«الأمن الوطني» يجبر «نقابة الأطباء» على حذف بيان اتهام الشرطة بقتل «طبيب جمصة»

- ‎فيتقارير

كشف عضو نقابة الأطباء أحمد حسين، الذي استقال من المجلس، السبت غرة إبريل 2023م، أن حذف نقابة الأطباء بيانًا حول تقدم النقابة ببلاغ ضد مأمور قسم شرطة جمصة وآخرين، في واقعة وفاة طبيب نفسي خلال حبسه، جاء بعد ضغوط أمنية على مجلس النقابة.

وكانت نقابة الأطباء قد أصدرت الخميس 30 مارس 2023م بيانا اتهمت فيه مأمور قسم شرطة جمصة وجميع الضباط وأفراد الشرطة الموجودين بالقسم في المدة من 28 فبراير حتى مارس الماضيين، بقتل استشاري الطب النفسي رجائي وفائي، عمدًا، بتعذيبه نفسيًا وبدنيًا خلال حبسه احتياطيًا في قضية خطأ طبي، ما ترتب عليه إعيائه الشديد ووفاته. وطالبت النقابة النائب العام في بلاغ قدمته الخميس الماضي، بإجراء تحقيق عاجل مع جميع مسؤولي قسم الشرطة. وقالت إنها تقدمت ببلاغ إلى النائب العام ضد مأمور القسم وضباطه وجميع أفراد الشرطة بالقسم، للتحقيق معهم بشأن تعذيبهم نفسيًا وبدنيًا الطبيب ضحية التعذيب. واستشهدت النقابة في بيانها بأسانيد قانونية من «الإعلان القومي لحقوق الإنسان»، غير أنها حذفت نسخ مختلفة من البيان من على صفحة فيسبوك، السبت وإن كان لا يزال منشورًا على موقعها الإلكتروني حتى كتابة هذه السطور.

وكان حسين قد أعلن السبت استقالته من مجلس نقابة اعتراضًا على ما وصفه بـ«الرضوخ للضغوط من خارج المجلس» وحذف بيانات النقابة. بينما أوضح ــ حسب موقع «مدى مصر» ــ أنه تلقى مكالمة هاتفية من ضابط بقطاع الأمن الوطني يطلب منه حذف بيان النقابة، مساء الجمعة الماضية، متسائلًا: «ما انتو قدمتوا البلاغ، لازمته إيه التفاصيل بتاعة حقوق الإنسان والدستور والقانون»، وحاول حسين إيضاح أن النصوص المذكورة كانت الأسانيد القانونية التي استند إليها البلاغ لكن الضابط صمم على حذف البيان وهو ما اعترض عليه حسين.

من جانبها، نفت الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، صباح السبت، وفاة الطبيب نتيجة عدم تقديم الرعاية الطبية له، مدعية في بيانها أنه أصيب بإعياء ونقل إلى المستشفى «بشكل فوري»، لكنه توفي نتيجة أزمة تنفسية حادة. وفي محاولة للتهرب من المسئولية عن الجريمة، استشهد بيان الوزارة بعدم اتهام زوجة الطبيب أحدا بالتسبب في وفاته. لكن البيان لم يذكر أسباب ذلك فقد يكون بسبب يأس الزوجة من انعدام العدالة وقد يكون يكون بسبب ضغوط أمنية تعرضت لها وهذا سلوك معروف عن أجهزة النظام الأمنية وهم يعلمون ذلك علم اليقين!

ونشرت النقابة السبت بيانًا مقتضبًا وصفته بـ« التوضيحي»، بعد استقالة حسين بدقائق، لم تتطرق فيه إلى حذف البيانات السابقة، أو استقالة عضو المجلس، مكتفية بالإشارة إلى تمسكها بدعم أسر الأطباء في إطار الالتزام بالقانون والمسارات المشروعة، مؤكدة أن تقدمها بالبلاغ كان بناءً على شكوى زوجة الطبيب للنقابة، واصفة ما ورد ببلاغ النقابة للنائب العام بـ«اتهامات للتحقيق فيها لا تحمل الإدانة كما لا تحمل التبرئة».

 

النقابة تدار من الأمن الوطني

قرار حذف البيانين جاء بعد أغلبية تصويت من أعضاء مجلس النقابة البالغ عددهم 24 بالإضافة للنقيب، حسبما قال حسين. وشدد حسين على أن قرار استقالته لا علاقة له بقرار حذف البيان، أو الاعتراض على أداء مجلس النقابة، لكنه احتجاجًا على ما وصفه بـ«الضغط المتكرر في مناسبات مختلفة من قطاع الأمن الوطني في العمل النقابي، والتهديدات والتوجيهات في أمور نقابية بحتة لا علاقة لها بأمن أو بخرق قانون، ومحاولات الجهات الأمنية وأد أي مطالب للفئات المختلفة»، مضيفًا «مش بيتدخلوّا بشكل قانوني من خلال قرار أو ورق رسمي، لكن توجيهاتهم بتيجي عن طريق تليفونات مش رسمية ومش ودودة وتحمل تهديدات مبطنة وغير مبطنة».

