من مصر الفرعونية وقضبان سجونها الباردة وظلمة الليل والنهار في عهد العسكر، إلى فسحة قطر في الرأي والكلمة والدين كانت مسيرة القرضاوي رحمه الله؛ ليعتلي أعواد المنابر ويظهر كلمة الحق مدافعا عن بيضة الإسلام والمسلمين، ويبدأ عصرا وبلا فخر يسمى عصر القرضاوي، لا عصر فراعنة العرب الآيل للمزابل.

الخلاف بين العلماء الربانيين وبين الديكتاتوريات أو نظم الطغاة استقر من بداية الخليقة وإلى قيام الساعة، وليس العلامة القرضاوي – رحمه الله تعالى- بدعا من الخلق، بل قالها مدوية إن  “مصر تسير إلى خراب لأن العسكر يهدمونها حجرا حجرا ، لأنهم يكتفون بأنفسهم فلا يستشيرون أهل الخبرة والحل والعقد من المدنيين، معتبرا أن العسكر شر على الدنيا إذا تركوا مهمتهم الأساسية وهي الدفاع عن الأرض وتفرغوا للتحكم في البلاد والعباد”.

 

حذر من العسكر

وفي خطبة لا تختلف عن خطبه الجامعة الماتعة، في مسجد عمر بن الخطاب بالعاصمة الدوحة، تابع العلامة القرضاوي رحمه الله  “انظر إلى ما يفعله العسكر في مصر وسوريا والعراق ومختلف البلدان، وكيف يقتلون المدنيين والنساء والأطفال والشيوخ بدم بارد وبأسلحة فتاكة بغير حق، وأشار إلى اقتحام الشرطة لغرف أبناء الأزهر الشريف ولساحات الجامعات” .

ونبه القرضاوي خلال خطبته إلى قضية القدس الشريف والمسجد الأقصى، التي فضحت تحالف الصهاينة مع الأنظمة العربية العسكرية وغير العسكرية، وأوضح في خطبته أن اليهود الصهاينة يدبرون المؤامرات ضد هذا المسجد ، مشيرا إلى أن اليهود يريدون بعد احتلال فلسطين أخذ المسجد الأقصى بعد أن بدأوا فرض سيطرتهم عليه فيفرضون سنا معينة لدخوله ويمنعون المصلين من دخوله وإقامة شعائرهم فيه بعد أن استولوا على نصف المسجد الإبراهيمي.

وأضاف رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين “أخشى أن نفاجأ بانهيار المسجد الأقصى نتيجة للمخططات التي يحيكونها له وينفذونها يوما بعد يوم ونحن نائمون”.

ودعا الفلسطينيين في الضفة والقطاع على الاتحاد، قائلا “آن لكم يا أهل فلسطين أن تتحدوا ضد عدوكم الأول ، ومقاومة هذه الألاعيب والمؤامرات وأنتم غافلون ، ونادى الأمة الإسلامية بأن تنتبه لما يجري على هذه الأرض المباركة لأن المجرمين هناك يفعلون الجديد كل يوم لتهويد البلاد” .

ودليلا على ما قاله العلامة القرضاوي رحمه الله تعالى، وفي خطاب ألقاه السفاح السيسي في الأمم المتحدة، ارتجل بعد خروجه عن النص المكتوب، مخاطبا الحاضرين تحت عنوان نداءات، وقال السفاح “نطالب الرأي العام الإسرائيلي بالوقوف خلف القيادة السياسية ببلدهم، وأضاف أن أمن وسلامة المواطن الإسرائيلي تهمنا”.

وهو ما يدل على أن جمهورية العسكر التي ولدت على يد المخابرات الأمريكية وحكمها الطاغية عبد الناصر في عام 1952، والتي امتدت بعد انقلاب السفاح السيسي عام 2013، تولي اهتمامها بالمواطن الإسرائيلي وأمنه واستقراره أكثر من اهتمامها بالمواطن المصري ومصيره، فضلا عن دفع الفلسطينيين للتصالح مع محتليهم والتعايش معهم دون ذكر حقوقهم.

