قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن "البساط يسحب من تحت أرجل المصريين بشدة ، فأسعار البقالة ارتفعت بشكل جنوني، والنقود فقدت أكثر من نصف قيمتها عما كانت عليه قبل عام، وبالنسبة للكثيرين أصبح البيض رفاهية، واللحم ليس خيارا مطروحا من الأساس".

وأكدت أن تكلفة شراء البيض واللبن والجبن في الشهر باتت 4 أضعاف ما كان يدفعه المصريون العام الماضي، بينما تضاعفت أسعار اللحوم والدجاج والسمك 3 أضعاف، أما تكلفة جرعات الإنسولين ازداد ثمنها 7 أضعاف.

وعن جملة مصاعب يواجهها المصريون قالت الصحيفة إن "سبب ذلك تراجعت قيمة العملة لأدنى مستوياتها، وارتفاع التضخم الناجم عن ذلك".

وأشارت الصحيفة إلى حذف مقال هذا الشهر يناير يتناول التراجع الاقتصادي الحاد من على الصفحة الأولى لإحدى الصحف الرئيسية، حيث تصبح الرقابة المصرية حساسة بشأن أي حديث عام عن الأزمة، خاصة عندما يقع اللوم على الحكومة.

ولفتت إلى أنه حتى قبل جائحة كورونا التي أضعفت الاقتصاد المصري منذ بدايتها في 2020، قدر البنك الدولي أن نحو 60% من المصريين فقراء، والآن انحدر المزيد إلى مستوى الفقر ، رغم أن مصر مؤخرا دعمت برامج رعاية اجتماعية وأجلت خفض الدعم عن الخبز.

وأدرجت ضمن المعاناة ومسبباتها اتجاه حكومة السيسي للمرة الرابعة خلال 6 سنوات، إلى صندوق النقد الدولي للمساعدة، فقد تلقت 3 مليارات دولار خلال 4 سنوات، وهو مبلغ أقل بكثير من قبل وبشروط أكثر صرامة.

تناقص التبرع

وأوضح التقرير عن ملامح الأزمة أنه في مؤسسة أبواب الخير  التي تدعم 1500 أسرة في مصر  تراجعت التبرعات بينما ارتفعت الأسعار، ويقول مؤسسها هيثم التابعي إنهم توقفوا عن قبول حالات جديدة ورفضوا مناشدات زيادة الدعم النقدي.

ونبهت إلى أن المؤسسة في العام الماضي تلقت الكثير من المكالمات لعائلات من الطبقة المتوسطة الذين لم تعد تغطي رواتبهم العلاج ورسوم المدارس، يقول التابعي "هؤلاء الناس كانوا يستطيعون سد احتياجاتهم برواتبهم، والآن أصبحوا محتاجين".

لن ننجب
ونقلت عن أفراد من الطبقة الوسطى محملين بثقل الرسوم المدرسية والنفقات الطبية، باتت الأمور تتفلت من بين أيديهم، ومن هؤلاء "مي عبد الغني"  30 عاما التي تعمل مسؤولة الاتصالات في مؤسسة غير ربحية بالقاهرة وزوجها مهندس تصميم  يعمل في 4 وظائف لتغطية احتياجاتهم الأساسية، أما خططهم لشراء سيارة وإنجاب أطفال لم تعد قابلة للنقاش هذا العام، وأن جل ما تفكر فيه "كيف سنتمكن بهذه الميزانية من إطعام أنفسنا فقط، ففي كل مرة أذهب فيها للتسوق يغلي الدم في عروقي".

وأضافت "عبد الغني" أنه عندما ارتفعت الأسعار في مارس الماضي، قررت وخطيبها آنذاك الزواج 6 أشهر مبكرا عن الموعد المحدد، كان سباقا ضد التضخم، فقد اعتقدا أن الإسراع بالزواج سيعني دفع إيجار شقة واحدة بدل اثنتين وشراء الأثاث قبل ارتفاع الأسعار بشدة.

وأوضحت أنه شهر العسل في الصعيد، عادا للقاهرة ليجدا ارتفاع تكلفة شراء "مكيفي هواء " تضاعفت، والآن لا يمكنهم إلا شراء واحد فقط.

