صنيعة مخابراتية وتمويل أجنبي.. لماذا لم تظهر «تمرد» في السودان ؟

- ‎فيتقارير

تلاشت حركة "تمرد" مبكرا في مصر بعد انقلاب 30 يونيو 2013، وهي التي مهدّت لاحتجاجات شعبية للقيام ضد حكم الرئيس الشهيد محمد مرسي، بتصدرها المشهد قبل الانقلاب بنحو شهرين، وكانت ممولة بالكامل من دولة الإمارات، ومن الصدف الغريبة أن يتشابه مؤسس تمرد في مصر ومؤسس الدعم السريع في السودان، فكلاهما لم يكن له أي رصيد سياسي سوى الإتيان بهما من المجهول إلى صدارة المشهد.

ربما الظرف السياسي في مصر بوصول رئيس مدني منتخب بعد ثرة 25 يناير 2011، كان صادما لخطط الصهيونية الأمريكية الخليجية، ومناسبا لظهور "تمرد" في ذلك التوقيت، وهو ما لم يتوفر في السودان التي يخوض شعبها معركة شرسة ضد جنرالات يتقاتلون فيما بينهم خدمة لأجندات خارجية لا تريد للشعب السوداني خيرا.

 

لم تتلاش

لم تجد الإمارات الوقت لتأسيس "تمرد" سودانية على الطريقة المصرية، لأن المواجهة في مصر كانت بين جنرالات ثورة شعب، أما في السودان فتدور بين جنرالات وميلشيا صنعها الجيش السوداني، ثم بين هذا الفريق العسكري وبين الشعب، ويمكن  القول إن: "قوات الدعم السريع هي ذاتها "تمرد" الإماراتية ولكن بصورة عسكرية دموية".

ونشأت "قوات الدعم السريع" عن مليشيات "الجنجويد" التي عملت كحليفة للقوات المسلحة السودانية النظامية في حرب دارفور، حتى تأسيسها كان بقرار من عمر البشير قبل ما يناهز عشر سنوات؛ فهي وليدة مشروع استبدادي كانت القوات المسلحة عموده الفقري.

وتطورت "قوات الدعم السريع" بصورة قوات الظل بالنسبة للجيش، وباتت تسيطر على إمبراطورية اقتصادية، يغلب عليها طابع المافيا بمحاذاة الإمبراطورية الاقتصادية الرسمية التي يملكها الجيش السوداني أسوة بنظيره المصري.

وارتدت "قوات الدعم السريع" بزعامة محمد حمدان دقلو على البشير وتخلت عنه، على غرار الجيش النظامي، بعدما تأكد أن رصيده السياسي نضب؛ إثر اندلاع الثورة السودانية في نهاية عام 2018، فشاركت بالإطاحة به إلى جانب الجيش في مثل هذا الشهر قبل أربع سنوات.

ووحد الجيش مع "قوات الدعم السريع" موقفهما في وجه تصاعد المد الثوري السوداني وتجذره، فأوكل الجيش إلى قوات الدعم السريع الدور الرئيسي في محاولة القضاء العنيف على اعتصام القيادة العامة بعد الإطاحة بالبشير بأقل من شهرين؛ إدراكا منه أن قوة من المرتزقة القبليين أقل عرضة للتعاطف مع الجماهير الثورية مما هم الجنود وضباط الصف في القوات النظامية.

يقول السياسي المصري والعضو السابق بجبهة الضمير، عمرو عبد الهادي في تصريحات صحفية، إن: "الحقيقة أن حركة تمرد لم تتلاش من مصر، بل انتهى دورها".

وتابع بأن "بعض أعضائها المعروفين ما زالوا يأكلون من التورتة، مثل محمود بدر الشهير "ببانجو"، الذي أصبح نائبا ورجل أعمال يملك مصانع".

وأضاف "كذلك محمد نبوي الذي تم حبسة بتهمة الإتجار في المواد المخدرة، وكعادة كل المدنيين الذين يعيشون في لحاف العسكر، يتم استخدامهم ثم الزج بهم في أقرب قمامة، وهو ما حدث مع الجميع، والذكي منهم أخذ نصيبه من ملايين الإمارات، وتوارى عن الأنظار".

واختتم حديثه بالقول إن "السيسي لم يكن ليسمح باستمرار الحركة، فهو لا يعترف إلا بنفسه، فهو الحزب والرئيس والناخب ولا مكان للآخر، حتى عمرو موسى بعد أن عدل دستور 2012 بعد الانقلاب أعلن أنه سيؤسس جمعية للرقابة على الدستور، ثم توارى عن الأنظار".

 

الإمارات والمخابرات

وشكك البرلماني المصري السابق، محمد عماد الدين، في طبيعة نشأة حركة تمرد ، قائلا: "في البداية، يمكن القول إن شباب حركة "تمرد" لا يُعرف له توجه سياسي أو أيديولوجي، أو أي نشاط سياسي قبل بدء تجميعهم التوقيعات للإطاحة بالرئيس بمرسي؛ لذلك كانت حملة تمرد وهمية وصناعة مخابراتية؛ بدليل تلميعها إعلاميا، واهتمام قادة الانقلاب العسكري بها".

وأضاف "كانت في الأساس صناعة المؤسسة الأمنية والعسكرية، وبتمويل من دولة الإمارات، ورجال دولة مبارك العميقة، بالإضافة إلى دعم تيارات وقوى وشخصيات بارزة في المعارضة، أبرزها جبهة الإنقاذ الوطني، وحركة كفاية، والجمعية الوطنية للتغيير، ونقابة المحامين، ورئيس حزب الدستور الدكتور محمد البرادعي، ومؤسس التيار الشعبي حمدين صباحي.

وتابع "كان هدف الأجهزة الأمنية غير المعلن عبر الحركة هو الحصول على ما يكفي من الزخم الشعبي؛ لتحفيز الجيش على التدخل لإسقاط الرئيس مرسي، وبالفعل وفرت حركة "تمرد" الغطاء الشعبي للانقلاب"، مشيرا إلى أن "الحركة شهدت بعد الانقلاب انقساما، على خلفية إعلان عدد منهم دعم صباحي في الانتخابات الرئاسية، في حين أيد البعض الآخر ترشح السيسي".

وأوضح عماد الدين أنه "في 29 يناير 2015، رفضت المحكمة الإدارية العليا تأسيس "حزب الحركة الشعبية العربية" الذي يمثل حركة "تمرد" ورفض النظام العسكري إقامة حزب لتمرد، يأتي في سياق إسدال الستار على هذه الأداة التي قامت بدورها".

وكما تلاشت "تمرد" في مصر بأوامر من صنعها وأنفق عليها وزج بها في الشارع الثوري المصري، تواجه "قوات الدعم السريع" أو "تمرد العسكرية" السودانية ذات المصير، ولذلك فإنها تقاتل بقوة الجيش الذي صنعها وأطلقها على الشعب السوداني، وقلبت الطاولة على الجميع.