انتخابات مصرية صورية محسومة

- ‎فيمقالات

في عام 1954، بعد مطالبة اللواء محمد نجيب للضباط في مجلس قيادة الثورة بالعودة إلى ثكناتهم العسكرية وتسليم السلطة للمدنيين، قام جمال عبد الناصر من خلال أحد المشرفين على هيئة التحرير، وهي التنظيم الحزبي الذي تم تكوينه بعد إلغاء الأحزاب، بدفع مبلغ مالي لبعض القيادات العمالية بمجال النقل العام، للقيام بإضراب لشل الحركة.

وشارك في المظاهرات جنود من البوليس الحربي يرتدون الملابس المدنية، وعمال مديرية التحرير المسلحون بالعصي، الذين كانوا يعملون تحت قيادة أحد ضباط حركة تموز/ يوليو 1952، وجنود الحرس الوطني المرتدون الملابس المدنية، وتجولت المظاهرات حول البرلمان والقصر الجمهوري ومجلس الدولة تهتف: لا أحزاب ولا برلمان. وبعدها قامت مظاهرات عمالية باقتحام مجلس الدولة والاعتداء على الدكتور السنهوري رئيس المجلس، كما دبر عبد الناصر ستة انفجارات في أماكن متفرقة لإثبات عدم استقرار البلاد.

وهكذا تم إجهاض دعوة اللواء محمد نجيب للديمقراطية، وبعد شهور قليلة تم اعتقاله ووضعه رهن الإقامة الجبرية لمدة 29 عاما، وهكذا أدرك ضباط حركة الجيش في تموز/ يوليو 1952، أهمية تلك التنظيمات الشعبية في تنفيذ مخططاتهم وتمرير قراراتهم، فبعد تكوينهم لهيئة التحرير بدايات عام 1951، فقد تلاها الاتحاد القومي عام 1957 ثم الاتحاد الاشتراكي عام 1962، ثم عودة الأحزاب عام 1976 وظهور الحزب الوطني في 1978.

وهكذا استخدم كل من جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، تلك التنظيمات الحزبية في توجيه الجماهير وحشدها لتأييد قراراتهم، وكذلك مع الاستفتاءات الرئاسية والانتخابات البرلمانية. وسار النظام الحالي في مصر على المنوال نفسه بتأسيس عدد من الأحزاب التابعة له، وحظر وجود الأحزاب المعارضة، بينما سارعت الأحزاب الصغيرة القائمة بإعلان الولاء لحكم العسكر لتضمن استمرار وجودها. وبالفعل استخدم نظام العسكر تلك الأحزاب في الانتخابات التي جرت في عهده، حيث تتولى تجميع الناخبين بالتعاون مع الأمن، ولو بإنزال ركاب السيارات العامة وإجبارهم على التصويت، لاصطناع مشاهد تلفزيونية لطوابير الناخبين.

رجال أعمال يمولون الإنفاق الانتخابي

وتم افتعال مشاهد رقص للنساء أمام اللجان الانتخابية، وحمل الناخبون صور الجنرال التي يتم توزيعها عليهم، ومع توالي الاستحقاقات الانتخابية تراكمت خبرات حشد الجماهير للجان، وتم استخدام المال والسلع الغذائية كوسائل لاستقطاب الفقراء، وكذلك دفع مبالغ مالية للشباب للوقوف أمام اللجان للتنظيم، ومع الحاجة لمورد مالي مستمر، قامت الأجهزة السيادية باختيار عدد من رجال الأعمال لعضوية كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ليقوموا بتمويل الحملات الانتخابية وجلب الناخبين الفقراء.

