تسببت التقديرات الجزافية من جانب وزارة المالية والهيئات التابعة لها لقيمة الضرائب المستحقة على المستثمرين ورجال الأعمال في صدام بين الطرفين؛ حيث شن أعضاء الاتحاد المصري لجمعيات ومؤسسات المستثمرين هجوماً شديداً على الوزارة المالية والهيئات التابعة لها وعلى رأسها مصلحة الضرائب، لوضعها تقديرات ضريبية جزافية تصيب المستثمرين بصدمات، وملاحقة الشركات بملفات ضريبية سبق حسمها، مرّ عليها أكثر من 15 عاماً.

وانتقد أعضاء الاتحاد في اجتماعهم الذي جرى تنظيمه بمقر الاتحاد، الإثنين 21 نوفمبر 2022م برئاسة محرم هلال، رئيس اتحاد المستثمرين ـ موقف الحكومة ووزارة المالية؛ مؤكدين أن خدمات وزارة المالية قاصرة على العاصمة والمدن القريبة منها، بينما تظل محدودة المكاتب والخبرات في أنحاء البلاد، وخاصة بالصعيد، بما يكلف المستثمرين أعباء مالية وتأخير في إنهاء الأوراق اللازمة للتشغيل اليومي لمعداتهم، خاصة في الوجه القبلي. وحذروا خلال اجتماعهم من التداعيات المحتملة من زيادة الأعباء الضريبية على المنشآت الصناعية، إلى نسب تراوح ما بين 45% إلى 52% في المتوسط، بما يجعلها من أعلى نسب الضرائب في العالم، تزيد على السائدة بأوروبا وتقترب من معدلات الضرائب بالولايات المتحدة، تجعلها عنصراً طارداً للمستثمرين.

وأوضح المشاركون في الاجتماع وعلى رأسهم علاء السقطي، نائب رئيس الاتحاد، واللواء حازم عناني، رئيس هيئة التنمية الصناعية، ووكلاء وزارة المالية، ومصلحة الضرائب، وممثلو جمعيات المستثمرين بالمحافظات، أن وزارة المالية تفرض على المستثمرين ورجال الأعمال 22.5% ضريبة أرباح صناعية وتجارية و10% ضريبة توزيع أرباح، وضرائب تكافلية وتأمين، بخلاف القيمة المضافة على مدخلات الإنتاج بنسبة 14%، مشيرين إلى أن التعسف الضريبي يشجع على توسيع دائرة الاقتصاد الموازي، الذي تصل حجم تعاملاته حالياً إلى ما بين 2 إلى 3 تريليونات جنيه، لا تستطيع الحكومة دمجه في الاقتصاد الرسمي.

وحسب صحيفة "العربي الجديد" اللندنية،  فقد اتهم الأعضاء وزارة المالية بعدم تنفيذ الحافز الضريبي الذي يمنحه قانون 2017 للمستثمرين، والخاص بمنح المنشآت الجديدة حسماً من الوعاء الضريبي يصل إلى 50% من حجم المال المستثمر بالمشروعات. وتمثل الضرائب 77% من موارد الموازنة العامة للدولة، وتستهدف حكومة الانقلاب في الموازنة الحالية (2022/2023) تحصيل نحو  (1.168) تريليونا، بزيادة تقدر بنحو 185 مليارا و785 مليون جنيه عما كانت عليه في العام السابق، في حين تصل قيمة الإيرادات المتوقعة إلى نحو (1.517) تريليون جنيه فقط!

وتواصل الدكتور محمد معيط وزير المالية بحكومة الانقلاب مع رئيس الاتحاد خلال الاجتماع، لامتصاص غضب رجال الأعمال، الذين يعزفون منذ أشهر عن حضور اجتماعات رسمية، مع مسؤولي المالية والجهات الحكومية، لعدم قناعتهم بقدرة المسؤولين على حل مشاكلهم. لكن أعضاء الاتحاد طالبوا الوزير بالنزول إلى أرض الواقع للتعرف على صعوبة الأوضاع لاستعادة الثقة بين رجال الأعمال والحكومة، منتقدين التقديرات الجزافية من جانب مصلحة الضرائب؛ حيث يشير إيهاب رأفت، عضو الاتحاد، إلى عدم تصدي لجان فضّ المنازعات الضريبية للتقديرات الجزافية، التي يضعها مأمورو الضرائب، على الممولين، ويفاجئ المتظلم بإحالة شكواه على قضية بإدارة مكافحة التهرب الضريبي مع تضخيم قيمتها، لتضييق الخناق على من يشكو، فلا يكون أمامه مفر إلا دفع القيمة المعترض عليها، أو الاستمرار في مواجهة قضية تهدد مستقبله.

