يمثل رحيل العلامة الدكتور يوسف القرضاوي خسارة كبيرة للعالم الإسلامي الذي فقد مكافحا ومدافعا عن قضايا أمته وهويتها الإسلامية ، متحديا الظلم والاستبداد والتعامل الخشن من بعض الأنظمة المستبدة ، سواء في مصر منذ عهد عبد الناصر  حتى السيسي؛ حيث اعتقل عدة سنوات وحصل على حكمين بالإعدام، ومات غريبا عن مصر، التي عشقها وتغنى في محبته لها. 

القرضاوي، وهب حياته مبينا لأحكام الإسلام، وهو قامة كبيرة فكرية و فقهية وسياسية واجتماعية وأدبية، له جهود معتبرة في مسار حياته العلمية والعملية، كللها بأكثر من 170 كتابا، كما يعتبر من أكثر المفكرين تأثيرا على مستوى العالم، وهو المؤسس والرئيس السابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، توفي عن 96 عاما، قضى جلها في الدعوة والتأليف وإعلاء كلمة الحق، وكان الراحل من أبرز علماء الشريعة في العالم الإسلامي، وهو عالم مصري أزهري، ويحمل الجنسية القطرية، في عام 2008، جاء في المرتبة الثالثة من بين 20 شخصية على قائمة أكثر المفكرين تأثيرا على مستوى العالم.

وهو من القلائل الذين جمعوا بين الفكر والعمل، عطاء فكريا غزيرا كالمطر، وعطاء عمليا لا يكل ولا يمل.

 

رحلة طويلة

عمل الدكتور القرضاوي فترة بالخطابة والتدريس في المساجد، ثم أصبح مشرفا على معهد الأئمة التابع لوزارة الأوقاف في مصر، ونقل بعد ذلك إلى الإدارة العامة للثقافة الإسلامية بالأزهر الشريف للإشراف على مطبوعاتها والعمل بالمكتب الفني لإدارة الدعوة والإرشاد، وفي سنة 1961م أُعير إلى دولة قطر، عميدا لمعهدها الديني الثانوي، فعمل على تطويره وإرسائه على أمتن القواعد، التي جمعت بين القديم النافع والحديث الصالح. وفي سنة 1973م أنشئت كليتا التربية للبنين والبنات نواة لجامعة قطر، فنقل إليها ليؤسس قسم الدراسات الإسلامية ويرأسه، وفي سنة 1977م تولى تأسيس وعمادة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، وظل عميدا لها إلى نهاية العام الجامعي 1989/1990م، كما أصبح المدير المؤسس لمركز بحوث السنة والسيرة النبوية بجامعة قطر، ولا يزال قائما بإدارته إلى وفاته ، وقد أعير من دولة قطر إلى الجزائر العام الدراسي 1990/1991م ليترأس المجالس العلمية لجامعتها ومعاهدها الإسلامية العليا، ثم عاد إلى عمله في قطر مديرا لمركز بحوث السنة والسيرة، ومن الجوائز التي حصل عليها جائزة البنك الإسلامي للتنمية في الاقتصاد الإسلامي لعام 1411هـ، 1990 م جائزة الملك فيصل العالمية بالاشتراك مع سيد سابق في الدراسات الإسلامية لعام 1994م 1414 هـ. جائزة العطاء العلمي المتميز من رئيس الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا لعام 1996م جائزة السلطان حسن البلقية (سلطان بروناي) في الفقه الإسلامي لعام 1997 جائزة سلطان العويس في الإنجاز الثقافي والعلمي لسنة 1999م جائزة دبي للقرآن الكريم فرع شخصية العام الإسلامية 1421 هـ ، جائزة الدولة التقديرية للدراسات الإسلامية من دولة قطر لعام 2008م، وتسلمها من أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في 8 نوفمبر 2009  وجائزة الهجرة النبوية لعام 1431 هـ من حكومة ماليزيا وتسلمها من ملك ماليزيا في 18 ديسمبر 2009 29 سبتمبر 2010 كرم الملك الأردني عبد الله الثاني عدد من العلماء المشاركين في المؤتمر الخامس عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي الذي عقد تحت عنوان “البيئة في الإسلام” واختتم اجتماعاته في عمان، ومنح القرضاوي وسام الاستقلال من الدرجة الأولى.

