رغم النص الذي وضعه السيسي في دستور 2014 بأن ثورة 25 يناير ثورة شعبية يقدسها المصريون لما مثلته من محاولة تغيير الواقع المصري، إلا أن السيسي وبعد أن استقرت له الأمور باعتقال وتصفية كل قوى الثورة المصرية، كال لثورة يناير المزيد من الشتائم والاتهامات، خلال احتفاله بعيد الشرطة بمقر أكاديمية الشرطة، الإثنين الماضي.

وبالرغم من الأزمة الاقتصادية الشديدة التي تضرب كل المصريين، وتغلغل الغلاء وانفلات الأسعار وندرة السلع الأساسية بالأسواق، وجه السيسي بإنتاج مسلسل ودراما جديدة عن بطولات رجال الشرطة الذين أنقذوا الوطن من الضياع في يناير 2011 وفقا لزعمه. 

وذلك على الرغم من أن ثورة 25 يناير قامت ضد انتهاكات الشرطة لحقوق كل الشعب المصري، قتلا واعتقالا وضربا وإهانة.

وادعى السيسي، الإثنين 23 يناير، أن جهاز الشرطة تم استهدافه بمحاولات عديدة آخرها منذ 10 سنوات، بهدف هدم هذا الجناح والاستيلاء على الدولة، في إشارة إلى ثورة 25 يناير عام 2011، موجها بضرورة إنتاج مسلسل عن الأبطال المصريين من رجال الداخلية الذين ضحوا في سبيل كرامة المصريين والحفاظ على الشعب المصري.

وتناسى السيسي آلاف الشهداء الذين سقطوا في شوارع مصر  بيد الشرطة، في ميدان التحرير  وميادين رابعة العدوية والنهضة والإسكندرية وغيرها. 

وخلال مشاركته في احتفالية عيد الشرطة الـ71، والمقامة في أكاديمية الشرطة ، زعم  السيسي قائلا "كان فيه محاولات كبيرة اتعملت خلال السنين اللي فاتت، وكان آخرها من 10 سنين أو أكتر، الهدم كان هدفه حاجة واحدة أن الجناح ده ميبقاش موجود علشان البلد تتاخد، هو كده للي عاوز يعرف نكسر الشرطة ليه؟ علشان نأخذ البلد نكسر الجيش ليه؟ علشان نأخذ البلد أو نضيّعها".

وتابع السيسي "أتصور إننا محتاجين نطلع الشخصيات دي حتى لو مسلسل 5 حلقات والدراما تشتغل فيها بالصورة اللي إحنا محتاجين، مش نحسنها، لا، نحافظ على حسنها".

 

..وللأزمة الاقتصادية الصبر

وفي الوقت الذي يسرف السيسي في إهدار أموال مصر على مشاريع لا جدوى منها ، وتفاقم أزمات مصر الاقتصادية،  يواصل السيسي إنفاق المليارات على الدراما والأعمال الفنية الملفقة، التي تستهدف تشويه الجميع ، رغم أن صورته الاستبدادية القمعية الفاشلة في إدارة الدولة  باتت واضحة أمام الرأي العام في أنحاء العالم.

وحول الأزمة الاقتصادية، قال السيسي إن "تحقيق الآمال يتطلب جهدا وصبرا وقوة تحمّل أو بكلمات أخرى، يتطلب روح التحدي المصرية الخالدة التي عبرت عنها".

السيسي أضاف "ثقتي في الله، وفي شعب مصر مطلقة بأننا سنعبر، ونتجاوز الأزمة الاقتصادية العالمية وآثارها علينا، بالعمل المخلص، والجهد الذي لا ينقطع، والإيمان بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأننا قادرون على بناء وطن، يحقق آمالنا في الحياة الكريمة، والتقدم والازدهار".

ووفق مراقبين، فإن هذه الكلمات التي تأتي لدغدغة مشاعر المصريين، لم تقدم حلولا للأزمة الاقتصادية المتفاقمة يوميا، فلم يعن السيسي أية إجراءات تخفف الأزمة الاقتصادية، من عينة وقف القروض أو وقف المشاريع الفنكوشية التي أدمنها طوال سنوات وأثبتت فشلها، أو زيادة الدعم التمويني للمواطنين في تلك الظروف وغيرها ، وإنما طالب المصريين بالصبر ، أما هو فيتمتع بالطائرات الفخمة والقصور المشيدة وغيرها.

 

شماعات مختلفة

وكعادته ، حاول السيسي تعليق فشله على شماعات، من حرب روسيا وأوكرانيا، وكورونا وعدد السكان  وقوى الشر والأزمات العالمية، متناسيا ما أكده صندوق النقد الدولي، بأن فشل سياساته الاقتصادية السبب الأساسي لأزمة مصر المالية.

وواصل السيسي أكاذيبه قائلا  "الدولة المصرية جزء من الاقتصاد العالمي، وإحنا جزء من الاقتصاد العالمي، هو أنتو مش بتسمعوا في الأخبار، سواء جورنال أو في التليفزيون إنه فيه اقتصادات كبيرة بتعاني وتتأثر، ومش أذكر أسماء، وفيه دولة كبيرة معرضة أنها مش تدفع الدين الحكومي بتاعها، مش بتسمعوا ده".

