مع استمرار تراجع قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي وغيره من العملات الأجنبية ، يتساءل البعض عن الجهة التي من المفترض أن تتولى تحديد قيمة الجنيه والأسس والضوابط التي تتم على أساسها هذه العملية ،هل هي حكومة الانقلاب أم صندوق النقد الدولي ؟ ولماذا يخضع نظام الانقلاب باستمرار لإملاءات الصندوق بتخفيض قيمة الجنيه ، رغم أن ذلك يمثل خسائر كبيرة بالنسبة للاقتصاد المصري ويرفع الأسعار ويحول حياة المصريين إلى جحيم ؟ ولمصلحة من يعمل نظام الانقلاب هل يعمل من أجل مصر أم من أجل “الخواجات”  ؟

يشار إلى أن المؤسسات المالية الدولية تتوقع أن يشهد الجنيه المصري مزيدا من التراجع مع حصول نظام الانقلاب على قرض جديد من صندوق النقد الدولي ، وتؤكد أن سعر الدولار سوف يصل إلى 23 جنيها بنهاية العام 2022  .

كان الجنيه قد تراجع إلى أدنى مستوى له على الإطلاق ليسجل نحو 50‘19 جنيه مقابل الدولار، ويسجل في كل يوم مستوى قياسيا جديدا بانخفاض قدره 30% منذ مارس الماضي.

وكان سعر صرف الجنيه أمام الدولار قبل اندلاع ثورة 25 يناير 2011 قد بلغ نحو 5.70 جنيهات، وبلغ أقصى انخفاض له 8.86 جنيه قبل التعويم في نوفمبر 2016، وهوى بعدها بشكل متسارع إلى 18.89 جنيها، ثم استقر ما بين 16 جنيها و15.6 جنيها بين عامي 2019 وحتى مارس 2022 حين هوى إلى 18.30 جنيها دفعة واحدة.

 

سيولة كبيرة

 

من جانبه قال الخبير الاقتصادي إبراهيم نوار، إن “المحافظة على سعر منخفض للدولار وتحديد أسعار الصرف إداريا من قبل البنك المركزي غير مقبول من صندوق النقد، ويؤدي إلى تشوهات في السوق، ويتسبب في ظاهرة التغيرات الحادة والمفاجئة كما حدث في نوفمبر 2016”.

وأضاف نوار في تصريحات صحفية ، إذا أرادت حكومة الانقلاب تحديد سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأخرى، فيجب أن تمتلك سيولة كبيرة من العملات الأجنبية تستطيع من خلالها التحكم في قيمة الجنيه إداريا بدلا من اللجوء إلى صندوق النقد الدولي.

وأوضح أن قيام البنك المركزي المصري بتحديد سعر الصرف هو تدخل إداري غير مطلوب، لافتا إلى أن نظام أسعار الصرف إما أن تكون السوق هي أساسه وتتحدد الأسعار على أساس العرض والطلب، وإما أن يكون إداريا عن طريق البنك المركزي .

وأشار نوار إلى أن معادلة تدخل البنوك المركزية تتوقف على معدل التضخم المستهدف ومعايير الاستقرار المالي المحددة سلفا، ولكن في اقتصاد عشوائي وغير منضبط وعدم وجود سياسة، يتحول دور البنك المركزي إلى ذراع إدارية للسلطة التنفيذية، وهو ما يتعارض مع قوانين إنشاء البنوك المركزية التي تنص على ضمان استقلاليتها عن الحكومات .

 

عوامل سياسية

 

وأكد زياد داود كبير المحللين الاقتصاديين في وكالة بلومبيرج الأمريكية أن خفض الجنيه لا يتحكم فيه البنك المركزي المصري ولا تتحكم فيه أسباب اقتصادية فقط ، بل هناك أسباب سياسية أيضا ، موضحا أن الاعتبارات السياسية تتعلق بغلاء الأسعار وما ينجم عنها من آثار مجتمعية.

وحول الأسباب الاقتصادية التي تدفع نظام الانقلاب للتوجه إلى صندوق النقد ومطالبته إياها بخفض الجنيه، أوضح داود -في تغريدات على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي تويتر- أن نظام الانقلاب يحتاج إلى 41 مليار دولار حتى نهاية 2023 لسد عجز الحساب الجاري وسداد الديون المستحقة، في حين لا يغطي الاحتياطي الأجنبي (33 مليار دولار) لوحده هذه الفاتورة.