واتفق مراقبون على رؤية العلامة الراحل الشيخ الدكتور القرضاوي، معتبرين عدم تطرق السفاح السيسي على ذكر هموم الأمة العربية والوقوف على أسباب معاناتها الحقيقية أمام العالم ، هو خيانة للعرب جميعا ، وأضافوا أن اهتمامه بالمواطن الإسرائيلي أكثر من المصري وكأنه رئيس لإسرائيل لا للمصريين”.

وقال القرضاوي رحمه الله مبينا إجرام العسكر “لا تظنوا أن هؤلاء المستكبرين المتجبرين في الأرض  بما يملكون من قوة أقوياء ، بل جنود الله أكبر من جنودهم، والقرآن يعتبر الأمم الظالمة جندا ، وأضاف أن الإسلام لا يحب هؤلاء العساكر، واستشهد بقوله تعالى “هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود” “جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب” .

وتابع  “هؤلاء العسكر شر على الدنيا إذا تحكموا في المدنيين ذوي الخبرة والرأي والعلم والحكمة”، مضيفا رحمه الله تعالى   “لا تظنوا أن الله غائب عن هذا الكون، لأنه هو الذي يتصرف ، نحن البشر نعمل ما نستطيع، والقدرة الآلهية والإرادة الإلهية تكمل ضعفنا”.

 

الظالمين

وهاجم القرضاوي رحمه الله تعالى عصابة الانقلاب ممثلة في الشرطة والجيش، الذين قتلوا المصريين من أهل الحق نساء ورجالا وأطفالا وهم يصلون في رمضان، صلوا صلاة لا يمكن أن تنسى، وأضاف “ركعة من هذه الركعات كفيلة أن تزلزل هؤلاء الظلمة القتلة، وقال عمن بايع ورضى وسكت عن الانقلاب ، ومن رضي عن ظلم هؤلاء فهو شريك لهم”.

مؤكدا رحمه الله تعالى أن نصر الله قادم، وتلا قوله تعالى “حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجّي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين” “سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين”.

وطلب القرضاوي رحمه الله من كل البشر في كل بلاد العالم بعدم اليأس، وتساءل  “كيف ينتصر الباطل على الحق، وكيف ينتصر الفساد على الصلاح، وطالبهم بالثقة في أن نصر الله سيكون للمؤمنين”.

وتابع “أدعو الظالمين ومن الذين غمّي عليهم، ووضعوا أصابعهم في آذانهم أن يعودا إلى الله، وأن يقولوا “ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين” ووجه نداءه للظالمين قائلا “أيها الظلمة في مصر وسوريا والعراق، توبوا إلى الله”.

من جهته يؤكد نجل العلامة القرضاوي، الشاعر عبد الرحمن يوسف، بأن مشكلة الشيخ مع دولة العسكر أنه يقف لوحده فردا أمامهم فيهزمهم، برغم سائر المؤسسات التي تعمل لحسابهم، وتزور دين الله من أجلهم، في النهاية تنتصر مصداقية الشيخ القرضاوي على مؤسسات السلطان المسيسة.

مضيفاً ،  إن مشكلة الشيخ القرضاوي مع نظام العسكر أنه ليس شيخا تحت الطلب، ولم يقبل في يوم من الأيام إلا أن يكون (يوسف القرضاوي) الشيخ المستقل المحترم، إنه الشيخ الذي يستقبله العالم كله باحترام، حتى الدول التي منعته من دخولها (أمريكا مثلا) أرسلت له سفيرها خصيصا لكي يبلغه بإلغاء التأشيرة التي منحت له”.

وختم بالقول  “الدولة الوحيدة التي تتعامل مع الدكتور يوسف القرضاوي وسائر العظماء عن طريق أمناء الشرطة هي الدولة المصرية ، وسيظل ذلك عارا على حكام هذا البلد إلى الأبد “.

 

 

 

Facebook Comments