إسرائيل تغتال القانون الدولى [1/ 2]

- ‎فيمقالات

على مدى ثمانية عقود؛ صدرت عشراتُ القرارات عن «الجمعية العامة للأمم المتحدة» وعن «مجلس الأمن الدولى» وتتعلق بحقوق الشعب الفلسطينى، ولم ينفّذ شىءٌ منها، أعاقها «الفيتو الأمريكى» أو الصمت الدولى أو التواطؤ الأممى، حتى باتت استهانة «إسرائيل» بما يُعرف بـ«قرارات الشرعية الدولية» أمرًا معتادًا؛ ما وفّر لها غطاء ودعمًا لانتهاك القانون الدولى ومواثيق حقوق الإنسان.. والحربُ على «غزّة» وإبادة أهلها أواخر عام ثلاثة وعشرين أوضحُ دليل على هذه الاستهانة، وعلى الدعم الأعمى والتأييد المطلق لهذا العدوان، وكما قيل فإن (كل القرارات الشرعية الدولية الصادرة ضد السياسات الإسرائيلية إنما صدرت كيلا تُطبّق).

لم تكن حرب السابع من أكتوبر على «غزة» وما شهدته من جرائم حرب، سوى نموذج صارخ لإرهاب دولة الكيان الصهيونى، وهذا الإرهاب مستند إلى شراكة أمريكية ودعم غربى بلا حدود، من ثم؛ نحن أمام نظام دولى يتسم بالانتقائية الفجّة إزاء تطبيق قواعد وأُطر الشرعية الدولية، فلا يوجد بندٌ فى «ميثاق الأمم المتحدة» إلا وانتهكته «إسرائيل»، بدءًا من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية المتعلقة بالتسوية السلمية للنزاعات، وانتهاء باتفاقية حقوق الطفل..

 وفى حين انتفضت شعوب العالم ضد ما يحدث فى «غزة» من إبادة وفشلت الأجهزة الأممية فى فرض هدنة إنسانية بهدف إدخال مساعدات للقطاع الذى كادت تضربه المجاعة والكوارث الصحية –كانت سلطات الاحتلال تواصل تعميق خطط الفصل العنصرى فى الضفة الغربية بما فيها «القدس الشرقية»، وسرقة الأراضى، وشق المزيد من الطرق الاستعمارية بداخلها، غير تشديد قبضتها على الفلسطينيين، وفرض المزيد من العقوبات الجماعية عليهم، والقيام بأبشع حملة تدمير للبنى التحتية ومقومات وجود الإنسان الفلسطينى، ما خلّف عشرات الشهداء ومئات الجرحى والمصابين، ناهيك عن هجمات المستوطنين التى لا تنقطع وتطال أرواح وممتلكات الفلسطينيين.

حطّم هذا الكيان كل الأرقام القياسية فى انتهاك القرارات الأممية وحقوق الإنسان، من القتل العمدى والإبادة، والاسترقاق والتهجير، والفصل العنصرى والإخفاء القسرى، والإجهاز على الجرحى، وتعذيب الأسرى بدنيًّا ونفسيًّا وغيرها من الأساليب الوحشية.. فى مرحلة مبكرة اتسمت مواقف «إسرائيل» تجاه «الشرعية الدولية» بالمراوغة والتسويف بما يخدم أهدافها وإسقاط أهداف الطرف الفلسطينى، فتنكّرت لتطبيق القرارات الأممية مستغلةً الموقف السلبى للأنظمة العربية، مثلما تنصّلت من حق عودة اللاجئين..

وفى مرحلة لاحقة وبعد انتصارها على الجيوش العربية عام سبعة وستين اتسمت مواقفها بالمماطلة، أو التجاهل واللامبالاة، فلم تطبق مثلاً القرار مائتين واثنين وأربعين الذى يطالبها بالانسحاب من الأراضى التى احتلتها فى هذه الحرب، بل بالعكس قامت بضمِّ «القدس» واستولت على مزيد من الأراضى لتفرض واقعًا ديموجرافيًّا جديدًا.. ثم فى مرحلة أخيرة باتت -وبدعم من «الفيتو الأمريكى»- لا تعترف بما يسمى «الشرعية الدولية» فى حال كانت القرارات ضدها، بل استغلّتها لإلغاء قرارات صدرت لصالح الفلسطينيين مثل قرار مساواة الصهيونية بالتمييز العنصرى عام واحد وتسعين.

و«إسرائيل» هى الدولة الوحيدة فى العالم الآن التى لا تنصاع للقانون الدولى، رغم أنها ليست من الدول الدائمة العضوية فى مجلس الأمن، وليست من الدول التاريخية أو من مجموعة الكبار.. لقد صدرت العشرات من القرارات الأممية ضد هذه الدولة منذ عام تسعة وأربعين ولم تُنفّذ حتى الساعة، وهناك اتفاقيات وقّعت عليها أكثر من مائة وسبعين دولة ولم تمتثل لها، بل إن بعض هذه القرارات أكدت عليها «الأمم المتحدة» مرارًا ثم تجاهلها اليهود؛ مثل «حق العودة» الذى ناقشته وأكدته «الأمم المتحدة» خمسًا وأربعين مرة، ومثل سبعة قرارات أصدرتها الهيئة الأممية وتتعلق بـ«القدس الشرقية» وصيانة معالمها وعدم المساس بتركيبتها الديموجرافية ولم تعرها «إسرائيل» كذلك أدنى اهتمام، ومثل القرارات الدولية الخاصة بالاستيطان وجدار الفصل العنصرى، والقرارات التى تلت المذابح التى اقترفتها بحق الفلسطينيين، وغيرها من القرارات التى لم يأبه بها الصهاينة..

 بل كثيرًا ما أبدى مسئولوهم احتقارَهم علنًا للقانون الدولى ولهيئة الأمم المتحدة، والأمر ليس متعلقًا بحكومة إسرائيلية دون أخرى، بل جميع حكوماتهم المتعاقبة متفقة على ازدراء المجتمع الدولى، وعدم الكفّ عن انتهاك مواثيق الشرعية الدولية، واثقين من عدم مساءلتهم على تلك الممارسات الإجرامية، ومن بينها جرائم حرب، وجرائم مرتكبة بحق الأطفال والنساء، وبحق الأسرى، وبعمليات اغتيال، وحصار وهدم منازل، ومحاولات دءوب لتهويد المدينة المقدّسة.