تشهد أسعار السلع والمنتجات في الأسواق المصرية خاصة المواد الغذائية ارتفاعا جنونيا ، ورغم أن هذا الارتفاع في الأسعار دفع المصريين إلى العزوف عن الشراء لضعف قدرتهم الشرائية وعدم مواكبة ما يتحصلون عليه من دخول مع زيادات الأسعار التي لا تتوقف ، ما تسبب في حالة من الركود والكساد ، إلا أن سوق المواد الغذائية يواجه مشكلة مختلفة فرغم ترشيد الأسر إنفاقها وتقليص مشترياتها من اللحوم والدواجن والأسماك ، إلا أنها لن تستطيع الاستغناء عن رغيف الخبز والأجبان والألبان والزيوت والأرز والسكر والخضروات والفول والعدس ، وهذه السلع أيضا تشهد ارتفاعا كبيرا في الأسعار ، ما يجعل أغلب المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر مهددين بالجوع في زمن عصابة العسكر بقيادة عبدالفتاح السيسي .

 

كانت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “فاو” قد كشفت عن ارتقاع تكاليف الغذاء في كل أنحاء العالم، مشيرة إلى أن هذه التكاليف تقترب من 2 تريليون دولار في عام 2022، مما قد يزيد الضغط على البلدان الأكثر فقرا.  

وأكدت المنظمة أن أسعار الغذاء ارتفعت إلى مستويات قياسية في مارس الماضي، بعد أن غزت روسيا أوكرانيا، وهي منتج رئيسي للحبوب والبذور الزيتية، ورغم تراجعها بعض الشيء منذ ذلك الحين فإنها لا تزال أعلى من المستويات المرتفعة التي بلغتها في العام الماضي.

وحذرت من أن هذه تعد مؤشرات مقلقة على الأمن الغذائي، مشيرة إلى أن فاتورة استيراد الغذاء العالمية من المتوقع أن تبلغ 1.94 تريليون دولار هذا العام بزيادة 10% على أساس سنوي وأعلى مما كان متوقعا سابقا. 

وأشارت المنظمة إلى أن أحجام واردات الغذاء في البلدان منخفضة الدخل انكمشت عشرة بالمئة مع بقاء فاتورة الغذاء هذا العام دون تغيير تقريبا، الأمر الذي يشير إلى تنامي مشكلات الحصول على الغذاء.

 

المواد الغذائية

 

حول هذه الأزمة قال حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين إن “أغلب أسعار المواد الغذائية ارتفعت بشكل غير مسبوق، وهذا يحتم على حكومة الانقلاب التدخل لوقف ارتفاعات الأسعار المتتالية، لكن ارتفاع الأسعار أكبر من أي جهود تبذلها حكومة الانقلاب، مشيرا إلى أن زيادة أسعار المواد الغذائية ليس محليا فقط، لكنه عالميا”.

وأضاف أبو صدام في تصريحات صحفية أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية الذي ضرب العالم خلال الأشهر الماضية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وتوقف سلاسل الإمداد والتموين ، خاصة بعد جائحة كوفيد 19 أثر سلبا على مصر التي تعد من أكبر الدول المستوردة للمواد الغذائية .

وأشار إلى أنه منذ الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت في نهاية فبراير 2022، ارتفعت أسعار كل السلع والمواد الغذائية التي تستوردها مصر، وأبرزها الزيوت واللحوم الحمراء والحبوب، وهذا تسبب في ارتفاع أسعار المنتجات والسلع الأخرى.

 وأوضح أبوصدام أن أسعار الدواجن ارتفعت إلى أكثر من 50 جنيها للكيلو، بجانب زيادة أسعار اللحوم الحمراء بنسب كبيرة، إضافة لزيادة أسعار العدس والفول والأرز وغيرها، لافتا إلى أن الأرز في الأسواق أيضا كان من بين السلع التي تأثرت بالحرب الروسية الأوكرانية وارتفع سعره بصورة غير مسبوقة.

ولفت إلى أن مصر تستورد أكثر من 500 ألف طن لحوم سنويا ، حيث يبلغ الاستهلاك أكثر من 900 ألف طن، مشددا على ضرورة التوسع في توفير المنافذ الثابتة والمتحركة في أنحاء الجمهورية لضبط الأسعار ومحاربة الغلاء وجشع التجار.

 

دولة مستوردة

 

وقال الدكتور جمال صيام، أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، إن “مصر تعد واحدة من البلدان الأكثر استيرادا للأغذية، إذ تعتمد في احتياجاتها على الاستيراد، مشيرا إلى أن مصر تستورد حوالي 60% من احتياجاتها الغذائية”.

