في أعقاب المصافحة الشهيرة التي جرت الأحد 20 نوفمبر 2022م على هامش حفل افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم (قطر 22) بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والدكتاتور عبدالفتاح السيسي؛ وهي المصافحة التي اعتبرها نظام السيسي وآلته الإعلامية انتصارا عظيما؛ فقد كشفت الصورة المسربة للمصافحة عن مساعي الدولتين (تركيا وقطر) اللتين عارضتا انقلاب السيسي على الرئيس الشرعي الشهيد محمد مرسي في منتصف 2013م، وشككتا باستمرار في شرعية نظام 3 يوليو، نحو المصالحة مع نظام السيسي والإقرار بشرعيته.

الآلة الإعلامية للنظام رحبت بتلك المصافحة وروجت لها على نطاق واسع؛ لكن نظام السيسي قابل هذه الخطوة نحو تطبيع أو تطوير العلاقات الثنائية بشيء من التحفظ؛ فبينما تحدث أردوغان عن تطبيع العلاقات مع القاهرة، فإن بيان رئاسة الانقلاب تحدث عن تطوير هذه العلاقات؛ بما يعني أن تركيا مندفعة نحو هذه العلاقة ونقلها إلى مستويات أعلى على أمل أن تسهم في النهاية عن تصفير المشاكل بين البلدين؛ لا  سيما فيما يتعلق بملفات شرق المتوسط ورسم الحدود البحرية بين الدولتين وملف ليبيا التي تعتبرها القاهرة منطقة نفوذ لها  وتخشى من تزايد النفوذ التركي بها، وملف احتضان المعارضة في كلا البلدين، وملفات أخرى أقل أهمية مثل سوريا.

 

استنكار الحملة التركية على الأكراد

نظام السيسي قابل هذه الخطوة  بإجراءين يناقضان التقارب التركي: الأول هو البيان الذي أصدرته وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب تستنكر فيه الهجمات التركية على شمالي سوريا والعراق؛ حيث تشن تركيا حملة عسكرية جديدة ضد حزب العمال الكردستاني بعد انفجار تقسيم الذي وقع في تركيا الأسبوع الماضي وتسبب في وفاة 6 أشخاص وإصابة العشرات. حيث أعربت الخارجية المصرية عن “قلقها الشديد” مما وصفته بـ”الاعتداءات المتكررة على سورية والعراق”. وقال السفير أحمد أبو زيد، المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية بحكومة الانقلاب، في بيان مقتضب إن بلاده “تتابع بقلق شديد ما تشهده الدولتان العربيتان الشقيقتان العراق وسورية على مدار الأيام الماضية من اعتداءات من جانب إيران وتركيا تنتهك سيادة كل دولة على أراضيها”. وأضاف المتحدث باسم وزارة الخارجية، أن “مصر وهي تتابع التطورات باهتمام على مدار الساعة، تطالب بخفض التصعيد حقناً للدماء، ولتجنيب المنطقة المزيد من عوامل عدم الاستقرار”.

وتنظر القاهرة إلى الوجود التركي في شمال سوريا باعتباره وجودا غير شرعي، في ظل دعمها لنظام الأسد؛ وبالتالي فنظام السيسي يريد على الأقل التوصل إلى صيغة لا تهدد نظام الأسد من الجانب التركي. لكن تركيا ترد بأن الحماس المصري يقتصر فقط على القوات التركية في شمال سوريا ولا يمتد هذا الحماس إلى المطالبة بخروج القوات الروسية التي تحولت إلى قوات احتلال دائم ومستقر، وكذلك الوجود الإيراني والأميركي؛ ونظام السيسي لا يطالب بخروج هذه القوات، بما يعني أن الهدف ليس تحرير سوريا من القوات الأجنبية بقدر ما هو توجه مصري نحو تقليص النفوذ التركي لحساب الوجود الروسي والإيراني الداعم للأسد. والراجح أن القاهرة تتخذ من الملف السوري ورقة ابتزاز ومساومة من أجل تحقيق مكاسب في الملفات الأخرى الأكثر أهمية.

