صراع الجيش مع وزارات الري والنقل والداخلية على أراضي سجون القناطر نموذج العسكرة والبزنس المتوحش

- ‎فيتقارير

 

في الوقت الذي ينتعش فيه اقتصاد الجنرالات على حساب جميع المصريين، سواء جهات حكومية أو خاصة،  وتتزايد فيه معاناة المستثمرين بالقطاع المدني وشركات القطاع العام وهو ما يدفع نحو خسائر حكومية فادحة، تساهم في لجوء الدولة لسياساتت التخارج من الاقتصاد وبيع أصول الدولة المصرية، لسداد الديون في الوقت الذي يراكم الجيش والمؤسسات الأمنية الثروات والأموال والمشاريع المليارية، حارمين الشعب وموازنة الدولة من  العوائد والرسوم والضرائب والجمارك، التي تعود على الشعب.

 

ولقد تمثل ذلك الأثر  مؤخرا مع اشتداد الأزمة المالية التي تعصف بمصر حاليا، وهو ما دفع الحكومة للإعلان عن وقف تنففيذ جميع المشاريع التي تقوم بها الحكومة حتى نهاية السنة المالية، بسبب أزمة الدولار والعجز المالي الكبير، حتى لو كانت تلك المشاريع تتعلق بصحة المصريين وتعليمهم أو طعامهم وشرابهم.

 

أراضي سجون القناطر

 

وقد شهدت الساحة المصرية الاقتصادية في الأيام الأخيرة، تنافسا شرسا، بين عناصر الدولة المصرية، وظهر التوحش المالي للجيش والمؤسسة الأمنية في مواجهة بقية قطاعات الدولة المدنية الحكومية من وزارات ودوواين حكومية.

الصراع الشرس الذي  أحاط بالإعلان عن هدم وتطوير الأراضي الخاصة بسجون القناطر بمحافظة القليوبية، قدم مثالا خطيرا، للمخاطر الناجمة عن التغول لعسكري في الحياة المدنية، منذ الانقلاب العسكري، والذي بات يتحمله الجميع، دون نطق أو القدرة على المقاومة بأي شكل من الأشكال.

 

وسط تكتم شديد بدأت وزارة الداخلية هدم سجن القناطر الخيرية الأقدم بتاريخ السجون المصرية، تمهيدا لتحويل أرضه بمساحة تزيد عن 300 فدان (نحو 1.26 مليون متر مربع) إلى منتجع سكني وسياحي فاخر على الجزيرة الفاصلة بين فرعي نيل دمياط ورشيد جنوب دلتا نهر النيل.

 

انتهت معاول الهدم من تسوية مبنى سجن الأجانب التاريخي بالأرض، وشرعت المعدات خلال الأيام الماضية، في هدم مبنى سجن النساء، تمهيدا للبدء في تحطيم سجن ليمان القناطر للرجال، بعد تفريغه من كافة السجناء السياسيين والجنائيين.

كما تقرر إزالة سجن جديد ملحق بـ”ليمان القناطر”، أنشأته الوزارة عام 2018، وتأجل افتتاحه عدة مرات، لعيوب تنفيذية وإنشائية، إلى أن ضمته لقرار الإزالة الذي صدر نهاية 2022، أعقبه نقل السجناء وأطقم الحراسة والضباط إلى السجون الجديدة بمدن العاشر من رمضان وبدر (1) و(2) و(3)، ووادي النطرون المتطور، وتوسعات سجن أبو زعبل الجديدة، مع تحويل المحبوسين رهن التحقيق إلى سجون الاستئناف التي أقامتها محافظات القليوبية والجيزة بمدن الصف والشيخ زايد وبنها.

 

خلاف وزاري

 

وأثارت عمليات الهدم خلافات بين وزارتي الداخلية والري والشركة الوطنية للنقل النهري التابعة للجيش.

 

وتنازع الأطراف الثلاثة على ملكية الأرض، في محاولة من كل طرف الحصول على الأراضي المقام عليها السجون الأربعة، والورش الصناعية ومزرعة السجون، التي تشكل جزيرة متفردة، معزولة عما حولها من المناطق السكنية، وتتصل بها عبر القناطر الخيرية التاريخية، وتحيط بها 500 فدان من الحدائق وأراضي طرح نهر النيل.

وتمسكت وزارة الري بملكية أرض السجون وما يتبعها من ملحقات، حيث جرى التخصيص لبناء السجن، على أرض ومباني حدائق القناطر ، التي أقيمت في عهد محمد على عام 1839 وتوسعات أجريت عند ملتقى فرعي النيل أواخر القرن 19، مع زيادة المساحة المخصصة للسجن تدريجيا، أثناء الحرب العالمية الأولى.

مع صدور قرار من الرئيس الراحل أنور السادات بهدم منطقة السجون عام 1972، عطلت الداخلية تنفيذ القرار، إلى أن توسعت في بناء الورش الصناعية والسجن الرابع، وأنفقت ملايين الجنيهات على زيادة تحصين منطقة السجون خلال العقد الماضي.