 

«465%» زيادة ضرائب

وتكشف أرقام  الموازنة الحالية (2022-2023) عن ارتفاع حجم الضرائب بنسبة 465% منذ الانقلاب على الرئيس الراحل محمد مرسي، في يوليو 2013م. حيث بلغ المستهدف من الحصيلة الضريبية تريليوناً و168 ملياراً و795 مليون جنيه ، مقابل 251 ملياراً و119 مليون جنيه في 30 يونيو 2013م. وتتوقع الحكومة حصيلة ضريبية فعلية بإجمالي  946 ملياراً و375 مليون جنيه في العام 2021-2022، وزيادتها بنحو 222 ملياراً و420 مليون جنيه في العام 2022-2023، أي بنسبة نمو تبلغ 23.5%.

وتوقعت الحكومة زيادة حصيلة الضرائب العامة من 472 ملياراً و758 مليون جنيه في العام 2021-2022 إلى 589 ملياراً و508 ملايين جنيه في العام 2022-2023، بزيادة تبلغ 116 ملياراً و750 مليون جنيه، والضريبة على القيمة المضافة من 385 ملياراً و780 مليون جنيه إلى 477 ملياراً و592 مليون جنيه، بزيادة 91 ملياراً و722 مليون جنيه. كما توقعت زيادة حصيلة الضرائب الجمركية من 41 ملياراً و698 مليون جنيه إلى 46 ملياراً و14 مليون جنيه، بزيادة 4 مليارات و316 مليون جنيه، وباقي الضرائب من 46 ملياراً و49 مليون جنيه إلى 55 ملياراً و682 مليون جنيه، بزيادة 9 مليارات و633 مليون جنيه.

 

دلالات التقديرات الضريبية الجزافية

المبالغة من جانب وزارة المالية ومصلحة الضرائب في تقدير حجم الضرائب على رجال الأعمال والمستثمرين وأصحاب المشروعات عموما، تعكس مدى التدهور الحاد في الأوضاع المالية داخل الدولة؛ فالسيسي يسعى بشتى الطرق إلى الحصول على الأموال لمواجهة الأعباء المتزايدة في ظل تضخم الديون وفوائدها، وتآكل قيمة الجنيه.

من جهة ثانية فإن فرض المزيد من الرسوم والضرائب والمبالغة في تقدير حجم القيمة الضريبية على المستثمرين من جهة أخرى هو بحد ذاته اعتراف من النظام بفشل ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تبناه السيسي مع صندوق النقد منذ نوفمبر 2016م، فلا يزال الاقتصاد في مصر ريعيا ولم يدخل مرحلة الإنتاج ولم ترتفع الصادرات إلى النحو الذي سوقت له الآلة الإعلامية للنظام إبان الاتفاق الأول مع الصندوق. ولا يزال النظام يعتمد على طريقين فقط هما التوسع في الاستدانة من جهة وفرض المزيد من الرسوم والضرائب من جهة أخرى. من جهة ثانية، فإن فرض المزيد من الضرائب هو برهان على فشل النظام  في إدارة موارد الدولة بطريقة صحيحة، كما يدلل على غياب أي حلول أو أفكار لتنمية موارد الدولة؛ ولذلك يلجأ النظام إلى الحلول السهلة قصيرة الأجل التي تثقل كاهل المواطنين. وتؤدي إلى سقوط ملايين أخرى من الطبقة الوسطى تحت خط الفقر.

من جهة ثالثة، لا يزال النظام يتلكأ في متابعة تحصيل المتأخرات الضريبية والتهرب الضريبي الذي يمكن أن يوفر حصيلة تعادل كل الإيرادات الضريبية؛ لأن  حجم التهرب الضريبي في مصر بين 400 و900 مليار جنيه وفق تصريحات الخبراء، ما يعادل إجمالي الضرائب المحصلة المباشرة وغير المباشرة. والأهم أن نظام الدكتاتور السيسي لا يزال يغض طرفه عن الحلول العملية الأكثر نجاعة وهي وضع خطط عاجلة لزيادة الإنتاج الزراعي والصناعي وزيادة صادرات الدولة حتى يتم توفير فرص العمل للشباب العاطل من جهة، وتوفير العملة الصعبة من جهة ثانية. ولا يزال النظام يتعامل مع الفساد بمنطق الشو الإعلامي وليس بسياسة الاستئصال؛ فقطع دابر الفساد هو بداية الطريق نحو توفير مئات المليارات التي تنهب سنويا.

Facebook Comments