أصيب المئات من أهالي المعتقلين السياسيين بسجن القناطر بمحافظة القليوبية بصدمة كبيرة خلال الأيام الماضية حين اكتشفوا أن سلطات الانقلاب قامت بترحيل المئات من المعتقلين الرجال إلى سجون آخرى تمهيدا لإغلاقه دون إبلاغ الأهالي قبل تنفيذ القرار الصادم.
وحسب الشبكة المصرية لحقوق الإنسان فإن حالة من الغضب انتابت المئات من أهالي المعتقلين في سجن القناطر للرجال، وذلك بعد قيام السلطات الأمنية بترحيل عشرات المعتقلين من سجن القناطر للرجال 1، إلى عدد من السجون الأخرى (سجون برج العرب، جمصة، وادي النطرون، ودمنهور) دون السماح أو إبلاغ ذويهم بمعرفة السجون التي رُحلوا إليها. وعلقت الشبكة على عملية الترحيل، "الإخلاء يأتي كإجراء تمهيدي لتنفيذ القرار الذي اتخذته وزارة الداخلية بإغلاق عدد من السجون المصرية القديمة، من بينها سجن القناطر". ودعت الشبكة، أهالي السجناء الذين يودّون الاستعلام عن أماكن ترحيل ذويهم، التوجه إلى مقر مصلحة السجون خلف سجن طرة جنوبي القاهرة، إذ أنه يحق لكل أسرة سجين مُرحل إلى السجون، زيارة بعد مرور 12 يوما من ترحيله.
وأنشئ سجن القناطر رجال بموجب قرار وزير الداخلية رقم 1726 لسنة 2009، بإنشاء السجن العمومي للرجال رقم 1 بمنطقة القناطر الخيرية، لتنفذ فيه الأحكام الصادرة ضد الأشخاص الوارد ذكرهم في المادة الثالثة من القانون رقم 396 لسنة 1956 في شأن تنظيم السجون. ويقع السجن في مدينة القناطر الخيرية بمحافظة القليوبية. وحسب مرصد أماكن الاحتجاز التابع للمفوضية المصرية لحقوق الإنسان نقلا عن شهادة سجناء سابقين، حدثت اعتداءات متكررة على السجناء السياسيين، شملت الضرب وإحداث حروق في الأعضاء التناسلية لسجناء باستخدام الصواعق الكهربائية والاغتصاب.
وكان ريان والش، الباحث في "معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط" بواشنطن (TIMEP)، قد نشر في إبريل 2023م، تقريرا عن أوضاع السجون في مصر مؤكدا أنه في الوقت الذي يعاني فيه عشرات الملايين من المصريين من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية فإنها بيزنس السجون يزدهر بشدة داخل السجون المصرية. وأضاف أنه "وفقا لخمسة سجناء سابقين جرت مقابلتهم عام 2022، وقضوا فترات متفاوتة محتجزين في السجون المصرية، وبينها سجن طرة سيئ السمعة (جنوبي القاهرة)، فإن الحراس والمسؤولين الإداريين يطالبون بتنازلات مالية (رشاوى) من المحتجزين المستضعفين وعائلاتهم". ونتيجة لذلك، فإن "المسؤولين المكلفين بالإشراف على المحتجزين في مصر، والذين يقدر عددهم بنحو 120 ألف محتجز، يستفيدون بشكل روتيني من نظام معاملات السوق السوداء" داخل تلك السجون، بحسب والش. وأردف أن هؤلاء المعتقلين السابقين تحدثوا عن "تبادل شبه مؤسسي للسلع والخدمات؛ بما يعمل في النهاية على ملء جيوب حراس السجن ورؤسائهم".
وتحدث والش عن بيزنس الكانتين والزيارات؛ حيث يشير الباحث إلى أن "اقتصاد السجون" في مصر يمكن تقسيمه إلى جانبين متكاملين، وكما وثقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (غير حكومية) في تقريرها لعام 2018 حول مجمع سجن طرة، فإن مقصف السجن (الكانتين) الذي يسمح للمحتجزين بشراء سلع معينة تحت اختصاص إدارة السجن يبيعها لهم بأسعار أزيد بما بين 20% و25% عن خارج السجن. وأردف أنه ثمة تكهن بأن الأرباح يحصل عليها حصرا كل من مأمور السجن ورئيس المباحث، علما بأن "الكانتين" مسؤول أيضا عن توفير أموال لبعض التجديدات في السجن، وبينها تغيير بلاط الزنزانة وتحسين المراحيض وتركيب مراوح سقف.