فيما تبرر وزارة الري تمسكها بأرض سجون القناطر، باعتبارها الجهة المسند إليها الإشراف على الأملاك العامة للدولة ذات الصلة بالموارد المائية والري وإدارتها والحفاظ عليها، وضمان عدم إقامة أية أعمال على أملاكها من شأنها التأثير على سريان المياه بالمجاري المائية أو على جسورها أو أعمال الصيانة للمنشآت المائية.

وقد شكل وزير الري هاني سويلم الأسبوع الماضي، لجنة فنية لحصر أصول أملاك الوزارة من بينها أرض سجون القناطر والمناطق المنتشرة على روافد النيل بالمحافظات، تمهيدا لعرضها على المستثمرين الراغبين في استغلالها.

 

مشاريع وزارة الداخلية

 

وتسعى وزارة الداخلية إلى تحويل أرض السجن بالتوازي مع استغلال أرض منطقة السجون في منطقة طرة على كورنيش النيل ، إلى مشروع سكني وسياحي، تابع لصندوق ضباط الشرطة، على غرار المدن التي أقامتها بالقاهرة الجديدة ومدينتي الخمائل والفردوس  بالقرب من السادس من أكتوبر غربي القاهرة، مع طرح مساحة من العقارات الفاخرة لبيعها للأجانب. 

نهم شركات الجيش

فيما اعترضت الشركة الوطنية للنقل النهري التابعة للجيش، على خطة وزارتي النقل والداخلية، بعد منحها تفويضا رئاسيا بالإشراف على الأراضي الواقعة بمجرى نهر النيل وشواطئه، على امتداد مجرى النهر، مع وجود قرار رئاسي آخر بتملك القوات المسلحة جميع الجزر الواقعة وسط نهر النيل والتكتلات الأرضية التي تظهر مستقبلا في مجرى النيل، التي تتشكل من طرح النهر.

ويتضمن القرار منح سلطة استغلال المناطق المطلة على شواطئ النهر لشركة الجيش، بما يحول دون استغلال أي جهة أخرى بالدولة للأراضي المطلة على النهر وروافده، في تعارض مع القوانين الحاكمة لأنشطة وزارة الري والبلديات.

 

فجر تنازع الجهات الثلاث على أرض منطقة السجون والجزر النهرية بمنطقة القناطر، إلى تكليف وزير الري لجنة هندسية لإعداد تقرير فني لرفعه للجنة العليا للنهر النيل بمجلس الوزراء والتي تضم وزراء الدفاع والداخلية والزراعية والري والنقل، لتحديد الموقف النهائي لأرض السجون والمناطق المحيطة بها.

هذا الصراعينم عن حجم الصراعات على أموال الدولة وأراضيها، في ظل عسكرة كافة مفاصل الدولة المصرية.

بناء ناطحات سحاب 

يشار إلى أن مجلس الوزراء يستهدف استغلال جزيرة القناطر، ضمن مشروع سكني وفندقي فاخر، يرتبط بمشروع جزيرة الوراق الواقعة منتصف مجرى نهر النيل شمال القاهرة، المسمى بمشروع جزيرة “مانهاتن القاهرة”.

 

تشمل المخططات بناء عدد من ناطحات سحاب و5 فنادق كبرى فئة 7 نجوم، ومهبط للطائرات الهيلوكوبتر وميناءين نهريين بكل من الوراق والقناطر، يرتبطان بميناء ثالث بجوار المتحف المصري القديم وسط العاصمة.

 أرض سجن طرة

وفي سياق متصل، أخلت وزارة الداخلية مجمع سجون طرة، الذي يضم سجن المزرعة على نهر النيل وليمان طرة والعقرب شديد التحصين بسجونه الثلاثة، مع نقل السجناء والمحبوسين احتياطيا إلى سجون مدن بدر والعاشر ووادي النطرون والمنيا، تمهيدا لتحويل أرض السجون التي أنشئت في بداية القرن العشرين إلى مشروع سياحي وسكني.

وطلبت وزارة الإسكان والتعمير الحصول على مساحة من أرض سجن المزرعة لإنشاء محطة مياه للعاصمة الإدارية تعادل 4 أضعاف محطة المياه المقامة حاليا على مقربة من أرض السجون.

 

ووفق تقارير حقوقية وأمنية دولية، فإن ما يحدث من توظيف المال العام والقروض التي تحصل عليها الدولة لإثراء المؤسسات العسكرية، بأنها عامل حاسم في توطيد رأس النظام.

إذ إن التدفقات المالية في الوقت الحالي لا تخدم الاستثمارات الإنتاجية المستقبلية، إذ تتجه صوب مشاريع البنية التحتية المشكوك في نتائجها الاقتصادية وتخدم بشكل غير مباشر دعم قمع الدولة البوليسية،  بل إن التوحش الرأسمالي للجيش، يقضي على كل فرص المنافسة الاقتصادية داخل مصر، وهو ما ينذر بهروب الاستثمارات من مصر وخراب البلاد.