وهكذا استعدت السلطات المصرية للانتخابات الرئاسية الحالية، التي يترشح بها الجنرال للمرة الثالثة بعد أن قام بتعديل الدستور الذي كان يقصر الترشح على فترتين رئاسيتين كل منهما لأربع سنوات، وليزيد الفترة إلى ست سنوات، وقبل موعد الانتخابات بشهرين قامت الأحزاب الموالية للنظام بتوظيف الاحتفال بمرور خمسين عاما على حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، لحشد الجمهور في الميادين العامة بالمحافظات وتحويل الاحتفالات إلى مطالبة للجنرال بإعادة ترشحه.

كما واكب ذلك حشد الموظفين في الحكومة وأصحاب المعاشات من الفقراء لمكاتب الشهر العقاري، لعمل توكيلات لترشيح الجنرال، ليبدو الرجل الذي كان يعقد وقتها مؤتمرا لعرض إنجازاته استمر ثلاثة أيام وكأنه يستجيب لمطلب الجماهير، حين أعلن ترشحه بنهاية المؤتمر، الذي تلاه الاتفاق مع ثلاث شخصيات حزبية للتقدم لمنافسته بالانتخابات، ورغم أن أحد هؤلاء يقتصر عدد أعضاء حزبه في مجلس النواب على سبعة أعضاء دخلوا بنظام القائمة، بينما يتطلب القانون لترشحه تزكية عشرين نائبا، فقد دبرت السلطات له موافقة 23 نائبا آخرين ليدخل المنافسة بثلاثين نائبا.

وتكرر ذلك مع رئيس حزب الوفد الموالي للنظام بتدبير موافقة ستة نواب آخرين بخلاف نواب حزبه، وكذلك مع رئيس الشعب الجمهوري الموالي للنظام بتدبير 18 نائبا إضافيا له، رغم حصوله على 68 ألف توكيل عبر الشهر العقاري، وهي التوكيلات التي منعت السلطات شخصا آخر حاول الحصول عليها للترشح، وظل أنصاره يحتشدون على أبواب الشهر العقاري لأيام، لكن السلطات تعللت بأعطال بالكمبيوتر حتى انتهت الفترة المحددة للتوكيلات.

مؤتمرات حزبية للتأييد بكل المحافظات

وتحركت الأحزاب على مستوى المحافظات لعمل ندوات ومؤتمرات تعرض إنجازات الجنرال، ومع نشوب حرب غزة وطلب الجنرال تفويضه في اتخاذ الإجراءات لمنع تهجير الفلسطينيين لسيناء، نظمت تلك الأحزاب مؤتمرات في عواصم المحافظات بدعوى مساندة فلسطين، لكن هتافاتها كانت تهتف للجنرال بدلا من فلسطين، مما دعا بعض الجماهير التي وجدت فرصة سانحة للتظاهر بعد سنوات طويلة من الحظر، أن تهتف: “مظاهرة بجد مش تفويض لحد”.

وهكذا نجد حزب مستقبل وطن الذي يرأسه رئيس مجلس الشيوخ، والذي يسمونه حزب الأغلبية في البرلمان، قد عقد مؤتمرات للدعاية للجنرال في كل المحافظات، وكانت كل محافظة تشهد مؤتمرا لأمانة الحزب فيها يليها مؤتمر للحزب المركزي، بخلاف المؤتمرات القطاعية التي تعقدها لجان الحزب المختلفة، مع القطاعات التي تتعامل معها مثل لجان: العمال والفلاحين والمرأة والشباب والمهنيين والعمل الجماهيرى والصناعة والسياحة والصحة وغيرها، وعادة ما يحضر تلك المؤتمرات رموز السياسة والإعلام والرياضة والفن، مع الحرص على حشد أعداد كبيرة بالمال لإعطاء انطباع عن التأييد الجماهيري للجنرال.