 

مزيد من التقارب مع اليونان

في ذات الوقت، استقبل  سامح شكري الثلاثاء 22 نوفمبر، نظيره اليوناني نيكوس ديندياس في القاهرة؛ حيث بحثا الملفات المشتركة والعلاقات الثنائية بين البلدين. وجاء اجتماع الوزيرين بعد يوم واحد من تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تعليقاً على لقائه بالسيسي على هامش افتتاح كأس العالم في العاصمة القطرية الدوحة، قال خلالها: “مطلبنا الوحيد من مصر أن يقولوا لمن يتخذ مواقف معادية ضدنا في المتوسط (نريد إرساء السلام في المنطقة)”. وأكد شكري سعي بلاده “لتطوير العلاقة على المستوى الثنائي وعلى المستوى الثلاثي مع الشريكة قبرص”، مضيفا أن ذلك “أتى بآثار إيجابية على البلدين والشعبين”. ولفت وزير الخارجية إلى أن زيارة نظيره اليوناني “تزامنت مع وجود وزير الدفاع اليوناني للتوقيع مع وزير الدفاع الفريق أول محمد أحمد زكي الاتفاق حول البحث والإنقاذ”، قائلاً إن ذلك “يؤكد تنوع التعاون بين أجهزة الدولتين لتشمل التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري”. وعلى صعيد القضايا الإقليمية، قال شكري: “عقدنا مباحثات منفردة حول الأوضاع الإقليمية والقضايا الملحة في منطقة شرق المتوسط وعلى الساحة الدولية.. والحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها السلبية على الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي وأمن الطاقة، ونعمل على احتوائه بالتعاون في ما بيننا، ونسعى أيضاً، كل من مصر واليونان، إلى تحقيق الاستقرار والأمن في منطقة شرق المتوسط”.

أما وزير الخارجية اليوناني فقد شدد على توقيع مذكرة تفاهم أمنية مع الجانب المصري، مشيرا إلى أن بلاده عضو بالاتحاد الأوروبي؛ وهو ما يعني أن اليونان تهدد القاهرة بنفوذها داخل الاتحاد في ظل ا لتقارب المصري التركي في اعقاب مصافحة أردوغان والسيسي.

وقال الوزير اليوناني،: “لدينا تحديات نواجهها ولدينا العديد من الشراكات ناقشناها والعديد من الاتفاقات، وهناك مذكرة تفاهم خاصة.. تناولنا القضايا الأمنية والدفاعية، وهذه الاتفاقيات تقوم على الاحترام المتبادل وتقوم أيضاً على أساس القانون الدولي”. وأضاف: “نحن نضع إطاراً قانونياً يمكن أن يساهم في تحسين وضع الحياة الإنسانية ونرسل رسائل بأن تلك الصداقات تستند إلى أسس قانونية تحترم سيادة البلدان واستقرارها، وخاصة عندما يتعلق الأمر باستقرار دول المنطقة”.

وأشار وزير الخارجية اليوناني إلى أنه ناقش مع شكري “مسألة العمالة وتنظيمها خاصة فتح الفرص والآفاق في هذه الأمر.. إضافة إلى تنظيم قضية المهاجرين”. وقال ديندياس إن “اليونان جزء من الاتحاد الأوروبي ونحن نلعب دوراً هاماً في هذا الإطار، وهذه الاتفاقيات مع مصر تمثل ركيزة أساس ونموذجاً للتعاون بين الدول الإقليمية”، وتابع “كل من مصر واليونان تساهمان في تقوية الاستقرار والأمن في منطقة البحر المتوسط”، مضيفاً أن بلاده “تسعى أيضاً لتحسين التعاون في مجال الطاقة والمجالات الحيوية الأخرى”. وفي ما يخص الوضع في ليبيا، قال الوزير اليوناني إن لقاءه بنظيره المصري “كان فرصة رائعة لنناقش التطورات الإقليمية والوضع الهش في ليبيا، وأطلعت الوزير على تطورات الأحداث في ليبيا واتفقنا على وضع ممثل للحكومة الليبية.. وأطلعت الوزير على الموقف التركي، حيث إن هناك الكثير من التطورات والأحداث المتلاحقة منذ أن التقينا”.

وتأتي زيارة وزري الدفاع والخارجية اليونانيين إلى القاهرة بعد يومين فقط من مصافحة السيسي وأردوغان في قطر؛ وهو ما يؤكد على أنها زيادة تستهدف تعزيز العلاقات لمواجهة التقارب المصري التركي المحتمل.  فتركيا تأمل في أن تلعب مصر دورا محوريا في ملف شرق المتوسط؛ لأن اليونان وقبرص تستقويان ضد تركيا بالعلاقات مع مصر؛ وتستهدف تركيا على الأقل تحييد الموقف المصري مبدئيا ثم التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بما يضمن مصالح البلدين. وكان للقاهرة موقف إيجابي سابق حين رفضت المساس بالمصالح التركية في المتوسط، أثناء مفاوضاتها مع كل من اليونان وقبرص حول تعيين الحدود البحرية”.

Facebook Comments