ووفقا لسجين سابق، فإن رئيس المباحث مسؤول إلى حد كبير عن التعامل مع العمليات اليومية فيما يتعلق بالسجناء، بينما يقتصر دور المأمور على الالتزامات البيروقراطية؛ "مما يسمح بأن تدخل أرباح الكانتين في اختصاص كل منهما". أما السلع غير المتوفرة في "الكانتين"، وبينها أطعمة ومنتجات نظافة وأدوات الطهي، فتوفرها العائلات لأحبائها خلال الزيارات، بحسب والش.
وأوضح أن حراس السجون يستغلون غياب التنظيم والانضباط ويطالبون برشاوى مالية من السجناء وعائلاتهم للسماح بتواجد تلك المستلزمات داخل السجون، لهذا يتطلب حفاظ السجين على أشياء عديدة داخل السجن أن يدفع إلى مسؤول أو آخر. وأفاد بأن غالبية الرشاوى التي قدمها سجناء كانت بهدف إعادة شراء الحقوق التي يحميها الدستور وأنظمة السجون.
وأوضح والش أن العائلات التي لا تقدر على دفع هذه العمولات وتلك الرشاوى يتعرضون لصنوف من الإذلال وسوء المعاملة؛ حيث يقوم حراس السجن بتقييد الزيارات العائلة التي تقل عن الحد الأدنى. وتابع أن زوجات محتجزين ذكرن أنه يتعين عليهن دفع أموال لتجنب التحرش الجنسي أو الانتهاك الجسدي من جانب حراس الأمن خلال عمليات التفتيش عند الدخول. كما أنه عندما تُحضر العائلات طعاما وضروريات أخرى لأحبائهم، يتم تقديم بعض منه إلى الحارس حتى لا يضع يديه في طعام السجين أثناء تفتيش الأغراض، بحسب والش.
وأردف أنه يُزعم أن سرقة الطعام والأدوية التي يتم تسليمها كانت منتشرة في أحد سجون طرة لدرجة أن أفراد أسرة لجأوا إلى إرفاق "قائمة جرد" حتى يعرف المحتجز ما إذا كان هناك شيئا مفقودا. ولا تقتصر المعاناة عند هذا الحد، فمع ظهور سجون جديدة في جميع أنحاء مصر، دأبت وزارة الداخلية على نقل سجناء إلى سجون جديدة، وأحيانا على بعد ساعات من منازلهم؛ مما يحمل العائلات عبئا ماليا إضافيا، بحسب والش.
وحسب ورقة بحثية صادرة عن مبادرة الإصلاح العربي في فبراير 2023م، وهي مركز أبحاث مقره باريس، قدرت فيها عدد السجون الجديدة التي أقامتها الحكومة بين عامي 2013 و2021 بنحو 168 سجنا بينها 49 تحت إدارة هيئة السجون و30 سجنا تحت إدارة هيئات أخرى.
وتتغاضى وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب عن نشر أعداد المسجونين منذ أكثر من ثلاثة عقود، بالإضافة إلى غياب المعلومات المتاحة عن أوضاع المساجين في تلك السجون. وتؤكد تسريبات المعتقلين السياسيين أن التعذيب بات أشد قسوة في السجون الإلكترونية الحديثة؛ وتدهور أوضاع حقوق الإنسان هو السلوك الغالب على تعامل الداخلية حتى وصل الأمر ببعض المساجين إلى محاولة الانتحار داخل السجون الجديدة التي افتتحتها «الداخلية» في الفترة الماضية واحتفت بها كـ«أماكن احتجاز مثالية». وأشار عدد من أهالي المحتجزين في تلك السجون الجديدة إلى أن التجهيزات التكنولوجية التي تتمتع بها تُستخدم كوسائل لانتهاكات حقوق المساجين بدلًا من تحسين ظروف احتجازهم، إضافة إلى استمرار بعض الانتهاكات الأخرى المعتادة (مثل المنع من الزيارة أو الحرمان من التريض، أو تدني الرعاية الصحية)، والتي لم تتغير مع انتقال المحتجزين إلى هذه السجون الجديدة. بينما وصفت منظمات حقوقية «سجن بدر»، وهو أحد السجون الجديدة، بـ«جوانتانامو» وذلك في إطار توثيقها لانتهاكات واسعة أفضت إلى موت عدد من السجناء خلال الشهور الماضية.
