قرار وزارة التموين بحكومة الانقلاب الخميس الماضي (29 سبتمبر 2022م) برفع أسعار “8” سلع أساسية على بطاقات التموين اعتبارا من السبت غرة أكتوبر 2022م، يحمل كثيرا من الرسائل والدلالات في هذا التوقيت الحساس؛ حيث يعاني عشرات الملايين من المصريين من الفقر والجوع وتآكل قيمة الأجور والمرتبات بسبب الغلاء الجنوني الذي ضرب جميع أسعار السلع والخدمات علاوة على جنون الدولار والذي ارتفع إلى مستويات قياسية وغير مسبوقة ليصل إلى نحو 19.58 جنيها متجاوزا الرقم القياسي السابق 19.50 جنيها.

وحسب قرار الوزارة فقد تقرر رفع أسعار زيت الطعام على بطاقات التموين المدعومة من 23 إلى 25 جنيهاً للعبوة (0.8 لتر)، والسمن الصناعي من 24 إلى 30 جنيهاً للعبوة، والعدس من 11 إلى 12 جنيهاً للكيلو، وصلصة الطعام من 4.75 إلى 6 جنيهات للعبوة. كذلك ارتفع سعر عبوة الخل من 4.25 إلى 5 جنيهات، وعبوة الجبن (0.25 كيلو) من 7 إلى 7.5 جنيهات، وعبوة الجبن (0.50 كيلو) من 13 إلى 14 جنيهاً، ومسحوق الغسيل من 18 إلى 20 جنيهاً للعبوة، وصابون اليد من 5.5 إلى 6.5 جنيهات للقطعة.

الملاحظة الأولى هي التأكيد على أن الحكومة لا تكترث لوضع محدودي الدخل، ولا يعنيها حرمان ملايين المواطنين من السلع الأساسية في ظل الغلاء الفاحش الذي طال كل شيء. فرفع أسعار سلع التموين على هذا النحو يعني أنها ارتفعت بنسبة 50% عما كانت عليه السنة الماضية  “2021” مع ثبات قيمة الدعم عند 50 جنيهاً لأول 4 أفراد مقيدين على البطاقة، و25 جنيهاً للفرد الخامس، على خلفية فرض أكثر من زيادة على أسعار بيع السلع الأساسية مثل الزيت والسكر والأرز.

الملاحظة الثانية، أن الحكومة تأخذ بالشمال أضعاف ما تقرره لمحدودي  الدخل باليمين؛ لأن قرار أسعار هذه السلع الثمانية يأتي عقب إقرار حزمة حماية اجتماعية في 25 أغسطس 2022م، للأسر الأكثر احتياجاً لمدة ستة شهور فقط، تتضمن إضافة 100 جنيه شهرياً على بطاقات التموين المُسجلة عليها أسرة واحدة، و200 جنيه للبطاقة التي تشتمل على أسرتين أو ثلاث أسر، و300 جنيه للبطاقات التي تتضمن أكثر من 3 أسر. وبحسب الوزارة فإن هناك 7.7 ملايين بطاقة تستحق الدعم المقدم بقيمة 100 جنيه، و332 ألفاً و328 بطاقة لمبلغ 200 جنيه، و926 بطاقة فقط لمبلغ 300 جنيه، بإجمالي نحو 37 مليون مواطن من أصل 64 مليوناً مسجلين على تلك البطاقات، وبتكلفة تقدر بـ833 مليون جنيه شهرياً.  وبرفع أسعار “8” سلع تموينية تكون حكومة السيسي قد استردت جانباً كبيراً من الزيادة الاستثنائية المخصصة للأسر الأكثر احتياجاً.

الملاحظة الثالثة، هذه هي المرة الرابعة التي تقوم فيها الحكومة برفع أسعار سلع التموين خلال هذه  السنة الكئيبة “2022”. وكانت الحكومة قد رفعت أسعار 7 سلع تموينية على مرتين في 1 يناير و1 مارس الماضيين”2022″، في إطار خطة الحكومة بشأن تقليص مخصصات الدعم في الموازنة العامة للدولة. بهذه القرارات باتت  الحكومة تتلاعب بالدعم التمويني على نحو يهدد منظومة الدعم كليا وينسف أي معنى للدعم؛  لأن الحكومة كانت قد قررت رفع أسعار 25 سلعة على بطاقات التموين من أصل 32 سلعة متاحة بنسب بين 5 إلى 15% في إبريل الماضي 2022م.

