زعم أنه 450 مليار دولار.. “صندوق النقد يكذب السيسي: تأثير الثورة على الاقتصاد طفيف

- ‎فيتقارير

على عكس ما يروج زعيم عصابة الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، وأجهزته المخابراتية والأمنية على مدار العقد الماضي بأن ثورة 25 يناير2011م تسببت في خسائر كبرى للاقتصاد المصري تقدر حسب السيسي بنحو 400 إلى 450 مليار دولار؛ ينفي صندوق النقد الدولي ذلك مؤكدا أن تأثير الثورة على الاقتصاد المصري طفيف وفقا للآليات التي وضعها الصندوق لحجم النمو الذي كان متوقعا  في حالة عدم اندلاع الثورة  مقارنة بما جرى تحقيقه بالفعل ومقارنة بدول مشابهة لم تتأثر بمعيار الثورة كعامل مؤثر في معدل النمو.

وفي سبتمبر 2022، قال السيسي إن ما حدث في 25 يناير كانت آثاره مدمرة على الاقتصاد المصري، مضيفا أنه وفق حساباتهم فقد بلغت الخسائر 450 مليار دولار دون أن يوضح كيف تم احتساب مثل تلك الأرقام التي كشف عنها. لكن صندوق النقد يكذب هذه المزاعم مؤكدا أن تأثير الثورة على الاقتصاد المصري طفيف ولا يصل إلى هذا الرقم مطلقا.

ويقدر صندوق النقد الدولي حجم الخسائر التراكمية التي أصابت الاقتصاد المصري خلال العقد التالي لثورة 2011 بحوالي 10% فقط مما كان من الممكن تحقيقه بشكل واقعي في غياب أحداث سياسية حادة، وذلك في تقرير نُشر الأحد 10 يونيو2023م. واحتسب الصندوق أثر الربيع العربي على اقتصاد مصر، اعتمادًا على منهجية مُستحدثة خصيصًا لتقييم الآثار المماثلة، من خلال مقارنة الاقتصادات المتأثرة بصدمات مفاجئة مع عدة اقتصادات أخرى مشابهة ولم تتأثر بتلك الصدمات. ويشمل المقياس عدة تقديرات إحصائية منها سعر ثابت للدولار كعملة عالمية، ونمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

وانتهت تقديرات الصندوق إلى أن الاقتصاد المصري كان سينمو في حالة عدم قيام الثورة من 9.2 نقطة على مقياس الصندوق، في 2010 ليصل إلى 9.38 نقطة تقريبًا بحلول 2020. لكن ما حدث أدى إلى تباطؤ نموه ليصل إلى 9.28 نقطة تقريبًا فقط، بفارق 0.1 نقطة. ما يخلص إليه التقرير يختلف مع تقديرات السيسي، الذي كرر أكثر من مرة أن تأثير ثورة 2011 كان كبيرًا للغاية، وقدره بـ400 مليار دولار، دون كشف طريقة حساب هذا الرقم.

وحسب بيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي في 2010، العام السابق على الثورة، 288 مليار دولار تقريبًا، وارتفع خلال العشر سنوات التالية ليصل في 2020 إلى 412 مليار دولار، بافتراض ثبات سعر الدولار خلال تلك المدة، وهو ما يعني نمو الناتج الإجمالي بحوالي 45%. في ضوء هذا، فإن خسارة الاقتصاد 400 مليار دولار بحسب سيناريو السيسي تعني أن الناتج المحلي الإجمالي كان سيصل إلى أكثر من 680 مليار دولار، بنمو يبلغ 136%، ما يوسع الفارق بين ما تحقق فعليًا وما كان ممكنًا تحقيقه إلى حوالي 91%، وهو التقدير الذي لا يتناسب إطلاقًا مع تقديرات صندوق النقد الدولي.

 

خسائر مبالغ فيها

ويرى الخبير الاقتصادي ونقيب الصحافيين الأسبق ممدوح الولي أنه  بحسب بيانات البنك الدولي، فقد بلغ الناتج المحلى الإجمالي لمصر عام 2010 نحو 218.912 مليار دولار، وهو ما يعبر عن حجم الاقتصاد قبل الثورة، ومن المفترض أن تكون الخسائر الناجمة عن الثورة نسبة من حجم الاقتصاد. موضحا في تصريحات  لصحيفة "العربي الجديد" اللندنية في يناير2022م، أن  الناتج المحلى الإجمالي خلال عام 2011، حسب بيانات البنك الدولي، بلغ 236 مليار دولار، أي أن حجم الاقتصاد ارتفع خلال عام الثورة بنحو 17 مليار دولار عن العام السابق، كما ارتفع نصيب الفرد من الناتج بسعر الصرف إلى 2792 دولاراً مقابل 2340 دولاراً عام 2010م. وأوضح الولي أن ثورة يناير لم تكن ذات تأثير سلبي في العديد من القطاعات الاقتصادية، حيث زادت قيمة الصادرات السلعية خلال عام الثورة بنحو 2.9 مليار دولار عن عام 2010، كما زادت التحويلات الخاصة للعاملين المصريين بالخارج،  كما زادت المعونات بنحو 998 مليون دولار، وارتفعت إيرادات قناة السويس بنحو 466 مليون دولار، فضلا عن القطاع المصرفي الذي شهد نموا في غالب مؤشراته خلال عام الثورة عن العام السابق له، حيث زادت أصول البنوك بنسبة 2 في المائة، وارتفعت الودائع بنسبة 3.9 في المائة.

