في ظل السعي العالمي لاحتواء فكرة الإخوان المسلمين -وإن في إطار التمجيد لأداء مؤسسها الشيخ حسن البنا- ضمن حملة تشويه للفكرة، صدر كتاب باللغة الألمانية، بعنوان "مهندس الإسلاموية – حسن البنا والإخوان المسلمون" أو "مهندس الإسلام السياسي" للباحثة الألمانية غودرون كريمر، وإن العنوان يصطدم بحسب ناقدين عربا لفصل الإسلام إلى سياسي وديني باعتباره منهجا شاملا.
إلا أنه بالعودة لرؤية كريمر، أشارت إلى أنه عندما سقطت مصر تحت تأثير الفاشية واتخذت ثقافة الشباب سمات شبه عسكرية، طال ذلك أيضا جماعة الإخوان المسلمين، وبرغم ذلك، وضع حسن البنا نفسه بوضوح كمعارض للأيديولوجيات الفاشية والعرقية البيولوجية، ولم تروج جماعة الإخوان المسلمين لروح الانتماء على أساس العرق أو لون البشرة، لكنهم دعوا إلى الأخوة العادلة بين الناس.
وعن رؤيتهم لليهود كعدو، شرحت أن الأخوة العادلة تشمل غير المسلمين، مستدركة ، أنه تحت ضغط التوترات السياسية المتزايدة في البلاد، حيث كانت هناك أصوات تتعالى مطالبة بالاستقلال الوطني وكذلك الأسلمة، سرعان ما حدد الإخوان المسلمون أيضا اليهود المصريين كعدو، كجزء من حملتهم ضد المؤامرة الصهيونية العالمية في فلسطين وداعمي هذه المؤامرة المفترضين، تلك الحملة، التي جاء كلام الكاتبة عنها في الكتاب مقتضبا جدا نوعا ما، بلغت ذروتها في النهاية بإرسال مقاتلين متطوعين إلى فلسطين للمشاركة في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948.

شيطنة الجماعة

وزعم المؤرخ جوزيف كرواتورو الذي قرأ بحث كريمر  لموقع "قنطرة" المعني بالحوار الألماني العربي والإسلامي، أنه رغم فعالية الإخوان المسلمون، خارج مصر كما هم داخل مصر بعد وفاة البنا، كُتب عنهم الكثير، وكانت أغلب تلك الكتابات منحازة، ومع ذلك، لا توجد حتى الآن سيرة ذاتية شاملة، تعتمد على أسس سليمة لمؤسسها.
وادعى أن كتاب جوردون كريمر أول سيرة ذاتية شاملة لحسن البنا، وهي أستاذة الدراسات الإسلامية المتفرغة بجامعة برلين الحرة، سلطت فيها الضوء على الأسس الفكرية التاريخية والبيئة الاجتماعية والسياق السياسي للإخوان المسلمين، وترسم بالكلمات صورة لأنصار حسن البنا ومعارضيه وتميط بهذه السيرة الذاتية اللثام عن فصل مهم ومؤثر في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وبحسب ما يقول الناقد جوزيف كرواتورو "تسمح الدراسة، الغنية بالمصادر، برؤية أكثر تبصرا بكثير من ذي قبل لجماعة لإخوان المسلمين ومؤسس الجماعة التي جرى شيطنتها في كثير من الأحيان".

 وكشف أن الباحثة خرجت من رسم ملامح شخصية الشيخ البنا ، هذا الرجل القوي في تأثيره، بحسب وصفها والمستحق للقراءة، فإن باحثة العلوم الإسلامية ألقت الضوء أيضا على الاضطرابات التي شهدتها مصر في النصف الأول من القرن العشرين، والتي اتسمت باضطرابات سياسية واقتصادية قوية بشكل خاص، ولم تكن الحربان العالميتان هما السبب في ذلك فحسب، بل كانت هناك أيضا المقاومة المتزايدة، والمشحونة دينيا ووطنيا، ضد الاستعمار، وتبعات تلك المقاومة.

ملامح التأثير
وادعت الباحثة أن الشيخ البنا كان عضوا في مجموعة من الشباب المتشددين دينيا ، وفي استدراكها كشف عكس التشدد فقالت "كان حسن البنا يسعى بالفعل في مسقط رأسه للدفاع عن الأخلاق الإسلامية ضد التأثيرات الضارة مثل التبشيرالمسيحي، وتعاطي الكحوليات والمخدرات، والقمار، والدعارة  التي شن تنظيمه، الإخوان المسلمون، حملة ضدها لاحقا".
ومن بين تشدده أضافت، حتى عندما كان شابا، تأثر حسن البنا بحركة مناهضة الاستعمار، المتنامية في مصر، والتي وصفها، بشكل أكثر وضوحا ممن قبله من الإصلاحيين الإسلاميين، بأنها جهاد ، بحسب الباحث الذي عرض لقنطرة.

وبنت رؤيتها ربما المستندة لدوائر غربية استشراقية في البحث ، أنه وعلى الرغم من أن حسن البنا، مثله مثل الشخصيات الإصلاحية المُقتدَى بها، قد أولى أهمية رئيسية للتعليم القائم على الكتابات الإسلامية في إعادة تربية المجتمع التي دعا لها، إلا أنه سرعان ما أدرك أن دراستها بعمق ستكون الأداة الخاطئة لإثارة حماس عامة المصريين للإسلام.

الجذور الصوفية

ورأت الباحثة أن حسن البنا تجذر في الصوفية، معتبرة أن "تفضيل الصوفيين للبساطة والعفوية وطقوس الصلاة المصحوبة بالموسيقى والأناشيد كفل لهم قربهم من الناس".
ورأت أن ذلك "ما كان يبحث عنه حسن البنا" بالإضافة إلى عمله كمدرس للغة العربية والذي استمر حتى عام 1947، انطلق في الإسماعيلية عام 1927 لينشر بين الناس نسخة بسيطة ومفهومة بشكل عام من الإسلام.

