في قاموس ثورة 25 يناير باتت كلمة "سيساوي" مرادف لكل معاني القبح والخسة والنذالة والخيانة، بداية من البيع والتفريط والذل والمهانة والكذب والنفاق، والانغماس في التطبيل عموما وبشكل مطلق، حتى بات في الوعي الشعبي أن كلمة "سيساوي" باتت شتيمة تضاف إلى قاموس الشتائم البذيئة.

ويرى مراقبون أنه لو كان هناك أمل في تصحيح العلاقة بين المواطن ومن يحكمه، فهو ينطلق من إعادة ترتيب هذه العلاقة بحيث يمضي الحاكم المنتخب وراء شعبه، ولا يمضي الشعب وراء الحاكم، فالمواطنة الأصل هي الوطن، هي شرط العبور السليم من نفق التخلف والتفكك.

 

الشتيمة السياسية

وفي وقت سابق قررت شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التابعة مباشرة للمخابرات ، إطاحة رئيس تحرير صحيفة الوطن اليومية المملوكة لها، رئيس لجنة الثقافة والإعلام في مجلس الشيوخ محمود مسلم، وتعيينه في منصب شرفي رئيسا لمجلس إدارة الصحيفة، وتعيين رئيس تحريرها التنفيذي أحمد الخطيب رئيسا للتحرير.

قرار الشركة جاء بعد أيام من أزمة تعرض السفاح السيسي للشتم والسب من مجموعة كبيرة من المواطنين، في أحد الفيديوهات التي بُثت عبر صفحة الصحيفة على موقع فيسبوك، في أثناء أخذ تعليقات على القرار الأخير لزيادة أسعار البنزين والسولار.

وفي عام 2017 أدت عبارة " cc خائن" لسحب الحلقة 14 من مسلسل "لا تطفئ الشمس" واعتذرت شركة إنتاج المسلسل عن ظهور العبارة، التي قالت إنها مسيئة للسفاح السيسي في خلفية أحد مشاهده.

وفي عام 2014 أطلق مستخدمو موقع التواصل الاجتماعي تويتر هاشتاج للسخرية من إعلان وزير الدفاع المستقيل حينذاك السفاح السيسي، الذي قاد انقلابا عسكريا وغدر بالرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي، عزمه الترشح للانتخابات الرئاسية.

وحقق الهاشتاج الذي يحمل اسم "انتخبوا العرص" وتعني في العامية المصرية النذل وحارس الرذيلة انتشارا واسعا في فترة زمنية لم تتجاوز ثلاثة أيام، إذ حقق أكثر من مائة مليون ظهور، و21 مليون وصول، و17 ألف مستخدم، و61 ألف تغريدة، وفق ما أشارت له أرقام موقع كيهول المتخصص في إحصائيات مواقع التواصل الاجتماعي.

وبناء على هذه الواقائع يمكن اعتبار الشتيمة السياسية فعل مقاومة سلمي يعبر عن رأي الشعوب المقموعة التي انفلتت من أسر السلطات الاستبدادية، وقد تبدت في اللافتات والأهازيج التي اخترعها المتظاهرون العرب في سنوات الربيع العربي.

محافظين بذلك على نفس النسق الثقافي الذي انتهجه بعض الشعراء مثل مظفر النواب في العراق، ونجيب سرور في مصر، وللشتيمة أثواب ترتديها بحسب الموقف والشخص، فقد تكون مهذبة وحادة في الوقت نفسه، وقد تكون فجة ومباشرة ومقذعة، وقد استخدمها رؤساء العالم للتعبير عن الاستهانة والتحقير لرؤساء آخرين.

ويؤكد المراقبون أنه لا يحق للحاكم أن يكون سببا في إفساد هذه العلاقة؛ لأن مصر وصلت تحت تقسيم الانقلاب ومكائد العسكر إلى اللعنة القاتلة، لعنة عداء المواطن ضد شقيقه في الوطن، دفاعا عن ديكتاتور يسحقه ويسرق مستقبل أولاده، وهذا يعني أن المصريون تحول بعضهم إلى مسوخ تأكل بعضها بعضا لتظل السيطرة للعسكر الشياطين.

