لعلها واحدة من أكبر الكوارث التي تهدد أمن مصر ومواردها البشرية، هو ما تعانيه من نزيف الأطباء والكوادر العلمية من مصر، على وقع المعاناة السياسية والاقتصادية والإدارية التي تعايشها مصر، في ظل حكم العسكر الذي لا يؤمن بالعلم ولا بالمهنيين، معليا شأن الجهلة ومجتمع الـ50%، مقدما لهم كامل الامتيازات والصلاحيات على حساب جميع الفئات المصرية.

تؤكد دراسة للمكتب الفني لوزارة الصحة أن عدد الأطباء البشريين المسجلين والحاصلين على ترخيص مزاولة المهنة من نقابة الأطباء يبلغ حوالي 212 ألفا و835 طبيبا، يعمل منهم حوالي 82 ألف طبيب، في جميع قطاعات الصحة، سواء بالمستشفيات التابعة للوزارة أو المستشفيات الجامعية الحكومية، أو القطاع الخاص، بنسبة 38% من إجمالي عدد الأطباء المسجلين الحاصلين على تراخيص مزاولة المهنة، ما يعني تسرب نحو 62% من الأطباء بالمنظومة الصحية.

وتشير إحصائية أخرى لنقابة الأطباء إلى أن نحو 7 آلاف طبيب يهاجرون سنويا بسبب الإجراءات التعسفية ضد الأطباء، كما يستقيل نحو 10 آلاف طبيب من وظائفهم في المستشفيات الحكومية للعمل بعيادات خاصة.

 

ظروف عمل قاسية

الأطباء الذين يواجهون ظروف عمل قاسية ، سواء بالاعتداء عليهم في مقار عملهم دون حماية أمنية او قانونية، وفي ظل ضغوط مهنية ونقص المستلزمات الطبية والتجهيزات الطبية في المستشفيات، يواجهون قواعد غريبة تحملهم المسئولية الجنائية عن حياة المرضى دون مراعاة لقوانين الطب العالمية وتنسب الخطأ الواردة والإجراءات التي تتخذ، وسط مطالبت منهم منذ سنوات بإقرار قانون المسئولية الطبية وفق قواعد العلم وليس وفق الفكر الأمني والعسكري.

تلك الظروف وغيرها لا تشجّع أياً منهم على العمل في مصر أو عودة من هاجر منهم خارج البلاد، في مقدمتها السياسة الخاطئة للحكومة في التعامل مع أزمة هجرة الأطباء.

وخلال الأيام الماضية عقدت وزيرة الهجرة سها جندي اجتماعات بعدد من الكوادر الطبية المصرية المهاجرة ، بالأقصر لبحث سبل إعادتهم، وسط الأزمات الطبية التي تواجه مصر.

كشف الأطباء خلال الاجتماع، أن الحكومة بدلا من معالجة جذور المشكلة، والعمل على حلها، سواء بتحسين مناخ البيئة التعليمية، وتوفير التأمين اللازم للهيئات الطبية، أو عبر الاستجابة لمطالبهم المالية بزيادة الرواتب وبدلات خطر العدوى، فإنها سارعت نحو الحل الأسرع متمثلا في زيادة كليات الطب الخاصة والحكومية، لمواجهة العجز الصارخ في أعداد الأطباء بالمستشفيات الحكومية.

الأطباء طالبوا الوزيرة بضرورة إعادة النظر في زيادة معدلات القبول في كليات الطب، باعتبارها الخطوة الأولى نحو تراجع المهنة التي تحظى بسمعة طيبة في الخارج.

 إلى جانب إعادة هيكلة أجور الأطباء ومنحهم حوافز مجتمعية تتماشى مع قيمتهم العلمية والإنسانية، والاهتمام بالجوانب البحثية وربطها بالمستشفيات الحكومية لتطوير المهنة، ونهاية بإشراك الأطباء في وضع استراتيجية منظومة التأمين الصحي الشاملة بما يضمن وجود بيئة جاذبة لخريجي كليات الطب للعمل في المستشفيات.

يشار إلى أنه في شهر يوليو الماضي، طالب وزير الصحة خالد عبد الغفار، باستثناء الأطباء والتمريض من قرار رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بشأن مدد الإعارات والإجازات الخاصة دون أجر للعمل بالخارج، وأرجع ذلك للعجز الشديد في أعداد الأطباء والأطقم الطبية المعاونة في مصر.

