من خلال مسلسل تصفية الشركات الصناعية تعمل عصابة العسكر بقيادة المنقلب عبدالفتاح السيسي على تفريغ مصر من المؤسسات العملاقة وحرمانها من مواردها الاقتصادية وأصولها وهو ما يهدد بالكثير من المخاطر وعلى رأسها رهن سيادة الدولة واستقلالها السياسي والاقتصادي.

ويبدو أن الأزمة الخانقة التي تواجهها دولة العسكر من عجز وبطالة وفقر وتضخم وزيادة معدلات الديون لمستويات غير مسبوقة، في ظل سياسة استدانة لم تشهدها مصر في تاريخها، دفعتها للبحث عن سبل إنقاذ عاجلة وذلك عبر مسارين: الأول بيع أسهم بعض الشركات لدى القطاع الخاص ، والثاني بيع أصول الدولة سواء شركات أم صناديق سيادية .

دولة العسكر لم تكتف بتصفية الشركات الصناعية العملاقة؛ بل لجأت إلى بيع الأصول حيث تزايدت صفقات الاستحواذ على الأصول المصرية خلال الأشهر الأخيرة ليصل عددها إلى 233 صفقة بقيمة 9.9 مليار دولار، منها 118 صفقة خارجية بقيمة 6.5 مليار دولار، و115 محلية بقيمة 3.4 مليار دولار، بزيادة قدرها 49% في 2021 مقارنة بما كانت عليه في 2020. 

كانت الجمعية العامة غير العادية لشركة "النصر لصناعة الكوك"، قد قررت مساء 5 سبتمبر الحالي، تصفية أعمال الشركة بشكل نهائي، لتُطوى صفحة الشركة بعد نحو 62 عامًا على تأسيسها، في خطوة كانت بمثابة صدمة للمتابعين لملف قطاع الأعمال العام الذي ينفرط عقده حبة تلو الأخرى. 

بهذا القرار تصبح "النصر لصناعة الكوك"رابع شركة تمت تصفيتها منذ عام 2018، فقد سبقتها "الحديد والصلب" في مارس 2021، ومن قبلها "المصرية للملاحة البحرية" 2020، وذلك بعد عامين على تصفية "القومية للأسمنت" عام 2018، فيما يبقى الباب مفتوحًا في انتظار شركات أخرى في ظل سياسة "التصفية" التي تتبعها حكومة الانقلاب إزاء شركات القطاع العام. 

 

خسائر 

 قرار التصفية بررته حكومة الانقلاب بالخسائر التي تتكبدها الشركة طيلة السنوات الماضية، وفى هذا السياق أرجع البيان الصادر عن الشركة قرار التصفية إلى الخسائر التي تتكبدها الشركة وقدرت بنحو 339.3 مليون جنيه العام المالي الماضي فقط .

وأشار البيان إلى بعض النقاط التي كانت دافعًا لاتخاذ قرار التصفية والتي هي في الأساس خلاصة التقرير الصادر عن اللجنة المشكلة بقرار رئيس مجلس وزراء الانقلاب رقم 1308 لسنة 2020  لدراسة أسباب تعثر عملاق صناعة الكوك. 

وأوضح أن النقطة الأولى تتعلق بالتكاليف الاستثمارية لإنشاء عدد 2 بطارية لإنتاج 1.8 مليون طن من فحم الكوك، كأحد مسارات تطوير الشركة، حيث تبلغ 644 مليون يورو، بخلاف الاستثمارات المطلوبة لتجديد معدات المناولة والغربلة التي تقدر بمبلغ 100 مليون يورو أي بما يعادل إجمالي تكلفة استثمارية نحو 15 مليار جنيه، وهو رقم تعتبره الحكومة كبيرًا ويفوق قدراتها في الوقت الحالي. 

وأضافت البيان: النقطة الثانية تطرقت إلى سوق الفحم في العالم، لافتا إلى عدم الاستقرار في أسعار الفحم الحجري وفحم الكوك، حيث يصل تذبذب الأسعار إلى 300% بالزيادة والنقصان، ما يجعل أي توقعات مالية مستقبلية لهذا الاستثمار غير مطمئنة ومتقلبة، زاعما أن المزيد من الاستثمار فيه مغامرة محفوفة بالمخاطر. 

كما زعم أن هناك خطورة تتعلق بالاعتماد على الاستيراد الكامل للمادة الخام من الكوك نظرًا لعدم وجود المادة في مصر فضلًا عن الالتزام بالتوجه العام الدولي الخاص بالحفاظ على البيئة وتقليل الانبعاثات الملوثة، "حيث تؤثر صناعة الصلب بنسبة 7% من إجمالي الانبعاثات الكربونية

ولفت البيان إلى أنه في ضوء ما تضمنته دراسة اللجنة الاستشارية المشكلة بقرار وزاري، جاء قرار تصفية الشركة بشكل رسمي، خاصة بعد تصفية شركة الحديد والصلب بتاريخ 11/1/2021 التي كانت تعد المستوعب الأول والأكبر لإنتاج شركة صناعة الكوك، الأمر الذي يجعل من استمرارها غير ذي جدوى. 

