أثارت لافتة معلقة على باب مسجد «الرحمة» في منطقة أرض اللواء بمحافظة الجيزة، منتصف سبتمبر 2022 مكتوبا عليها « تم إغلاق المسجد لعدم سداد مديونية الكهرباء»،  جدلا واسعا عبر مواقع  التواصل الاجتماعي؛ فالمسجد بدون كهرباء أو مياه فلم موظفو وزارة الأوقاف من إقامة الشعائر الدينية كما هو معتاد. بينما تؤكد مصادر بالوزارة  ــ للحرية والعدالة ــ  أن الأزمة أكبر من ذلك بكثير وهناك عشرات المساجد مغلقة بالفعل لعدم سداد فواتير المياه والكهرباء، وهناك  آلاف المساجد الأخرى التابعة للوزارة على مستوى الجمهورية معرضة للغلق لهذه الأسباب.

التداول الواسع للافتة على باب مسجد الرحمة أحرج وزارة الأوقاف وأجهزة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي؛ وحاول البعض الدفاع  عن النظام بالزعم أن المسجد لا يتبع وزارة الأوقاف؛ لكن اتضح لاحقا أن المسجد يتبع الوزارة وله إمام من الأوقاف وموظفون وعمال.  ومعلوم أن الوزارة من المفترض أن تتحمل تكلفة خدمات الكهرباء والمياه وغيرها.  أما إذا كان مسجد أهلي فعادة ما تتحمل  إدارة المسجد عبر صندوق التبرعات تكلفة هذه الخدمات.

الوزارة في محاولة منها لاحتواء الغضب الشعبي لا سيما بعدما تلقى وزير الأوقاف مختار جمعة دشا ساخنا من قيادات أمنية رفيعة بالجهاز الوطني،  أحال عددا من المسئولين بالوزارة والمنطقة التي يتبع لها المسجد إلى التحقيق، مع العمل على حل مشكلة المسجد وإعادة فتحه لوقف التداول الإعلامي للموضوع. لكن مصادر بوزارة الأوقاف تؤكد ــ للحرية والعدالة ـ  أن المشكلة أكبر من مسجد الرحمة، مؤكدة أن عشرات المساجد مغلقة لذات السبب ولم تصل إليها بعد مواقع التواصل الاجتماعي لعدم تعليق لافتة توضح سبب الغلق كما حدث مع مسجد الرحمة.

 

آلاف المساجد مهددة بالإغلاق

المشكلة تهدد  آلاف المساجد بالغلق لأن الوزارة تعاقدت بالفعل قبل سنوات مع وزارة الكهرباء لتركيب عدادات مسبقة الدفع في جميع المساجد التابعة للوزارة؛ ويتم شحن العداد بنحو ألف جنيه شهريا يتم خصم قسط العداد شهريا بنحو (300) جنيه، ويتبقى في العداد كهرباء بقيمة 700 جنيه فقط؛ وهو ما يكفي بالكاد  لمدة أسبوع واحد على ؛ لأن المساجد تستخدم تكييفات أو مراوح وهناك سخان كبير في الشتاء ومواتير رفع لضخ المياه بخلاف الإنارة الواسعة باتساع كل مسجد.

فاقم من المشكلة أو  وزارة الأوقاف اتخذت قبل سنوات قرارات إدارية ألغت بمقتضاها إدارات المساجد ومنعت وضع صندوق التبرعات بعدما تم الكشف عن شبهات فساد؛ لكن هذه القرارات حرمت المساجد من مشاركة الأهالي في تحمل تكاليف خدمات المسجد. لكن الأهم والأخطر على الإطلاق هو أن الحكومة اختصت المساجد وحدها دون الكنائس بتركيب عدادات مسبقة الدفع؛ بينما لا تزال الكنائس تتمتع بامتيازات خاصة وتتحمل الحكومة تكاليف الكهرباء والمياه   كما كان يحدث في السابق؛ فلماذا يصر السيسي على التعامل مع المسلمين باحتقار وازدراء بينما  يحظى الأقباط في عهده بكل الامتيازات والمكاسب؟

هذه القرارات العبثية من جانب الوزارة، والتمييز السلبي ضد المسلمين ومساجدهم دون الكنائس؛ دفع الأهالي إلى الالتفاف على قرارات الوزارة؛ فقاموا بتوصيل الكهرباء للمساجد عبر (كوبري) من وراء العداد مسبق الدفع؛  وهو الإجراء الذي قامت به معظم مساجد الأوقاف على الأرجح حتى تتمكن من أداء الشعائر الدينية بشكل طبيعي،  لأن الوزارة تخصص مبلغا محددا لكل مسجد لشحن الكهرباء، باستثناء المساجد الشهيرة التي تحظى بتعامل خاص من جانب الوزارة؛ وأي مشكلة بها قد تسبب مشاكل كبرى للوزير والوزارة كلها، ويحرج النظام.

معنى ذلك أن قرارات الحكومة بالتخلي عن منح المساجد خدمات الكهرباء والمياه بالمجان كما تفعل مع الكنائس دفع المسلمين إلى التحايل على هذا التمييز ضدهم بتوصيل الكهرباء للمساجد (بتوصيل كوبري خلف العداد) باعتباره حقا مثل الكنائس تماما، وكما كان يحدث قبل 2015 عندما شرعت الوزارة في تركيب العدادات مسبقة الدفع على مراحل.

 

ما الحال بالمساجد؟

عندما يمر أحد فنيي وزارة الكهرباء يقوم بالإبلاغ عن المخالفة فتحدث مثل ما جرى مع مسجد الرحمة تماما. وهو ما أشارت إليه صحيفة "الوطن" في تناولها للخبر؛ حيث تنقل عن مصدر بوزارة الكهرباء أن أحد مهندسي شركة توزيع كهرباء جنوب القاهرة اكتشف أثناء مروره على المسجد، أن القائمين على إدارته أوصلوا التيار الكهربائي إليه من خارج العداد، ما يشكل خطورة على حياة المواطنين، ويضر بسلامة السكان والأهالي المجاورين»، مضيفا أن «المهندس نبه على الأهالي بضرورة إجراء تسوية لتصحيح الوضع القانوني».

معنى ذلك أن آلاف المساجد التابعة للأوقاف مهددة فعلا بالغلق بسبب فواتير الكهرباء الملتهبة حيث يتم التعامل بالأسعار العالمية رغم بؤس الأوضاع الاقتصادية  في مصر، بخلاف منح الدولة الكنائس الكهرباء والمياه بالمجان في تمييز سافر وغير مقبول.

هذا الموقف يمثل برهانا جديدا على أن النظام يضيق الخناق على المسلمين في أداء شعائرهم الدينية بينما يتمتع الأقباط ورعايا الكنيسة بأعلى سقف من الحريات الدينية على الإطلاق؛ ولا ينسى المسلمون قرارات وزير الأوقاف بمنع صلاة التروايح والاعتكاف في رمضان الماضي، ولا ينسى المسلمون الحرب التي يشنها السيسي على بيوت الله فهدم مئات المساجد بدعوى أنها مخالفة للقانون بينما سن قانونا خاصا لتقيين أوضاع الكنائس المخالفة؛ معنى ذلك أن السيسي تعامل مع الكنائس المخالفة بسن قانون يقنن وجودها، وتعامل مع المساجد المخالفة بالبلدوزر؛ فهدم مئات المساجد ونكس مآذنها التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه كثيرا.

Facebook Comments