، من معالجة النطاق الكامل لأزمة حقوق الإنسان وإفلات الجُناة من العقاب في البلاد. وطالبت بالنهوض الحقيقي بحقوق الإنسان في مصر والإفراج عن آلاف المُحتَجَزين تعسفًا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم الإنسانية، وغلق جميع التحقيقات الجنائية ذات الدوافع السياسية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، ورفع جميع قرارات منع السفر وتجميد الأصول وغير ذلك من القيود، وفتح تحقيقات جنائية بشأن الجرائم المشمولة في القانون الدولي وغيرها من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان التي ترتكبها قوات الأمن، تمهيدًا لإحضار المسؤولين عن ارتكابها إلى ساحة العدالة.

وكانت سلطات الانقلاب قد أطلقت ما تسمى بالإستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في حفل ضخم صبيحة السبت 11 سبتمبر 2021م، وهو الحفل الذي جرى تنظيمه برعاية مباشرة من الجنرال عبدالفتاح السيسي، الأمر الذي اعتبره مقال “رأي الأهرام” يوم الإثنين 13 سبتمبر برهانا على أن هذه الإستراتيجية تناظر المشروعات القومية الكبرى التي يحضر السيسي مناسبات افتتاحها. وجاء إطلاق الإستراتيجية بعد أقل من أربعة شهور فقط على تصوبت مندوب الحكومة المصرية  في 18 مايو 2021م، ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي يلزم الدول بحماية المواطنين  ومنع الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية. وهو الموقف الذي كان صادما وكاشفا، وبرهن على أن نظام السيسي  لا يتمتع بأي مسحة أخلاقية أو دينية أو حتى دستورية؛ ذلك أن حماية الشعب من الجرائم والإبادة والعدوان هي أصول دينية ومبادئ أخلاقية إنسانية  واستحقاقات دستورية، وتصويت النظام برفض القيام بهذه المهام الدستورية الأصيلة هي بمثابة اعتراف رسمي بأن النظام يتخلى عن أبرز مهمه ووظائفه الأساسية، ورفضه هو شيء من الدفاع عن النفس لأنه يخشى العواقب. الرفض أيضا يعني أن  السيسي لا يريد أي التزام قانوني أو تعاقدي دولي بحماية الشعب المصري من أي جرائم وحشية أو جرائم ضد الإنسانية أو إبادة جماعية”، رغم أن هذه الحماية هي من المهام الأساسية لأي نظام حكم في العالم.  كما أن هذا الرفض يبرهن على أن النظام لا يملك الإرادة أو الرغبة في تحسين حالة حقوق الإنسان أو حماية المصريين من جرائم الإبادة والتطهير العرقي.

 

 

 

Facebook Comments