 

إنتاج علمي غزير

وللقرضاوي ما يزيد عن 170 من المؤلفات من الكتب والرسائل والعديد من الفتاوى ، كما قام بتسجيل العديد من حلقات البرامج الدينية منها التسجيلية والحية، منها على سبيل المثال: الحلال والحرام في الإسلام مئة سؤال عن الحج والعمرة والأضحية كتاب فتاوى معاصرة تيسير الفقه للمسلم المعاصر من فقه الدولة في الإسلام فقه الزكاة فقه الطهارة فقه الصيام فقه الغناء والموسيقى فقه اللهو والترويح دراسة في فقه المقاصد في فقه الأقليات الإسلامية الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد الاجتهاد في الشريعة الإسلامية المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية الفتوى بين الانضباط والتسيب عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط  دية المرأة في الشريعة الإسلامية موجبات تغير الفتوى ، الفتاوى الشاذة، زراعة الأعضاء في ضوء الشريعة الإسلامية، مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام، بيع المرابحة للآمر بالشراء، فوائد البنوك هي الربا الحرام ، دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي، دور الزكاة في علاج المشكلات الاقتصادية وشروط نجاحها ، لكي تنجح مؤسسة الزكاة في التطبيق المعاصر القواعد الحاكمة لفقه المعاملات مقاصد الشريعة المتعلقة بالمال الصبر في القرآن العقل والعلم في القرآن كيف نتعامل مع القرآن العظيم تفسير سورة الرعد كيف نتعامل مع السنة النبوية المدخل لدراسة السنة النبوية المنتقى من الترغيب والترهيب السنة مصدرا للمعرفة والحضارة في رحاب السنة نحو موسوعة للحديث الصحيح مشروع منهج مقترح وجود الله حقيقة التوحيد الإيمان بالقدر الشفاعة في الآخرة بين النقل والعقل الحياة الربانية والعلم النية والإخلاص التوكل التوبة إلى الله الورع والزهد المراقبة والمحاسبة

 

في خدمة الإسلام

ويعد القرضاوي، أحد أعلام الإسلام البارزين في العصر الحاضر في العلم والفكر والدعوة في العالم الإسلامي مشرقه ومغربه، ولا يوجد مسلم معاصر إلا التقى به قارئا لكتاب، أو رسالة، أو مقالة، أو فتوى، أو مستمعا إلى محاضرة، أو خطبة أو درس أو حديث أو جواب في جامع أو جامعة أو ناد أو إذاعة أو تلفاز أو شريط أو غير ذلك،   ولا يقتصر نشاطه في خدمة الإسلام على جانب واحد، أو مجال معين، أو لون خاص بل اتسع نشاطه، وتنوعت جوانبه، وتعددت مجالاته، وترك في كل منها بصمات واضحة تدل عليه، وتشير إليه.

مجال التأليف العلمي. مجال الدعوة والتوجيه، مجال الفقه والفتوى ومجال المؤتمرات والندوات، ومجال الزيارات والمحاضرات، ومجال المشاركة في عضوية المجالس والمؤسسات، مجال الاقتصاد الإسلامي مجال العمل الاجتماعي.

فهو عالم مؤلف محقق كما وصفه العلامة أبو الحسن الندوي في كتابه “رسائل الأعلام” وكتبه لها ثقلها وتأثيرها في العالم الإسلامي، كما وصفها بحق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز،  والناظر في كتبه وبحوثه ومؤلفاته يستيقن من أنه كاتب مفكر أصيل لا يكرر نفسه، ولا يقلد غيره، ولا يطرق من الموضوعات إلا ما يعتقد أنه يضيف فيه جديدا من تصحيح فهم، أو تأصيل فكر، أو توضيح غامض، أو تفصيل مجمل، أو رد شبهة، أو بيان حكمة أو نحو ذلك،  وقد ألف الشيخ يوسف القرضاوي في مختلف جوانب الثقافة الإسلامية كتبا نيفت على الخمسين، أصيلة في بابها، تلقاها أهل العلم في العالم الإسلامي بالقبول والتقدير، ولهذا طبعت بالعربية مرات كثيرة، وترجم أكثرها إلى اللغات الإسلامية والعالمية، فلا تكاد تذهب إلى بلد إسلامي إلا وجدت كتب القرضاوي هناك إما بالعربية أو باللغة المحلية.

 كما أن له بجوار كتبه العلمية كتبا ذات طابع أدبي، مثل مسرحية “عالم وطاغية” التي تمثل ثبات سعيد بن جبير في مواجهة طغيان الحجاج، وله ديوان بعنوان “نفحات ولفحات” يضم عددا مما بقي من قصائده القديمة، هذا إلى جانب كتب أخرى اشترك في تأليفها لوزارة التربية في قطر، وللمعهد الديني خاصة، وقد زادت على العشرين كتابا ، أقرتها الوزارة في مدارسها، وهي تتناول التفسير والحديث والتوحيد والفقه والمجتمع الإسلامي، والبحوث الإسلامية، وفلسفة الأخلاق، وغيرها، هذا بخلاف البحوث والدراسات والمقالات التي نشرت في الحوليات والمجلات العلمية الفصلية والشهرية والأسبوعية.

ومن أشهر كتب الشيخ يوسف القرضاوي “الحلال والحرام في الإسلام“ الذي ألفه بتكليف من مشيخة الأزهر في عهد الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت ـ رحمه الله ـ وتحت إشراف الإدارة العامة للثقافة الإسلامية في عهد الدكتور محمد البهي ـ رحمه الله ـ وقد أقرته اللجنة المختصة وأثنت عليه،  وقد انتشر الكتاب انتشارا منقطع النظير في العالم العربي والإسلامي، ونوه به كثيرون من العلماء المرموقين، حتى قال الأستاذ الكبير مصطفى الزرقاء إن "اقتناء هذا الكتاب واجب على كل أسرة مسلمة".