وكان رئيس حكومة الانقلاب أصدر قرارا في مايو الماضي، بإطلاق مدد الإعارات والإجازات الخاصة دون أجر للعمل بالخارج للموظفين الخاضعين لأحكام قانون الخدمة المدنية، والعاملين بشركات القطاع العام، والعاملين بالهيئات الخدمية والاقتصادية، فضلا عن العاملين بالشركات التي تمتلك فيها الدولة حصة حاكمة، والمؤسسات الصحفية القومية.

 

ترهيب وترغيب

تلك القرارات اعتبرها الأطباء استخدام من قبل حكومة الانقلاب لأسلوب الترهيب والترغيب في مساعيها نحو عرقلة هجرة الأطباء، إذ إنها تظهر بوجه إيجابي حينما تتواصل مع الأطباء عبر وزيرة الهجرة وليس وزير الصحة المنوط به الاستماع إليهم.

 وفي المقابل، فإنها تواصل تعنتها في الموافقة على إجازات الأطباء، بل إنها تعد الفئة الوحيدة في المجتمع التي تحظى بتأخر الإجراءات وعرقلة إتمامها، أملا في تغيير مواقف الأطباء من السفر.

الأمر الأشد فداحة وفق مصادر طبية نقابية، أنه بسبب تعنت الحكومة مع الأطباء، تخلى عدد كبير من الأطباء عن  مهنة الطب خلال العامين الماضيين بشكل نهائي واتجهوا، إما لإنشاء شركات توريدات طبية، أو مستلزمات طبية، أو عملوا في مجالات تجارية أخرى، وهؤلاء قد يكونوا فشلوا في الهجرة أو قرروا الهروب من جحيم المستشفيات الحكومية.

والأشد فداحة وأكبر خسارة لمصر، أن الأطباء المهاجرين يمكن الاستفادة منهم بشكل غير مباشر، سواء كان ذلك من خلال عمليات تبادل الخبرات مع الأطباء الموجودين في الداخل أو لعودة بعضهم إلى الداخل مرة أخرى لسبب أو لآخر، لكن من يترك مهنته ليس هناك أمل في الاستفادة منه مجددا، وهؤلاء قامت الحكومة بدعم تعليمهم بمبالغ هائلة، لكنها لم تستطع الحفاظ عليهم بعد تخرجهم.

وتحدد وزارة الصحة معدلات الأطباء الذين تركوا المهنة وفقا للأرقام المدونة لديها للأطباء الذين حصلوا على إجازات، لكن هناك مئات بل آلاف الأطباء الذين فشلوا في الحصول على إجازات لأسباب تتعلق بتعنت الجهات الحكومية، وقرروا الهروب أو السفر إلى الخارج دون تسوية وضعهم الحكومي، وهؤلاء لا يمكن أن يعودوا مرة أخرى إلى الداخل على الأقل في الوقت الحالي.

ووفقا لنقابة الأطباء ، فقد استقال 934 طبيبا خلال 3 أشهر فقط من يناير حتى مارس الماضي، ليصبح العدد الإجمالي للأطباء المستقيلين منذ عام 2016 حوالي 17741 طبيبا، بخلاف المنقطعين عن العمل ومن يحصلون على إجازات طويلة بهدف العمل في الخارج.

وتكون وجهة الأطباء المصريين الأولى إلى دول الخليج، التي توفر عوائد مادية وبيئة صحية أفضل من الموجودة في مصر، وتليها بريطانيا، وكشف تقرير صادر عن القوى العاملة في بريطانيا عن ارتفاع نسبة الأطباء المصريين المهاجرين إلى هناك بنسبة تزيد على 200% منذ عام 2017 حتى عام 2021، وتأتي مصر بعد الأردن والسودان في دول الشرق الأوسط بالنسبة لعدد الأطباء المهاجرين إلى بريطانيا، حسب ما ذكره التقرير.

ووفق  عضو بمجلس نقابة الأطباء فإن التحركات الحالية التي تقوم بها وزارة الصحة تدفع الأطباء للهجرة على نحو أكبر، لأنه لم يتم عرض أي محفزات حقيقية قادرة على جذبهم مرة أخرى، وعلى النقيض تماما فإن قانون المسؤولية الطبية بصيغته الحالية التي تقدم بها عدد من النواب المحسوبين على الحكومة سيساهم في هجرة ما تبقى من الأطباء المصريين.

وهكذا تتصحر مصر من الأطباء والعلماء ، بعدما تجردت من المفكرين والمهنيين وأصحاب الرأي والصحفيين منذ الانقلاب العسسكري الغاشم في 2013.

Facebook Comments