وأضاف صيام في تصريحات صحفية أن مصر تعد واحدة من كبريات الدول المستوردة للقمح، بحوالي 10 مليون طن سنويا، وحوالي 50% من محصول الذرة، و87% من زيت الطعام و30% من السكر، و90% من الفول، و99% من العدس، و49% من اللحوم الحمراء، و15% من الأسماك، و13% من الألبان.

وأشار إلى أنه مع الزيادة السكانية ستواجه مصر تهديدا كبيرا للأمن الغذائي المصري في ظل تزايد استيراد الغذاء من الخارج ، مطالبا بزيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي ، خاصة فيما يتعلق بالمواد الغذائية حتى لا نواجه أزمة كبيرة عندما لا يستطيع المواطن الحصول على غذائه.

 

حكومة الانقلاب

 

وحمل الدكتور وليد جاب الله أستاذ الاقتصاد بالجامعات المصرية، حكومة الانقلاب مسئولية ارتفاع الأسعار ، مطالبا بضرورة السيطرة علي ارتفاع الأسعار، وبالتالي التضخم المتوقع حدوثه بمجرد صدور أي قرار اقتصادي، من خلال الرقابة الشديدة على أسعار المنتجات داخل الأسواق وفرض عقوبات على التجار المخالفين.

وقال جاب الله في تصريحات صحفية إن “تحسين أحوال المواطنين يتم  من خلال محورين؛ المحور الاول هو ضمن مجال العرض، حيث يجب على دولة العسكر أن تعمل على مكافحة ارتفاع الأسعار التي تتزايد وذلك من خلال تنظيم سوق التجارة الداخلية بسعر صرف مُناسب للعملات الأجنبية”.

وأضاف ، أما المحور الثاني فيتمثل في زيادة الرواتب والمعاشات من أجل تعزيز القوة الشرائية للمرحلة الأقل دخلا حتى تتمكن هذه الفئات من الحصول على غذائها .

 

أيام صعبة

 

وقال الخبير الاقتصادي هاني توفيق الرئيس السابق للجمعيتين المصرية والعربية للاستثمار المباشر، إن “الانكماش الاقتصادي الذي يمر به العالم الآن معناه أن مجموع قيمة ما تنتجه شعوب العالم منخفضة عن العام السابق، وهذا يتسبب في انخفاض دخول المواطنين في العالم كله، وبالتالي انخفاض الطلب على السلع والخدمات عن العام السابق”.

وتوقع توفيق في تصريحات صحفية أن يدفع ذلك المنتجين إلى خفض تكلفتهم للبقاء في السوق، وهذا يتأتى فقط من خلال الاستغناء عن بعض العمالة أو خفض مرتبات العمال أو الاثنان معا، لافتا إلى أن خفض الدخول معناه مزيدا من الانخفاض في الطلب والاستهلاك، فمزيد من الركود والبطالة.

وحذر من أن الأمر يزداد تعقيدا عندما يصاحب ذلك تضخم في الأسعار نتيجة توقف سلاسل الإمدادات بسبب الحروب والأوبئة، فتتوقف المصانع أو تتباطأ، ويصاحب البطالة والانكماش الاقتصادي تضخم وارتفاع في أسعار السلع والخدمات، وبالتالي مزيد من البطالة والانكماش .

وحول مواجهة هذه الأوضاع قال توفيق  “هذا يتطلب براعة من واضعي السياسات النقدية والمالية، بحيث يعملون بمشرط الجراح لتحقيق التوازن بين السياسات التوسعية لتحفيز الإنتاج والتشغيل من جهة، والسياسات الانكماشية من جهة أخرى لمحاربة التضخم والغلاء، مع أهمية تدبير حزم تمويلية خاصة لكل من محدودي الدخل والمصانع كثيفة التشغيل للعمالة، الأمر الذي يزيد الضغط على موازنة الدولة”.

وأكد أن الموضوع ليس سهلا، وهناك أيام صعبة قادمة تقدر بعامين بعد انتهاء الحرب الروسية، مشددا على ضرورة الاستعداد للمواجهة وعلى كل الناس ربط الأحزمة والتقشف ما أمكن حتى نتمكن من عبور هذه الأيام بأقل خسائر ممكنة .

وطالب توفيق كل المخططين الماليين، وأرباب الأعمال والأسر في مصر، التخطيط لعام 2023 بافتراض زيادة قدرها 20-25% في تكلفة الأعمال والمعيشة كنتيجة للتعويم ، بالإضافة إلى التضخم العالمي، دون أن يصاحب هذا زيادة مماثلة في الإيرادات للظروف السابق ذكرها، مشددا على أن المطلوب هو تغيير العادات الاستهلاكية بأي طريقة ما يعني المزيد من التقشف .

 

Facebook Comments