وواصل "مؤسسات التمويل الدولية، صندوق النقد الدولي وتداعيات الأزمة العالمية تؤثر على الاقتصاد العالمي، بقول الكلام ده، ماشيين في طريقنا وصامدين، إحنا جزء من الدنيا ومش منفصلين عنها".

واستكمل "شوفوا اللي بيتكلموا، اللي عندهم الظروف دي في دول جنب مننا، وبعضهم من 20 و30 سنة ولم تتجاوزها حتى الآن، مش هقول أسماء دول ومش طبيعتنا نزعل أو نسيء، بقالهم 20 سنة طب أنت إزاي خلصت إزاي، تقفوا وتفكروا إزاي ده حصل.. بالله.. بالله.. بالله".

وتمثل تلك الهرتلة قمة انهيار الدولة المصرية، التي بات رأسها الأذعر الذي لا يملك حلولا لأزمات شعبه، متشدقا بأزمات الآخرين، الذين يواجهون الأزمات الاقتصادية بمنح ومساعدات متواصلة لشعبهم، ورفع الحد الأدنى لرواتبهم بصورة تناسب الغلاء، بينما يواصل السيسي ذبح المصريين بتقليص الدعم وبيع شركات الدولة المنتجة والرابحة، وإهدار الأموال في مشاريع تزيد الفقر وتبعثر أموال الدولة.

 

دراما بمليارات

"لو تعملوا مسلسل حتى 5 حلقات، لكل شخصية من دول، هتعرَّفوا الناس إزاي البلد دي ولَّادة للرجال اللي البلد قدمتهم".

تلك الكلمات التي شدد عليها السيسي خلال احتفاله بيوم الشرطة الذي يحاول به مسح ثورة يناير في ذكراها الـ12، يحاول من خلالها النظام تثبيت روايته، والسعي لترسيخ تاريخ مشوه عن ثورة 25 يناير 2011 في أذهان الأجيال التي لم تعاصرها، بكل الطرق الممكنة؛ خاصة أن الطرف الآخر لا يملك من الإمكانيات، في الوقت الحالي، ما يمكنه من تقديم الرواية الصحيحة للثورة، كما حدثت، كما أن من ينتمون ليناير لم ينتبهوا مبكرا لأهمية التوثيق عن طريق الدراما والأعمال الفنية، التي تدوم وتترك أثرا بالغا في وعي الأجيال.

وخلال سنوات حكم السيسي الماضية، حرصت الشركة المملوكة للمخابرات العامة والتي تحتكر الإنتاج الفني في مصر، على إنتاج مسلسل جديد كل عام للعرض في موسم شهر رمضان لتمجيد الجيش والشرطة، وبدأ هذا التقليد عام 2017، عندما سيطرت المخابرات على سوق الإنتاج، وأنتجت مسلسل "كلبش" بأجزائه الثلاثة وكان عن الشرطة، ثم مسلسل "الاختيار" بأجزائه الثلاثة والذي تناول عمليات للجيش والشرطة وأحداث الانقلاب الذي وقع في 3 يوليو 2013، كما أنتجت الشركة مسلسل "هجمة مرتدة" لتمجيد جهاز المخابرات العامة.

وامتدادا للأعمال الدرامية التي تعيد صياغة الأحداث التاريخية بالطريقة التي تتطابق مع وجهة نظر النظام الحاكم لتلك الأحداث، تقوم الشركة "المتحدة للخدمات الإعلامية" حاليا بإنتاج مسلسل "سرة الباتع" يقول نقاد إنّ الأخير لن يختلف كثيرا من ناحية الرسائل السياسية التي حملها مسلسل الاختيار، لكنه فقط سيكون في إطار درامي مختلف.

يصور المسلسل الذي يخرجه خالد يوسف "بطلا شعبيا مصريا من عصر الحملة الفرنسية على مصر، كان يقاوم الاحتلال، تُربط قصته بقصة أحد أحفاده في العصر الحالي الذي يبحث في تاريخ جده، وفي الوقت نفسه يناضل ضد حكم جماعة الإخوان المسلمين في عامي 2012 و2013".

والمسلسل المأخوذ عن قصة للكاتب يوسف إدريس، تقوم المعالجة التي يشرف عليها خالد يوسف على مشاهد وقصص عن الدور الذي قامت به أجهزة الأمن في أثناء ثورة يناير 2011، وانقلاب 3 يوليو 2013، بطريقة إيجابية، وهو ما يتسق مع تصريحات السيسي التي قالها في حفل عيد الشرطة، الإثنين الماضي، عندما قال إن "ثورة 25 يناير 2011 كان هدفها هدم الشرطة والجيش، وأن الشرطة هي التي أنقذت البلاد من الضياع".

واستمرارا في سياسة إنتاج المسلسلات التي تتحدث عن الجيش والشرطة، تنتج الشركة المتحدة مسلسلا آخر بعنوان "الكتيبة 101" من بطولة عمرو يوسف، وتأليف إياد صالح، وإخراج محمد سلامة، على أن يتم عرضه ضمن أعمال الموسم الرمضاني 2023، لكن مصير المسلسل لا يزال معلقا.

وهكذا يركز السيسي في إهداره الأموال التي قد تصل لنحو 11 مليار جنيه على مسلسلات لتشوية العقل المصري، بهدف أبعد وهو تثبيت حكم المستبد الفاشل.

Facebook Comments