وكرر حزب حماة الوطن الذي يرأسه ضابط سابق إقامة مؤتمرات في كل المحافظات، والأمر نفسه  لأحزاب صغيرة مثل حزب مصر الحديثة والحرية المصري والجيل والمصريين الأحرار وإرادة جيل والمؤتمر، بإقامة مؤتمرات في عدد من المحافظات وبعضها يقتصر على بعض القرى والمدن. وشارك حزب الإصلاح والتنمية في المؤتمرات والفعاليات التي تنظمها الأحزاب، والأمر نفسه لتحالف الأحزاب المصرية الذي يضم 42 حزبا وتنسيقية شباب الأحزاب، كما أعلنت أحزاب أخرى تأييدها للجنرال مثل النور والتجمع.

تجاوز حدود الإنفاق القانوني على الدعاية

وقام التحالف الوطني للعمل الأهلي الذي أنشأه الجنرال مؤخرا لتوزيع المساعدات على الفقراء لتسهيل حشدهم في الانتخابات، بتنظيم مؤتمرات للتشجيع على المشاركة في الانتخابات، والأمر نفسه قامت به وزارة الشباب والرياضة من خلال المتطوعين، وقامت العديد من الجهات النقابية العمالية بتنظيم مؤتمرات لدعم ترشيح الجنرال، كوسيلة من قبل قياداتها لإثبات الولاء للنظام.

والنتيجة، أن الشوارع الرئيسية والكباري والطرق السريعة مليئة بصور الجنرال، رغم أن القانون يحدد سقف الإنفاق على الدعاية للمرشح بعشرين مليون جنيه، بينما كانت تكلفة وسيلة واحدة وهي الإعلانات الخارجية (آوت دور) وحدها 380 مليون جنيه للجنرال، بخلاف باقي الوسائل الدعائية من فضائيات وصحف وإعلام رقمي، ورغم أن القانون يؤكد أن الدعاية تكون على نفقة المرشح، إلا أنه من المعروف أن الأجهزة الحكومية تجبر أصحاب المحلات التجارية على تعليق لافتات تأييد ودفع إتاوات مالية كذلك لتغطية تكاليف يوم الانتخابات.

وكذلك رغم إخفاق الجنرال في التصدي للملف الاقتصادي وارتفاع الدين الخارجي والداخلي، وارتفاع أسعار السلع والوقود، والسوق السوداء للدولار، وارتفاع نسب الفقر، واستمرار الانقطاع اليومي للكهرباء منذ شهر تموز/ يوليو الماضي وحتى الآن، وحالة الانسداد الديمقراطي، وغضب الشارع من مشاركته في الحصار على غزة، مما يدعو إلى مقاطعة الانتخابات، إلا أن تلك الأحزاب والأجهزة الرسمية ستصنع مشهدا انتخابيا مضللا بما لدى تلك الأجهزة من أدوات.

وذلك بداية من التهديد بفرض غرامة مالية قدرها 500 جنيه على من لا يصوت في الانتخابات، مما يدفع الكثيرين خاصة أصحاب المعاشات، البالغ عددهم حوالي عشرة ملايين شخص للذهاب، خاصة مع توفير وزارة التضامن الاجتماعي سيارات مجهزة لنقل المعاقين والمسنين، وكذلك إجبار العاملين في الحكومة على التصويت، وإثبات الذهاب للجان بأي طريقة؛ سواء بالحبر الفوسفوري على الأصبع أو التصوير داخل اللجنة، وعدد هؤلاء أكثر من خمسة ملايين، كذلك إجبار أصحاب الشركات الصناعية والتجارية على تسيير حافلات للعاملين لديهم إلى اللجان الانتخابية للتصويت، إلى جانب تهديد أصحاب المساعدات الحكومية والمسماة تكافل وكرامة، بقطع المساعدات إذا لم يذهبوا للتصويت وعدد هؤلاء 4.7 مليون شخص، إلى جانب من يتم جمعهم من على المقاهي ومن سيارات النقل الجماعي وإجبارهم على التصويت، كأحد مظاهر جمهورية الخوف المستمرة بمصر منذ منتصف عام 2013.

………..

نقلا عن “العربي الجديد”