ورغم إقراره بأن هناك قطاعات تعرضت للضرر مثل السياحة التي انخفضت إيراداتها بنحو 3.8 مليارات دولار،  لكنه يعزو الضرر الأكبر إلى هروب الأموال الساخنة بعد الثورة ما أدى إلى ارتفاع العجز الكلى بميزان المدفوعات، إلى 18.331 مليار دولار مقابل فائض بلغ 1.276 مليار في عام 2010.

وينتهي الولي إلى أن حجم الخسائر في عام الثورة من القطاعات الثلاثة لكل من الميزان الكلي للمدفوعات ونقص الاحتياطيات ونقص رأس المال السوقي للبورصة إلى 69.016 مليار دولار، يقلل منه النمو في مؤشرات البنوك وانخفاض الدين الخارجي وزيادة الناتج المحلى الإجمالي والتراجع المحدود لنسبة التضخم". وتساءل الولي: كيف تكون الخسائر المزعومة (450 مليار دولار حسب السيسي) حوالي ثلاثة أضعاف الاقتصاد؟ مؤكدا أن الرقم المذكور، عن خسائر مصر خلال عام ثورة يناير، مبالغ فيه بشكل كبير، والمقصود منه تخويف الناس لعدم تكرار الثورة على الأوضاع الحالية.

 

مقارنة كاشفة

وبمقارنة أرقام الاقتصاد المصري بين 2011 و2022م، فقد بلغت نسبة رصيد الدين الخارجي في 2011 للناتج الإجمالي نحو 15.2%  بينما بلغت نحو 32.4% في سنة 2022، وبلغ الدين الخارجي في 2011 نحو 34.9 مليار، بينما وصل إلى 162 مليارا في نهاية 2022م. والاحتياطي النقدي وصل إلى 36 مليار دولار في 2011م بينما تراجع إلى 34 مليارا  في 2022م. وفي 2011 سجل متوسط نصيب الفرد من الدين الخارجي نحو 430 دولارا، بينما سجل متوسط نصيب الفرد من الدين الخارجي في 2023 أكثر من 1550 دولارا. وفي 2011 وصلت أعباء خدمة الدين الخارجى إلى 2.8 مليار، والتي ارتفعت في 2022  إلى نحو 22 مليار دولار!

ويعزو  كثير من الخبراء أسباب تراجع الاقتصاد المصري إلى انقلاب 3 يوليو 2013م، فقد كانت مصر مقبلة على مرحلة جديدة لجذب الاستثمارات بناء على استقرار الاوضاع والتوجه نحو الديمقراطية ودولة القانون، لكن  الانقلاب أعاد الدولة إلى المربع صفر من جديد وكرس دولة الاستبداد والطغيان ما أدى إلى هروب الاستثمارات نظرا لسيطرة المؤسسة العسكرية على مفاصل الاقتصاد بما تملكه من امتيازات واسعة لا تحظى بها شركات القطاع الخاص.  ويرى قطاعات واسعة من الاقتصاديين أن السيسي يريد أن يجعل من الثورة شماعة لتحميلها فشل سياساته الاقتصادية والفساد الذي انتشر في البلاد وتمكن منها كالسرطان في الجسد العليل.

ويرى عمرو عادل رئيس المكتب السياسي بالمجلس الثوري المصري، أن "أي نظام جاء بانقلاب عسكري يحتاج لبعض الإجراءات والأكلاشيهات التي تعطيه شرعية وأنه منقذ البلاد والعباد وتكرر ذلك في كل الانقلابات". وأضاف في تصريحات صحيفة  لموقع "عربي21": "في عام 1952 كان أهم أكلاشيه الأسلحة الفاسدة والتي أثبتت الوثائق أنه كان وهما كبيرا،  وصنع أيضا عدوا وهميا وهو النظام البائد، والانقلاب الأخير بمصر  صنع أكلاشيه لا يمل منه وهو أهل الشر، وصنع تابوه أن ثورة يناير هي السبب في الفشل الهائل الذي حدث في الملف الاقتصادي بمصر". وأوضح عادل أنه "لا يوجد انقلاب عسكري يعترف بخطئه؛ لأنه يعتمد على الكذب والتلفيق وأنه المنقذ من اللحظة الأولى، والقاعدة الشهيرة، اكذب، وإن كشفت الكذبة استمر في الكذب بلا توقف وهذا ما يفعله النظام الانقلابي بمصر"، مؤكدا أن "ثورة 25 يناير لم تكن هي السبب في الانهيار الحالي بل عدم التخطيط والتهور والاستبداد من النظام المصري، ولكنه لن يتوقف عن تحميل المسؤولية لثورة يناير".