في السياق امتنع أعضاء مجلس النقابة عن التعليق على الجريمة، كما لا تزال أسرة الطبيب القتيل تعذيبا تمتنع عن الإدلاء بأي تصريحات؛ الأمر الذي يفهم منه أن أعضاء النقابة خائفون من الصدام مع الأمن الوطني. أما الأسرة فيبدو أنها مصدومة ويائسة، وقد تكون تعرضت لضغوط شديدة من أجل السكوت.

والخميس الماضي حدد عضو مجلس نقابة الأطباء ومقرر لجنة الحريات المستقيل، أحمد حسين، ملابسات التعذيب كما روتها زوجته وبعض الأشخاص الذين كانوا موجودين معه بمحبسه، في التحقيقات التي أجرتها  النيابة بعد وفاة الطبيب، قبل أن تصدر النيابة قرارها بدفن جثمان الطبيب.  وقال حسين إن زوجة الطبيب أحاطت النقابة بأنها عندما عاينت جثمانه، اكتشفت أنه تم حلق شعره في قسم الشرطة، مضيفة أن مسؤولي القسم منعوه من قضاء حاجته بدورة مياه مناسبة له، حيث أن الموجودة بالمحبس لا يمكنه استخدامها نظرًا لوزن الطبيب الذي يتعدى 160 كيلو جرام، وإصابته بأمراض الضغط والسكري وتيبس بمفاصل الركبة وغضاريف عنقية ضاغطة على الحبل الشوكي. ونقل حسين عن زوجة الطبيب أن مسؤولي قسم شرطة جمصة كانوا يعاملون الطبيب معاملة مهينة، وعلى أثر التعذيب البدني والنفسي ساءت حالته ونقل إلى مستشفى جمصة، ومنه إلى مستشفى بلقاس لوجود ارتشاح بالرئتين وحاجته لدخول العناية المركزة إلا أن توفى قبل الوصول إلى المستشفى الأخير.

وشدد حسين  على أن معاملة  مأمور وضباط قسم شرطة جمصة للطبيب المتوفي خلال مدة حبسه على ذمة قضية مهنية تعد انتهاكًا لجميع المواثيق والمعاهدات الدولية التي تناهض التعذيب بكافة أشكاله التي التزمت بها مصر، وكذلك انتهاكًا للدستور المصري الذي تضمن العديد من المواد التي تحمي حقوق الإنسان، مطالبًا النائب العام بتوجيه تهمة القتل العمد المنصوص عليها في المادة 126 من قانون العقوبات لهم.

وتعود أحداث الواقعة التي حبس على إثرها الطبيب المتوفى احتياطيًا إلى 28 فبراير الماضي(2023)، حين أخبر فريق التمريض ـ حسب محامي الأسرة ــ وفائي بأن مريض محجوز بالمستشفى الذي يمتلكه بالمنصورة يعاني من إعياء شديد، وعند كشف وفائي عليه تبين أن المريض الذي كان يعالج من الإدمان يعاني من ارتفاع شديد في ضغط الدم، بعدها بنقل المريض بسيارته الخاصة إلى مستشفى جمصة. ولكن محاولات إسعاف المريض بالمستشفى لم تفلح، وتُوفي في الحال. وفور الوفاة أبلغ المستشفى النيابة العامة، وتحفظت قوات الشرطة الموجودة به على الطبيب، وعرض على النيابة في نفس اليوم، لتقرر حبسه أربعة أيام لحين صدور تقرير الطب الشرعي للمريض المتوفى، كما أمرت إدارة العلاج الحر بالمحافظة بتفتيش المستشفى الذي يمتلكه وفائي وتحليل الأدوية، التي صُرفت للمريض خلال مدة وجوده بالمستشفى. وبحسب المحامي جددت النيابة حبس الطبيب في الأول من مارس الماضي 15 يومًا،  على ذمة محضر برقم 209 لسنة 2023، وحبس بقسم شرطة جمصة، وخلال وجوده بالقسم شعر الطبيب بإعياء شديد، مساء 5 مارس الماضي، ونقل إلى مستشفى جمصة وبالكشف عليه تبين أنه يعاني من أزمة تنفس حادة وارتفاع في الضغط والسكر، وحاول الأطباء بالمستشفى نقله إلى مستشفى بلقاس، لأن بها تجهيزات أفضل، لكن قلبه توقف وتُوفي فجر 7 مارس.