الملاحظة الرابعة، أنه رغم البروباجندا الحكومية حول زيادة مخصصات الدعم في الموازنة العامة، إلا أن الأرقام تؤكد أن حجم الدعم (90 مليارا لدعم الخبز والغذاء) يمثل 2.9% فقط من حجم إنفاق الموازنة المصرية والبالغ ثلاثة تريليونات و66 مليار جنيه؛ فقد جاءت مخصصات الدعم التمويني بالموازنة الحالية (2022/2023) مماثلة إلى حد كبير لما كانت عليه في العام الماضي بزيادة 2.8 مليار جنيه، والتي تتضمن دعم الخبز، والسلع الغذائية التي يتم توزيعها على البطاقات التموينية والتي يستفيد منها 63.3 مليون مواطن، مقابل 103 ملايين هم مجمل السكان. وهكذا بلغت مخصصات الدعم التمويني شاملا الخبز وسلع البطاقات في الموازنة 90 مليار جنيه، وهو ما يمثل نسبة 25 في المائة من مجمل مخصصات الدعم في الموازنة الجديدة والبالغ 356 مليار جنيه.

الملاحظة الخامسة، أن حجم الدعم في الموازنة تم تضخيمه على نحو مضلل ومخادع؛ ذلك أنه يتضمن 127 مليار جنيه تمثل جزءا من قسط سنوي لمديونية هيئة التأمينات الاجتماعية لدى الخزانة العامة، ولهذا كان يجب أن يكون مكان القسط في الباب الثامن بالإنفاق والمتعلق بأقساط الديون على الحكومة. كما يتضمن أيضا نوعيات عديدة غريبة من الدعم مثل دعم الصادرات والتي يحصل عليها رجال الأعمال، ودعم الإنتاج الحربي الذي تحصل عليه شركات الإنتاج الحربي، والمعونات المقدمة من مصر إلى دول حوض النيل، والمنح التي تحصل عليها الأندية الاجتماعية للعاملين في وزارات المالية والعدل والداخلية. فقد بلغ نصيب وزارتي الداخلية والعدل من الدعم في الموازنة الجديدة 1.2 مليار جنيه، وكذلك لمباني وزارة الخارجية في الخارج وصندوق تطوير الطيران المدني، وجهازي الرياضة والشباب، إلى جانب عدد من الجهات التابعة لوزارة الثقافة على رأسها دار الأوبرا المصرية.

الملاحظة السادسة، أن مخصصات فائدة الدين الحكومي في الموازنة الجديدة 690 مليار جنيه، أي ثمانية أضعاف قيمة الدعم الغذائي (90 مليارا فقط)، في ضوء وجود ثلث السكان تحت خط الفقر حسب البيانات الرسمية المعلوب فيها، إلى جانب 965.5 مليار جنيه لأقساط الدين الحكومي خلال العام المالي الجديد، لتصل تكلفة الدين من فوائد وأقساط في عام واحد إلى تريليون و656 مليار جنيه، وهو ما يفوق جميع إيرادات الدولة المتوقعة في الموازنة والتي تصل إلى 1.55 تريليون جنيه.

الملاحظة السابعة، بيانات أداء الشهور التسعة الأولى من العام المالي الحالي (2021-2022) تشير إلى انخفاض قيمة المنصرف على الدعم التمويني، بالمقارنة بما تم إعلانه من مستهدفات بنسبة 24 في المائة خلال تلك الشهور التسعة. وكان الحساب الختامى للعام المالي السابق (2020-2021) قد أشار إلى انخفاض الإنفاق على إجمالي الدعم بنسبة 19 في المائة بالحساب الختامي عما تم إعلانه من مستهدفات. وهي الظاهرة التي تكررت أيضا في العام المالي 2019-2020، بنسبة 31 في المائة لمجمل الدعم وبنسبة 10 في المائة للدعم التمويني. لكن الحساب الختامي الذي يمثل الواقع الفعلي للإنفاق، لا يجد اهتماما إعلاميا في ظل إعلام الصوت الواحد وغياب الدور الرقابي للبرلمان. ويتساءل الخبير الاقتصادي ممدوح الولي: كيف ينخفض الإنفاق على الدعم الغذائي رغم ارتفاع أسعار الغذاء دوليا ومحليا؟ ويجيب أسلوب التعامل مع زيادات الأسعار على ذلك، حيث يتم الرفع التدريجي لأسعار السلع التموينية كما حدث مع الزيت والسكر وغيرها، مع ثبات المبلغ المقرر للفرد الشراء به، ومن هنا تقل الكميات الموزعة، مع الاستمرار في استبعاد أعداد من أصحاب البطاقات التموينية بمبرر عدم الاستحقاق، مما يقلل التكلفة أيضا.

Facebook Comments