وتابعت "عبدالغني" "حصلت مؤخرا على درجة الماجستير من جامعة بريطانية كانت لتضمن لها مستوى الطبقة المتوسطة  "ترتفع الأسعار بجنون كحمى لا يمكن السيطرة عليها، هذا ليس طبيعيا، أن أدفع كل هذا المال لمجرد شراء الأساسيات فقط".

أصبحت عبدالغني وزوجها يستخدمان المواصلات العامة بدلا من "أوبر" وتوقفا عن تناول اللحوم نصف الأسبوع، ورغم كل ذلك تقدر عبد الغني أنهما ينفقان 4 أضعاف ما كانا ينفقانه على الطعام والمواصلات من قبل.

ولفت التقرير إلى تسريح زوج "عبد الغني" من 4 وظائف مختلفة تحاول الشركات خفض النفقات، والآن يعمل في 4 وظائف جديدة، فيعود من مكتبه في الـ6 مساء، ليعمل عن بعد حتى الـ1 صباحا.

تلفت "عبدالغني" إلى أن الجميع في الأسواق يتحدثون عن ارتفاع الأسعار ، ولا يصدقون كيف سيستمرون في حياتهم بهذا الشكل.

مشاريع بلا جدوى
وحملت الصحيفة السيسي المسؤولية فقالت إنه "تحت حكم السيسي، أنفقت مصر المليارات على مشاريع ضخمة لامعة مثل العاصمة الإدارية الجديدة والطرق السريعة والكباري والقصور الرئاسية، بدعوى أنها ضرورية للتنمية، هذه المشاريع ممولة بالديون، ولم تقدم أي إنتاج مفيد من وظائف أو إسكان أو غيرهم من المكاسب، والآن بحسب شروط القرض فإن مصر قد تعهدت بخفض الإنفاق".

وأوضح التقرير أن رغم تحرك بطئ بعد قرض صندوق النقد الأخير، ببدء الاستثمارات الأجنبية في العودة، والدولار يتدفق بخروج البضائع المستوردة من الموانئ، زادت الآمال بتراجع التضخم الذي وصل إلى أعلى مستوياته في الـ5 سنوات الأخيرة بنسبة 21%.

وأضاف أن معاناة معظم المصريين مستمرة كما كانت منذ سنوات حيث تضيق الحكومة الإنفاق على الصحة العامة والتعليم والإعانات، ورغم قرض صندوق النقد الدولي في 2016 بقيمة 12 مليار دولار، فإن الاقتصاد لم يتمكن من توفير وظائف ثابتة أو يقلل نسبة الفقر.

 

أزمة حقيقية 
واستدعت الصحيفة تيموثي قلدس، المحلل بـمعهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط ومقره واشنطن، الذي أكد أن النظام في أزمة حقيقية، فبسبب تصرفات النظام المتهورة في إدارة الاقتصاد، أصبحت مصر ضعيفة للغاية، هذه الصفقة مع صندوق النقد الدولي تمنعهم من السقوط، لكنها تفرض شروطا كثيرة لم تفرضها من قبل".

وأضاف أن "صندوق النقد الدولي بنى آليات لمراقبة وتنفيذ الصفقة لا تترك لمصر خيارا إلا الإذعان، ورغم أن قطاعات الجيش قد تقاوم ذلك، فإن انتقاد الشخصيات الموالية للحكومة ، يشير إلى أن بعض من في السلطة يفهمون حاجة الاقتصاد إلى التغيير".

أما سارة سمير باحثة في مبادرة هارفرد للشرق الأوسط فقالت إنه "حتى لو التزمت مصر، فقد يستمر الجيش في السيطرة على الأصول ببيعها إلى شركات خاصة يرأسها ضباط متقاعدين، فالجيش بالفعل يسيطر على بعض الشركات الخاصة ظاهريًا ويقودها هؤلاء المتقاعدون".

وأضافت "لم تتعهد مصر بكبح جماح سيطرة الجيش على الأراضي والموارد الطبيعية التي تعد أكثر قيمة من شركاته التجارية، مشيرة إلى أن تجريد امتيازات هذه المجموعات (الجيش) ليس واقعيا من الناحية السياسية".

