في محاولة شكلية لتجميل قبح السيسي ونظامه الانقلابي، لا يفيد المعتقلين ومن أمضى عشرية سوداء بالسجون والمعتقلات، محروما من حقوقه القانونية والقضائية، جاء قرار السيسي بإنشاء 29 دائرة جنايات مستأنفة، في محاولة لاسترضاء الغرب، والإيهام بأن هناك قضاء بمصر، بعد عقد كامل من تسييس القضاء وإهدار الحقوق والحريات.
وخلال يناير الماضي، أصدر رئيس محكمة استئناف القاهرة رئيس مجلس رؤساء محاكم الاستئناف، قرارا بإنشاء 29 دائرة محكمة جنايات مستأنفة جديدة، تطبيقا للتعديلات الأخيرة لأحكام قانون الإجراءات الجنائية، وأصبح التقاضي بموجبها أمام محاكم الجنايات على درجتين.
وكان البرلمان وافق مؤخرا على مشروع قانون مقدم من الحكومة، بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية استئناف الأحكام الصادرة في الجنايات، وتم أخذ رأي المجلس على الموافقة نهائيا وقوفا، وصدق عليه، عبد الفتاح السيسي، ونشر القرار في الجريدة الرسمية.
وحرم عشرات الآلاف من المحبوسين من اللجوء، إلى درجة الاستئناف التي تتيح لهم الاستئناف على أحكام محاكم الجنايات منذ 2014، ولكن السلطات المصرية استغلت المهلة في تعطيل العمل بالمادة الدستورية بدلا من المسارعة في تطبيقها.
مخالفة دستورية تمنح المحبوسين فرصة بعد100 سنوات
وكشف النائب الأول السابق لرئيس محكمة النقض، المستشار أحمد عبد، في تصريحات لموقع “مدى مصر”، أن تفويت فرصة إقرار القانون في موعده، يعني فتح الباب أمام عدد لا نهائي من الطعون في صحة إجراءات المحبوسين على ذمة محكمة الجنايات، وبطلان المحاكمات أمامها، وعدم دستورية مواد بقانون الإجراءات الجنائية.
وبموجب القانون الجديد، ستعيد محاكم الاستئناف النظر في القضايا من جديد، بعد صدور حكم محكمة الجنايات فيها، على خلاف محكمة النقض التي تختص بالنظر في العيوب القانونية للحكم، وليس في موضوع القضية.
إجراء شكلي
ووفق المحامي والناشط الحقوقي، عمرو عبد الهادي، فإن قيام السلطات بسد الثغرة الدستورية مجرد خطوة صورية، ليس الغرض منها تحقيق العدالة أو إتاحة درجة تقاضي جديدة للمساعدة في إرساء نظام قضائي عادل، وهي إجراءات على ورق لن تساعد ولن تفيد في ظل تحكم الجهات الأمنية في مجريات القضاء وتقرير من المتهم ومن البريء.
واستبعد في تصريحات إعلامية، أن “تحقق تلك الخطوة أي انفراجة حقوقية؛ لأن الأحكام الأساسية في القضايا المهمة تصدر من أمن الدولة، وهي في المجمل أحكام مسيسة، لا وجود للدستور والقانون في مصر منذ 2013، كما أنه لا يوجد أي استقلال للقضاء والقضاة منذ ذلك الحين.
وأضاف عبد الهادي، وزاد الطين بلة إهدار ثوابت قانونية راسخة قبل 30 يونيو 2013 مثل الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، كما تم نسف محكمة النقض بهيبتها وأحكامها التي كانت تعد مثل السوابق القانونية في أحكامها، أما التعديل الذي تم الآن، هو من قبيل مسكنات للرأي العام وشكليات وتجميل شكل النظام في وقت النظام، منهار فيه ويحاول تجاوز هذا الانهيار.
ووفق دوائر قانونية، يعد القانون الجديد، تصحيحا صوريا لمنظومة العدالة الغائبة، لقد أتحفنا النظام المصري بهذا التشريع الذي يعطي الحق في درجتي التقاضي الذي لم يكن معمولا به في الجنايات، وهذا الأمر كان معيبا ولم يتم تصحيحه، ونحن هنا أمام عملية معقدة ولا معنى لها على أرض الواقع، في ظل عدم إعداد الكوادر القضائية بشكل كاف، من ناحية التشريع؛ فالقانون الأصلح للمتهم هو المبدأ العام المعمول به في كل أنحاء العالم، ولكن ماذا عن الذين أضيروا من القانون السابق كيف يمكن تصحيح هذه الأخطاء؟
وكيف سيتم النظر في أوامر قضائية باطلة دستوريا أصلا؟ هل سيتم التغاضي عن عدم دستوريتها والدخول في الموضوع ومحاولة تصحيح الأخطاء، التي تمت بأوامر قضائية جديدة؟، إذ إن هناك نقاطا كثيرة تتعلق بشرعية تشكيل هذه الدوائر وتبعيتها القضائية، وما هي الجهة التي يمكن الطعن لديها، وهل تم تعديل قانون محكمة النقض حتى يواكب هذا الهراء الذي يدخلنا فيه هذا النظام؟.
وخلال الأسبوع الأول من 2024، جددت محكمة الجنايات “إرهاب”، حبس 1148 معتقلا سياسيا في سجن بدر، خلال جلستين فقط عقدتها يومي 2 و3 يناير الجاري، وذلك عبر الدوائر الإلكترونية.
وقدرت منظمة العفو الدولية في يناير 2021، عدد المعتقلين في مصر بنحو 114 ألف سجين، فيما أكدت أن مسؤولي السجون بمصر يعرِّضون سجناء الرأي وغيرهم من المحتجزين، بدواع سياسية للتعذيب ولظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية، ويحرمونهم عمدا من الرعاية الصحية عقابا على معارضتهم.
وقالت الجبهة المصرية لحقوق الإنسان في تقريرها في 2023: إن “دوائر الإرهاب في محكمة بدر راجعت أكثر من 25 ألف أمر بتجديد الحبس الاحتياطي في 2022، معظمها يغطي قضايا تتعلق بالنشاط السياسي، وأيد القضاة جميع أوامر الحبس، باستثناء 1.4% فقط”.