من جهتها تقول الدكتورة "أمل حمادة" أستاذ العلوم السياسية، بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، عن هاشتاج مسئ مرادف لكلمة سيساوي إن "استخدام هذا الهاشتاج وانتشاره هو بداية تأصيل للشتيمة في العملية السياسية في مصر، وذلك مع استمرار أزمات الصراع السياسي التي تعيشها مصر منذ ثورة 25 يناير عام 2011، وبعد انقلاب 30 يونيو 2013، حيث ازداد استخدام عملية الشتيمة والبذاءة ما بين جميع الأطراف السياسية، فالمناخ العام للوضع السياسي استطاع تقبل هذه العملية بل وقدر على احتوائها في مجرياته".

وبالتالي وبحسب المراقبين فإنه من الطبيعي أن تختلف ألفاظ الشتائم السياسية من نخبة إلى نخبة أخرى، ويختلف إطارها العام من مجتمع لآخر، لكن في العموم نجد أن الشتيمة تكون بالأشياء المنبوذة في المجتمع أيا كانت هذه الأشياء سواء حيوانات أو أخلاق بذيئة، أو غير ذلك.

 

تأثير إيجابي

ومع ثورة 25 يناير 2011، لاحظ المراقبون استعارة الشتائم السياسية من جديد في التفاعل السياسي، فمع ارتفاع حدة الصراع السياسي عقب منح المخلوع مبارك السلطة للمجلس العسكري،  ظهرت هنا العديد من ألفاظ الشتائم بين الفاعلين على الساحة السياسية، وهنا تربط الأدبيات السياسية بين الفراغ السياسي والفوضى السياسية التي تظهر معها الشتيمة كسمة من سمات هذه الفوضى.

اتخذت الشتائم في تلك الفترة أبعادا جديدة على الساحة السياسية المصرية، أو ربما أحيا هذا الصراع هذه الشتائم من جديد، أن الشتائم السياسية لم تعد قاصرة على فئة معينة في المجتمع، بل إنها انتشرت بين جميع فئات المجتمع، بل وأصبحت مستساغة لدى البعض، واستخدمت وبكثرة في برامج التوك شو، بل وأصبحت الشتيمة والألفاظ الخارجة مرتبطة بشخصيات بعينها مثل السفاح السيسي وإعلامه والتطبيل الذي يساوي كلمة "التعريض".

الغريب أن النظريات العلمية الجديدة نسفت الكثير من المفاهيم الأخلاقية السائدة التي نشأت عليها الأجيال السابقة من اعتبار الشتيمة السياسية انحدار أخلاقي ودليل على التربية السيئة.

فقد ظهرت دراسة بريطانية لطبيب بريطاني يدعى "ستيفنز" يقول فيها إن "للشتيمة تأثير إيجابي يريح الجسم، ويفعل فعل المُسكّن للألم، وأن الإنسان لا يتعلم الشتيمة من الشارع ورفاق السوء بل هو شتام بالفطرة، وأن الشتيمة لا تعدو عن كونها رد فعل إيجابي على مؤثرات خارجية ضاغطة على النفس البشرية، ليس هذا فقط فهي ترفع مقدرة الإنسان على التّحمل وتشعره بالارتياح".

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هل شتم الظالمين الذين طغوا في البلاد وأكثروا القتل والإعدام والتفريط والفساد حق للأفراد والجماعات؟ وهل تتضمن تحريضا على الكراهية؟.

يجيب على هذا السؤال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 19 منه "لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود".

معنى ذلك أنه ليس من حق أحد حرمان الناس من حريّتهم في التّعبير واختيار الوسيلة التي يرونها مناسبة لذلك حتى لو كانت أبشع نوع من الشتائم في وجه سفاح مثل السيسي وعصابته وإعلامه، الذي اعتقلهم وقتل أكثر من 100 ألف واعتقل اضعافهم وهجر ملايين المصريين من بيوتهم وارضهم؛ لأنهم قالوا “لا” للظلم، والاستبداد، وطالبوا بحياة أفضل.

 

 

 

 

Facebook Comments