 

بفعل فاعل

من جانبهم حذر خبراء من مخطط تصفية الشركات والذى سيزج بملايين العمال إلى أتون البطالة ودفع أسرهم إلى مستنقع الفقر والعوز، وانتقدوا مبررات حكومة الانقلاب لتصفية الشركة مؤكدين أن ما تضمنه بيان الشركة من مسببات لا علاقة لها بالواقع،. 

وكشف صلاح حسين جنيه رئيس قطاع المصانع بالشركة، عن استعادة "النصر لصناعة الكوك" عافيتها مرة أخرى، وأنها على الطريق الصحيح، مؤكدا أن خسارتها في عام 2020 تقدر بنحو 30 مليون جنيه فقط، وهذا رقم ضعيف ومقبول مقارنة بحجم الخسائر عام 2019 التي بلغت 237 مليون جنيه.  

وأكد جنيه فى تصريحات صحفية أن خسارة الشركة كانت بفعل فاعل متوقعا أن تحقق شركة الكوك، 22 مليون جنيه أرباح للعام المالي الحالي، لافتا إلى أن الشركة تلقت طلبات من عدة دول، لإبرام عقود طويلة الأجل.

وأضاف أن إنتاج الشركة التي تعد الوحيدة من نوعها في الشرق الأوسط يمكنه تغطية السوق الخارجي بما يدر عليها أرباحًا كبيرةً خلال الفترة القادمة. 

 

مؤامرة

فيما كشف السيد الطيب رئيس الشركة العديد من الأمور التي تفضح مخطط وأد الشركة واقتلاعها من جذورها، مؤكدًا أنه كان هناك مؤامرة للحيلولة دون تحقيق الشركة أي أرباح وأن الهدف الرئيسي كان إغراقها في الديون والخسائر لتبرير تصفيتها .وقال الطيب فى تصريحات صحفية إن السوق المصري يمكنه استيعاب الإنتاج تمامًا، مشيرا إلى أن أقصى إنتاج لشركة الحديد والصلب كان مليوني طن أي كانت تستهلك ألف طن كوك، وإن إجمالي ما تحتاجه مصانع الحديد الأخرى الخاصة (عز وبشاي والسويس والمصريين) يبلغ سنويًا 300 ألف طن،  بجانب استهلاك المسابك المصرية التي تعمل بفحم الكوك نحو 100 ألف طن. 

وأوضح أنه فيما يتعلق بأسعار الخامات وارتفاعها، وتذبذب سوق أسعارها بصفة عامة، كان يمكن تعويض ذلك بعقود طويلة الأجل، مع المزيد من الإنتاج في ضوء مؤشرات التعافي التي فرضت نفسها خلال العامين الماضيين .

وحول البعد البيئي في هذا الملف أكد الطيب أنه كان هناك اقتراح بأن يُنقل المصنع إلى مكان آخر أو عمل خطين للإنتاج في منطقة جديدة وبالقرب من المصانع والموانئ. 

 

شماعة

وأكد الصحفي محمد بصل أن الشركة كانت في مسار التعافي واستعادة حضورها مرة أخرى من خلال تعاقدات جديدة وأرباح متوقعة، مشيرا إلى أن هناك نية مبيتة نحو التصفية بصرف النظر عن معدلات الأداء .

وقال بصل فى تصريحات صحفية ان مبرر الخسائر ليس إلا "شماعة" لإقناع الرأي العام بهذه الخطوة موضحا أن مخطط وأد هذا العملاق الصناعي الضخم بدأ منذ خريف 2020.  

وأشار إلى عدد من الشواهد كانت بمثابة تمهيد للتصفية، أبرزها: تعديل لائحة النظام الأساسي للشركة وفقًا للقانون 185 لسنة 2020 بتعديل قانون قطاع الأعمال العام، بجانب تعيين رئيس مجلس إدارة جديد غير تنفيذي للشركة هو السيد الطيب، الذي كان رئيسًا للفريق الاستشاري الذي وضع تقريرًا تم على أساسه تصفية الشركة القومية للأسمنت، إضافة إلى التعاقد مع استشاري ألماني هي شركة DMF على إعداد دراسة مبدأية (مقابل 65 ألف دولار) عن الوضع المالي والاقتصادي للشركة ودراسة السوق وخلافه. 

Facebook Comments