 وكان الأستاذ الكبير علي الطنطاوي يدرسه لطلابه في كلية التربية بمكة المكرمة، وعني المحدث المعروف الشيخ ناصر الدين الألباني بتخريج أحاديثه. وفي باكستان هي رسالة خاصة إلى مؤلف، كما اهتمت به الأقسام الأكاديمية للدراسات الإسلامية في جامعتي (البنجاب) و(كراتشي).

 فقه الزكاة وهو في مجلدين كبيرين، وهو دراسة موسوعية مقارنة لأحكام الزكاة وأسرارها وآثارها في إصلاح المجتمع، في ضوء القرآن والسنة، ويعد من أبرز الأعمال العلمية في عصرنا، وقد شهد المختصون أنه لم يؤلف مثله في موضوعه في التراث الإسلامي، وقال عنه العلامة أبو الأعلى المودودي ـ رحمه الله   إنه  "كتاب هذا القرن (أي الرابع عشر الهجري) في الفقه الإسلامي، نقله عنه الأستاذ خليل الحامدي، وقال عنه الأستاذ محمد المبارك في مقدمة كتابه عن الاقتصاد من سلسلة “نظام الإسلام” “وهو عمل تنوء بمثله المجامع الفقهية، ويعتبر حدثا هاما في التأليف الفقهي” وقد تبنى مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي بجامعة الملك عبد العزيز بجدة ترجمته إلى اللغة الإنجليزية وأنهاها بالفعل، كما نقل إلى الأوردية والتركية والأندونيسية وغيرها، ككثير من كتب الشيخ، التي عالجت الكثير من القضايا والموضوعات التي يحتاج إليها العقل المسلم المعاصر. كما خاضت كثيرا من المعارك الفكرية ضد خصوم الإسلام في الداخل والخارج.

 

فارس الفقه والفتوى

ومن الجهود البارزة للدكتور القرضاوي جهوده في مجال الفقه والفتوى خاصة. فهو لا يلقي محاضرة، أو يشهد مؤتمرا أو ندوة إلا جاءه فيض من الأسئلة في شتى الموضوعات الإسلامية ليرد عليها، وردوده وأجوبته تحظى بقبول عام من جماهير المثقفين المسلمين، لما اتسمت به من النظرة العلمية، والنزعة الوسطية، والقدرة الإقناعية، وقد أصبح مرجعا من المراجع المعتمدة لدى الكثيرين من المسلمين في العالم الإسلامي وخارجه، ومن عرف الشيخ عن كثب سمع منه أنه يشكو من كثرة الرسائل والاستفتاءات التي تصل إليه، ويعجز عن الرد عليها، فهي تحتاج إلى جهاز كامل ولا يقدر عليها جهد فرد مهما تكن طاقته ومقدرته. هذا إلى ما يقوم به من إجابات عن طريق المشافهة واللقاء المباشر، وفي أحيان كثيرة عن طريق الاتصال الهاتفي، الذي سهل للكثيرين أن يسألوه هاتفيا من أقطار بعيدة، بالإضافة إلى برامجه الثابتة في إذاعة قطر وتلفزيونها للرد على أسئلة المستمعين والمشاهدين، وقد بين منهجه في الفتوى في مقدمة الجزء الأول من كتابه “فتاوى معاصرة” كما وضح ذلك في رسالته “الفتوى بين الانضباط والتسيب” الذي تعرض فيها لمزالق المتصدين للفتوى وجلاها مع التدليل والتمثيل، وخلاصة هذا المنهج أنه يقوم على التيسير لا التعسير، والاعتماد على الحجة والدليل، والتحرر من العصبية والتقليد، مع الانتفاع بالثروة الفقهية للمذاهب المعتبرة، وعلى مخاطبة الناس بلغة عصرهم، والاهتمام بما يصلح شأنهم والإعراض عما لا ينفعهم، والاعتدال بين الغلاة والمقصرين، وإعطاء الفتوى حقها من الشرح والإيضاح والتعليل، يكمل ذلك ما ذكره في كتابه “الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، مع نظرات تحليلية في الاجتهاد المعاصر” الذي كشف فيه اللثام عن مزالق الاجتهاد المعاصر، وأبان عن المعالم والضوابط اللازمة لاجتهاد معاصر قويم، وقد حرص هو أن يطبق الالتزام بهذه الضوابط فيما كتبه في الجوانب الفقهية مثل “الحلال والحرام” و”فقه الزكاة” و”غير المسلمين في المجتمع الإسلامي” و”بيع المرابحة للآمر بالشراء” و”فقه الصيام” وهو حلقة من سلسلة تيسير الفقه الذي وعد بها من سنوات، ولا غرو أن اختير عضوا بالمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، وخبيرا بمجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

Facebook Comments