تربط بعض التفسيرات لدى قطاعات من الخبراء بين الإطاحة بطارق عامر، محافظ البنك المركزي السابق، في أغسطس 2022، وتعيين حسن عبدالله قائما بأعمال محافظ البنك، وبين الانتقادات التي وجهها صندوق النقد الدولي للسياسات النقدية في مصر علنًا في بيان صدر في يوليو الماضي (2022). واعتبروا أن « إقالة عامر عن السياسات النقدية في هذا التوقيت قد يخدم سير مفاوضات الحكومة مع الصندوق»، لا سيما وأن الانتقادات من جانب الصندوق تعني بشكل واضح عدم رضاه عن التعويم الجزئي الذي أقره البنك المركزي في مارس 2022، والذي ساهم في تخفيض سعر الجنيه بعد فترة ثبات نسبي في سعره، حيث انخفض الجنيه أمام الدولار من 15.7 جنيها إلى أكثر من 18 جنيها حين تمت إقالة عامر. والإطاحة بعامر في هذا السياق قد يعني أن «مصر منفتحة على خيارات جديدة ومستعدة لتبني سياسات أكثر مرونة على صعيد سعر الصرف بالذات». هذه التأويلات اعتمدت على ما تردد من خلافات في صفوف البيروقراطية المصرية حول إمكانية التراجع أمام ضغوط الصندوق بتحرير إضافي لسعر الصرف، خاصة في ظل تقديرات ترى أن السماح ببعض المرونة في سعر الصرف قد يصل بسعر الدولار إلى 25 جنيهًا، وهو الرأي الذي كان عامر  يتبناه، في حين انحاز وزير المالية، محمد معيط، للمنطق المقابل بالسماح بمرونة كاملة متوقعًا ألا يزيد سعر الدولار في تلك الحالة عن 20 جنيهًا. وجاءت الإطاحة بعامر الذي ينحاز إلى التعويم المدار للجنيه مع الإبقاء على وزير المالية محمد معيط الذي ينحاز إلى التعويم الكلي لتمثل مؤشرا على انتصار وجهة النظر الثانية؛ وأن السيسي بصدد تغيير السياسات النقدية والتخلي عن التعويم الجزئي المدار  ليذعن لإملاءات وشروط صندوق النقد الدولي التي تطالب بتحرير كامل للجنيه أمام باقي العملات الأخرى.

فماذا حدث؟

كان أمام السيسي إما التمسك بسياسات التعويم المدار كما يفعل البنك المركزي خلال السنوات الماضية حيث جرى التحكم في سعر صرف الجنيه بما يساوي نحو (15.7)، وإما اللجوء إلى التعويم الكامل لسعر صرف الجنيه أمام الدولار وباقي العملات وهو عين ما يأمر به صندوق النقد الدولي. ولكل خيار مزاياه وعيوبه. كان حل هذه المعضلة إلى جانب العمل على وضع سياسيات مالية تجتذب الاستثمار الأجنبي بما يزيد من الإيرادات بالعملة الصعبة وحل مشكلة تباطؤ الاستيراد هي أهم مهام القائم بأعمال محافظ البنك المركزي الجديد حسن عبدالله و فريقه المعاون وهم بحسب خبراء  ومحللين أكثر خبرءة وكفاءة واحترافية من طارق عامر وفريقه. 

ما يفعله البنك المركزي اليوم لا هو تحرير كامل للجنيه دفعة واحدة ولا هو تعويم مدار يمكن أن يحقق ثبات سعر الصرف لتحقيق استقرار السوق؛ لكن السيسي وبنكه المركزي يذعنان فعلا إلى شروط وإملاءات الصندوق بالتحرير الكامل للجنيه أمام الدولار ؛  لكن الفارق هو في طريقة هذا التعويم؛ فبدلا من اتخاذ قرار بالتعويم الكامل مرة واحدة كما حدث في نوفمبر 2016م، فإن النظام يعمل على التعويم بالتنقيط، فالبنك المركزي يمضي في إضعاف قيمة الجنيه بالتدريج على نحو يذكرنا بنظام الري بالتنقيط، حتى  يصل إلى مستوى سعر صرف وقيمة للجنيه ترضي  صندوق النقد الدولي وجهات التمويل الدولية.

هذا الإضعاف التدريجي للعملة المصرية مقابل الدولار، اعتبرته وكالة “رويترز” أقرب لتخفيف تأثير خفض قيمة العملة بالمواطنين، فالوتيرة التدريجية لخفض قيمة العملة ــ بحسب كارلا سليم من بنك ستاندرد تشارترد ـ قد تكون ضرورية لاحتواء التبعات السلبية باهظة التكلفة، نتيجة تراجع سعر الصرف على التضخم والدين العام والنقد الأجنبي غير الخاضع لضوابط”. لكن خبراء اقتصاديين يتوقعون أن يسبب تباطؤ تخفيض قيمة العملة إطالة أمد النقص في النقد الأجنبي وعرقلة النمو والمعنويات، بالإضافة إلى أن ذلك التوجه قد لا يفي بمتطلبات صندوق النقد الدولي الذي يريد تحريرا كاملا للجنيه دون عمليات إسناد ودعم من البنك المركزي.

بلا شك هناك مخاطر وتبعات لكل خيار، لكن رويترز  أشارت إلى  مذكرة بحثية صادرة عن بنك أوف أميركا، توقع فيها خفضاً لقيمة العملة المصرية، متبوعاً بنظام صرف أجنبي مرن مرتبط ببرنامج صندوق النقد الدولي.

وفي الوقت  الذي يجتمع فيه البنك المركزي لمناقشة سعر الفائدة ومواجهة انفلات سعر الدولار في يوم الخميس (22 سبتمبر 2022) سجل الدولار أعلى سعر صرف رسمي في تاريخ مصر بواقع 19.52 جنيهاً للبيع في البنوك، الأربعاء، متجاوزاً بذلك أعلى سعر سجله في ديسمبر 2016، حين وصل الدولار إلى 19.48 جنيهاً في أعقاب التعويم الأول للجنيه. بينما أفاد متعاملون بوصول سعر الدولار إلى 22.50 جنيهاً في السوق الموازية، ما دفع شركات عقارية إلى اعتماده عملة للبيع والشراء، بدلاً من العملة المحلية، وهو ما تكرر مع موقع “بوكينغ” الشهير لحجوزات السفر، والذي أوقف التعامل بالعملة المصرية بسبب تقلبات سعر الصرف.

التوقعات تشير إلى أن سعر الدولار قد يصل إلى نحو 25 جنيها وربما يلامس الثلاثين جنيها، وحتى كتابة هذه السطور لم يخرج قرار البنك المركزي بنسبة ارتفاع الفائدة لمواجهة التضخم، في اجتماعه الخميس 22 سبتمبر 2022م. ورغم توقع البعض برفع الفائدة بنحو 2  أو 3%  إلا أن عدد المستفيدين من ذلك عدد محدود للغاية وهم الذين يملكون ودائع ومدخرات في البنوك وهؤلاء أقل من 10%  من الناس ، يحظى نحو 2.5 % منهم بنصف مدخرات البنوك على الأقل. الأمر الذي يعكس حجم الطبقية في مصر واستحواذ فئة قليلة من الناس على نسبة كبيرة من الثروات بينما يعاني الغالبية العظمى من الفقر والبطالة والجوع.

Facebook Comments