 

شكل التأثير
واستعرضت الباحثة شكل هذا التأثير لخطب الشيخ البنا التي كان يلقيها بانتظام على مقاهي المدينة الواقعة على قناة السويس، والتي أثر فيها الاستعمار، وسرعان ما جعلته هذه الخطب معروفا لدى الناس البسطاء، بحسب الباحثة، وعن تأثيره أشارت إلى مؤسسي الإخوان المسلمين من غير المثقفين، عمالا وموظفين وحرفيين، وكانوا في الغالب يعملون في شركات أجنبية، وفي عام 1931 افتتحوا مسجدهم الخاص، وتبعته بعد ذلك بقليل مدرسة للبنين وأخرى للبنات.
وعن التنظيم، أشارت إلى نقيضين، أولهما أنه انضباط حديدي صارم، وأنه يتبع في تدرجه أصول علم التربية الإصلاحي الأوروبي الحديث، زاعمة أن أصول التربية الغربي اعتبرها حسن البنا متوافقة مع مبادئ التربية الإسلامية".
وعن تخطي الإخوان التعليم إلى العمل المهني، قالت "نشأت الفروع الأولى لجماعة الإخوان في شرق دلتا النيل، والتي، بحسب القدرة، كانت تدير أيضا مصانع صغيرة كمصانع النسيج أو غزل السجاد".

كشافة الإخوان

واعتبرت الباحث أن كشافة الإخوان الشهيرة في ثلاثينيات وأربعينيات القرن ال19 تشبه نادي الجودو، وأن ذلك حدث بعد الانتشار بفضل الرحلات الدعوية المكثفة التي كان يقوم بها حسن البنا عبر البلاد، عادة خلال العطلات المدرسية، تمكنت جماعة الإخوان من التوسع أكثر بعد انتقالها إلى القاهرة في عام 1932 ونشر مجلتها الخاصة أيضا.
وأثنت الباحثة على الاهتمام بالرياضة لدى الجماعة وقالت إنه "مع النمو المتواصل للتنظيم، الذي كان محظورا عليه كمؤسسة خيرية أي نشاط سياسي، تمددت في الوقت نفسه هياكله، وبصفته المرشد الأعلى، الذي يتمتع بصلاحيات شاملة، أصبح حسن البنا يراقب الأعضاء، الذين تم تقسيمهم إلى ثلاث فئات وعشر رتب لكل منها، كما تقول غودرون كريمر، واجباتها وشاراتها الخاصة، التي تُمَكّن، كما في نادي الجودو تقريبا، من التعرف عليهم من النظرة الأولى".

وأضافت ، التمرينات البدنية كانت لها أهمية كبيرة لدى الإخوان المسلمين، مبينة أن جماعة الإخوان، خاصة مع تنظيم الكشافة الخاص بها، شاركت في تمجيد صفات الذكورة المتأثرة بالغرب، لكنها أعادت تفسيرها في الوقت نفسه بطريقة إسلامية، بالنسبة لحسن لبنا، كان النبي محمد أيضا شكلا من أشكال الكشافة، بحسب الباحثة.

دراسات أقل
ورغم غزارة الكتابات عن الشيخ حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين والصادرة بعدة لغات حية وناطقة منها الألمانية، رأت دراسة غودرون كريمر، الغنية بالمصادر، بحسب قنطرة،  وأن لو كانت هناك إشارة أو أخرى إلى كيفية قيام جماعة الإخوان المسلمين والحركات الإسلامية القريبة منها بالحفاظ على ميراث حسن البنا اليوم.
ومن بين مزاعم الكاتب أو البحث غير المكتمل بلقاء قادة الفكرة والتنظيم لشرح أفكار البنا ومواقفه وتناقضها في بعض المحاور، ما كتبته كريمر من أن فشلت محاولات بعض رفقاء حسن البنا للترشح للانتخابات البرلمانية، وكان هو نفسه يفكر بصوت عال في الترشح، رغم أنه دعا، باسم الوحدة الإسلامية، إلى حل جميع الأحزاب.
وكذلك وصفها الشيخ حسن البنا أنه "المرشد الأعلى" رغم أن الجماعة بها مرشد واحد وليس لها قدسية أمام الشورى الملزمة التي تحترمها صفوف الجماعة وتقدمها في استعراض الآراء وانتقاء الرأي المتفق عليه .
حيث كتبت أن "جماعة الإخوان المسلمين شهدت نهضة خاطفة خلال الحرب العالمية الثانية بفضل دعم السياسيين المتعاطفين ، وكان عدد أعضائها يقدر بالفعل بمئات الآلاف، إلا أنها بدأت أيضا تعيش أولى انشقاقاتها.
وزعمت أن الشيخ البنا فقد تدريجيا السيطرة، وأنه كان هناك ضده تمرد صريح وعلني داخليا، إلى خطه غير المتسق.
مدعية أن البنا إذ كان يدعو تارة إلى الجهاد، وتارة إلى التعقل، وأدلى أيضا بآراء متناقضة حول مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية، وفي عام 1936 وافق على تطبيق العقوبات الشرعية البدنية (الحدود) لكنه رفضها مرة أخرى في عام 1948 وكان موقفه متناقضا أيضا تجاه الإرهاب، والذي سقط هو نفسه ضحية له في النهاية، بحسب ما أدعت غودرون كريمر.

الرابط: https://ar.qantara.de/node/48486

Facebook Comments