وأشار إلى أنه في نفس الوقت يعيش أكثر من ثلثي سكان البلاد، أي أكثر من 60 مليون مواطن، تحت خط الفقر، بحسب بيانات البنك الدولي التي لم تشمل تداعيات أزمة كورونا وما تلاها من أزمات اقتصادية خلال العام الماضي والحالي، إذ يتوقع خبراء اقتصاد أن يزيد هذا العدد بشكل أكبر.

وحول استمرار الشد والجذب بين نظام الانقلاب وصندوق النقد أوضح داود أن تخفيض الجنيه قد يقلل من الفجوة التمويلية من خلال تقليل الواردات لأنها ستصبح أغلى وزيادة الصادرات لأنها ستصبح أرخص، لكن لهذا التخفيض أعراض جانبية كبيرة، أهمها غلاء الأسعار خصوصا مع وجود معدلات تضخم مرتفعة أصلا .

وحمّل حكومة الانقلاب المسؤولية بسبب قيامها  بتثبيت سعر الصرف منذ 2017، رغم أزمات الدول الناشئة وكوفيد-19 وصعود أسعار الفائدة وارتفاع تكلفة الطاقة والغذاء، واعتمادها على الأموال الساخنة لتمويل عجزها، وبالتالي تراكمت الصدمات حتى احتاجت إلى تغيير كبير في سعر الصرف بدلا من تعديل تدريجي عبر السنين .

وأكد داود أن الجنيه يحتاج إلى أن ينخفض بنسبة 23% قياسا للمستوى الحالي ليصل العجز المالي إلى مستوى معقول، أي أن يبلغ سعر الصرف 24.6 جنيها مقابل الدولار، مشيرا إلى أنه قد يحدث تخفيض لقيمة الجنيه لكن بدرجة أقل مما يحتاجه الاقتصاد.  

 

مافيا

 

وقال الخبير الاقتصادي أحمد النجار، رئيس مجلس إدارة الأهرام الأسبق ، إن “مصر بحاجة لإعادة النظر كليا في السياسات التي يدار الاقتصاد المصري على أساسها من منظور الكفاءة والعدالة والواقعية بعيدا عن العناد، وليس لمزيد من التوغل في سياسات لم تنتج ما كان مأمولا منها في النمو والتشغيل ومكافحة الفقر، وتحسين الموازين الخارجية وتخفيف وطأة الديون”.   

وأضاف النجار في تصريحات صحفية، من كان يريد بيع كل القطاع العام المصري من خلال الصكوك رغم الخبرة العملية التي أثبتت أنها وقعت في النهاية عبر مختلف الآلاعيب في سوق المال، في أيدي المافيا في روسيا وشرق أوروبا، وفي أفضل الأحوال كانت ستقع بأبخس الأسعار عبر آلاعيب مشابهة في أيدي القلة المالية المالكة والشريكة في الحكم في عهد مبارك، هو نفسه الذي يقترح السياسات على حكومة الانقلاب من موقعه في صندوق النقد الدولي الذي يعمل كمؤسسة كوكيل للدول الدائنة في مواجهة الدول المدينة التي تحتاج حكوماتها للاقتراض مثل مصر فماذا ننتظر منه ومن أي اقتراحات يحملها؟!.  

وأشار إلى أن المشكلة ليست فيه ولا في المؤسسة المالية خادمة الرأسمالية العالمية التي يعمل فيها، بل فيمن أوصلونا للاحتياج للاقتراض بهذه الأحجام الضخمة من تلك المؤسسة لتمويل مشروعات مبالغ فيها بالنسبة لاقتصاد في وضع مصر، وهي غير منتجة وغير قادرة على تسديد القروض.   

وتابع النجار ، ارتفعت ديوننا الخارجية بشكل ينذر بالخطر من 46,1 مليار دولار في يونيو 2014 إلى 157,8 مليار دولار في نهاية مارس الماضي، فضلا عن الديون الداخلية العملاقة التي ارتفعت من 1816 مليار جنيه في يونيو 2014 إلى 4742 مليار جنيه في يونيو 2020 ولن تقل عن 5500 مليار جنيه حاليا وفقا لأدنى معدلات لزيادة تلك الديون، ولم تؤد بالمقابل لطفرة استثمارية تخلق نهوضا اقتصاديا يؤدي لزيادة حصيلة الضرائب من المشروعات الجديدة بما يساعد على سداد الديون .

 

Facebook Comments