“كان السلطان قانصوه الغوري يكثر من المكوس على الخلق (الضرائب) ويضيق عليهم معيشتهم، وبنى من المكوس مسجدا كبيرا باسمه ، فكان أهل مصر يسخرون منه ويستظرفون ، ويطلقون عليه اسم  “الجامع  الحرام” هذا ما رصده ابن إياس في كتابه بدائع الزهور، وهذا أيضا ما يقوم به السفاح السيسي بعدما خرق سفينة المصريين بالانقلاب وأغرقها بتلال من الديون.

منذ أكثر من 1445 سنة فضح الوحي خطط أمثال السفاح السيسي، مسجد واحد شيده المنافقون في المدينة استدعى الوحي من السماء لمنع الناس من الصلاة فيه، وهو ما جعل صحيفة “هآرتس” الصهيونية تقول “هناك 140 ألف مسجد في مصر ، منها نحو 10 آلاف مسجد أقيمت في عهد السيسي، غير واضح من يحتاج هذا العدد الكبير من المساجد في وقت يتضاءل فيه عدد المصلين” أما الجواب يكمن في السياسة لأن السفاح الذي يشن حربا ضروسا ضد الإسلام، يريد في المقابل إظهار دعمه للدين.

 

التسبيح للسلطة

عكست تصريحات وزير الأوقاف في حكومة الانقلاب مختار جمعة، عن إنفاق عشرة مليارات جنيه على بناء المساجد، مدى تمسك عصابة العسكر بالسير عكس اتجاه احتياجات الشارع، علاوة على غموض عمل حكومة الانقلاب في ترتيب الأولويات والتركيز على ملفات بعيدة عن المعاناة الاقتصادية.

وطالب السفاح السيسي وزارة الأوقاف في حكومة الانقلاب بإنشاء مساجد كبرى في المحافظات المصرية، والسؤال كم تبلغ تكلفة التسبيح ليل نهار بحمد السلطة؟ تقول وزارة الأوقاف إنه “تم افتتاح 1200 مسجد خلال عام واحد 2022 وإجمالي 9600 مسجد في عهد السيسي بتكلفة تزيد على عشرة مليارات ومائتي مليون جنيه”.

ربما يهدف السفاح السيسي من وراء بناء هذا الكم من المساجد غسل المال السايب، أو التحكم في مساحة التدين الباقية للمصريين، وذلك بغلق جميع المساجد الأخرى أو هدمها أو جعلها فقط للشعائر، وهو ما يعني بناء مساجد الضرار في كل منطقة في مصر.

وأثار سخط الشارع أن خطط حكومة الانقلاب للتوسع في بناء دور العبادة، المسلمة والمسيحية، تتزامن مع أزمة اقتصادية وارتفاع كبير في معدلات الفقر ونقص حاد في أعداد المدارس والمستشفيات ومناشدة وسائل الإعلام التبرع للبسطاء.

وقد تعامل “جمعة” مع الإنفاق على بناء المساجد كإنجاز كبير بتأكيده أن وزارته حققت أرقاما قياسية في معدلات المساجد الجديدة، وتم إنشاء وتجديد وصيانة 9600 مسجد خلال فترة حكم السفاح السيسي، بينها 1200 مسجد في العام الجاري فقط.

وانضمت المساجد إلى قطاعات أخرى تبرهن على وجود خلل في أولويات حكومة الانقلاب، مثل التوسع في شبكات الطرق والكباري ومدن الجيل الرابع، رغم أنها تشارك المواطنين في الشكوى من شح الموارد والعجز المالي وتدني المستوى المعيشي.

وأثارت مبررات الأوقاف عن التوسع في المساجد استياء شعبيا بعدما أُعلن أن الإقبال عليها في عهد السفاح السيسي غير مسبوق، وهي حُجة تلقفها الشارع للسخرية من وزارة الأوقاف، لأنها تحاول ربط التدين بالسفاح الذي يكره الإسلام ودائما ما يحمل المصريين مسئولية الإرهاب على كوكب الأرض.

ويرى متابعون أن غالبية المصريين ليست ضد بناء المساجد أو تخصيص مبالغ مالية لتطويرها، لكن من غير المنطقي تخصيص مبالغ طائلة للإنفاق على قطاع لن ينتشل البلاد من أزماتها المعيشية لمجرد الظهور بأن عصابة الانقلاب ليست ضد الدين.