وأوضحت "حتى لو خُصصت جميع الشركات التابعة رسميا للجيش ، وهو أمر لن يحدث في المستقبل المنظور ، سيظل ذلك مجرد جزء صغير نسبيا من الموارد الاقتصادية التي يسيطر عليها الجيش".

كانت حكومة السيسي  الذي وصل إلى السلطة في انقلاب عسكري عام 2013  قد سلمت مساحات ضخمة من موارد مصر للجيش الذي يدير اقتصادا موازيا منذ فترة طويلة، هذه الأصول تضمنت مصانع مكرونة وأسمنت مملوكة للجيش وفنادق وإستديوهات سينما، كان الخبراء قد حذروا من أن هذا النمو يخنق البلاد، بحسب الصحيفة.

إجبار صندوق النقد
وعن شروط صندوق النقد، قال التقرير إن "مصر التزمت باستخدام الدولار منذ فترة طويلة لدعم الجنيه، للحفاظ على قدرة مصر على استيراد البضائع، وقد أجبرها صندوق النقد الدولي على تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار دون تدخل".

أما الشرط الثاني ، فكان طلب صندوق النقد الدولي من مصر بيع بعض الشركات المملوكة للدولة لجمع المال وتجريد الشركات المملوكة للجيش من الإعفاءات الضريبية وغيرها من الامتيازات، والسماح للشركات الخاصة بالمنافسة، مع إشارة التقرير إلى أن ذلك مطلب يضرب هيكل السلطة.
 

أسباب خارجية
ولفت التقرير إلى أن ازدياد استياء العامة أدى للإطاحة بالرئيس مبارك من قبل في ثورة 2011، ولكن حكومة السيسي تلقي باللوم في هذه الأزمة على حرب أوكرانيا والجائحة، بينما تنشر القنوات التليفزيونية التابعة للدولة مقاطع للأوروبيين وهم يشكون من التضخم، لتذكير المصريين بأنه حتى الدول الغنية تعاني أيضا.

وقال السيسي في خطابه الأسبوع الماضي "هل خضنا مغامرة بددنا فيها أموال مصر؟ لا، فالظروف صعبة على العالم كله، هذه الأزمة ليست أزمتنا، لكن مصر تدفع الثمن مثلما تدفعه جميع دول العالم"، كما وبخ المصريين القلقين على وسائل التواصل الاجتماعي مطالبا إياهم أن يصمتوا.

وعن واقع ذلك لفت التقرير إلى أنه حتى الأصوات التابعة للحكومة بدأت في الشكوي، فقال عمر أديب "في كل بيت مصري، غني أو فقير، هناك حالة قلق وخوف من المستقبل".

أما المحللون فقالوا إن "وعود مصر بزيادة نمو القطاع الخاص قد يجني ثماره خلال سنوات، إذا لم تخدعهم الحكومة أو تماطل مثلما فعلت من قبل، ونظرًا لهيمنة الجيش فمن غير المرجح أن يتنازل عن امتيازاته وأرباحه بسهولة".

بداية أزمة

بدأت الأزمة تلوح في الأفق شهر فبراير الماضي عندما غزت روسيا أوكرانيا لتزلزل دول الشرق الأوسط، ففي مصر، كشفت الحرب عن العيوب العميقة لطريقة إدارة عبد الفتاح السيسي ومساعديه للاقتصاد، مما يعرض قيادتهم الاستبدادية لمستويات خطيرة من غضب العامة وشركائهم في الخارج.

وأنه عندما اندلعت الحرب، اختفى السياح الروس والأوكرانيون الذين كانوا يشكلون ثلث زوار مصر، بالإضافة إلى القمح المستورد الذي يطعم السكان، هربت الاستثمارات الأجنبية ومعها نحو 20 مليار دولار.

واضطرت حكومة السيسي بحسب التقرير للالتزام بتغييرات طويلة المدى قد تحقق النمو في النهاية عند الالتزام بها، لكنها تسبب معاناة المصريين الآن.

وأشارت إلى اعتماد مصر بشدة على البضائع الأجنبية، ما أدى لمزيج من التحديات منها إلى كارثة تمثلت في؛ ندرة الدولار وارتفاع أسعار الاستيراد والمدفوعات المستحقة نظرا للديون الحكومية الهائلة.

Facebook Comments