ويشير هؤلاء المتابعون إلى أن التوسع في المساجد ليس إنجازا لحكومة الانقلاب كما يسوّق وزير الأوقاف لأن ذلك يندرج تحت بند المتاجرة بالدين لتحقيق مآرب سياسية، فالفقراء يتوقون إلى توفير الحد الأدنى من الحياة الكريمة ولو أدوا صلواتهم في الشوارع.

وتدير وزارة الأوقاف في حكومة الانقلاب 150 ألف مسجد، مقابل 3 آلاف مستشفى و56 ألف مدرسة، ما يعكس وجود فجوة بين رؤى حكومة الانقلاب ومطالب الناس الذين لا يتوقفون عن توجيه اللوم إليها جراء تدني الخدمات التعليمية والطبية، خاصة في المناطق الفقيرة.

 

بيع على الورق

يتجاهل السفاح السيسي بأن مصر بحاجة إلى العملة الأجنبية بشكل مُلح، وأن فوائض العملة الخارجية التي لديها تبلغ نحو 24 مليار دولار فقط، وهذه في جزء منها تعود للسعودية والإمارات، التي أودعت في بنوكها بضع مليارات الدولارات دعما لانقلاب 30 يونيو 2013، ولتستخدم كضمانات للقروض التي تنوي أخذها.

مؤخرا، حصلت عصابة الانقلاب على قرض جديد من صندوق النقد الدولي بمبلغ 3 مليارات دولار، الذي سيمتد عدة سنوات، لكنه مبلغ ضئيل مقابل الدين الوطني الذي يبلغ 220 مليار دولار، والذي منه نحو 155 مليار دولار ديونا خارجية.

الأخطر من ذلك أن هذا القرض يأتي مع سلسلة من الشروط التي تعهدت بها عصابة الانقلاب والتي تشمل، ضمن أمور أخرى، تقليصا شديدا للدعم وخصخصة شركات حكومية وتقليص دور الجيش في الاقتصاد المدني وجعل سعر الجنيه المصري غير ثابت مقابل سعر الدولار.

ثمن القرض الباهظ أصبح ملموسا ومخيفا، ومر الجنيه المصري بتغيرات دراماتيكية، الأول في 2016 عندما حصلت عصابة الانقلاب على قرض من صندوق النقد بمبلغ 12 مليار دولار، عندها قفز الدولار إلى 15.5 جنيها، والآن مع التغير الجديد قفز إلى سعر خيالي هو 35 جنيها للدولار، وانخفض إلى 27 جنيها للدولار، وفي هذا الأسبوع قفز مرة أخرى إلى 32 جنيها للدولار.

لم يعد المصريون يعرفون أي الأسعار تنتظرهم في كل صباح وما الذي يمكنهم شراؤه بعد أن فقد راتبهم نحو 30 في المئة من قوته الشرائية، كتب أحد المواطنين في حسابه في تويتر “لا أعرف ما سيبقى معي من المال بعد العودة من السوق، ولا أعرف أيضا ماذا أستطيع أن أشتري؟” بضائع كثيرة تقدر بـ 15 مليار دولار لم يتم تحريرها من الجمارك بعد ، لأن المستوردين يجدون صعوبة في الحصول على الدولارات عقب القيود الجديدة التي فرضتها حكومة الانقلاب على سحب العملة الأجنبية من البنوك.

وتواجه عصابة الانقلاب صعوبات كثيرة في طلب المساعدة من حلفاء العسكر مثل السعودية والإمارات، وفي اجتماع للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، أوضح وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، بأن المملكة من الآن فصاعدا ستغير سياسة مساعداتها الخارجية ، لقد تعودنا المساعدة عن طريق منح وإيداعات بدون شروط، أما الآن فنعمل مع مؤسسات تمويل دولة، ولذلك نقول بأننا نريد رؤية إصلاحات كشرط للمساعدة”.

ستحتاج عصابة الانقلاب إلى عرض شركات ربحية للبيع، من النوع الذي يسيطر عليه الجيش الآن، الذي سبق وأوضح للسفاح السيسي في السنة الماضية بأنه لا ينوي أن يتجرد من أملاكه، الآن يحاول السفاح العثور على حل لا يغضب الجيش، وفي الوقت نفسه يهدئ صندوق النقد الدولي، ويمكن التحايل على ذلك بإقامة شركات خاصة تشتري الممتلكات من الجيش على الورق بشرط أن يواصل الجيش إدارتها .

Facebook Comments