..هل تكون فتنة المستنصر؟

كتب رانيا قناوي:

لا يمر يوم في عصر السيسي منذ الانقلاب العسكري، إلا ويطالع المصريون مع الفقر والجوع، أخبارا عن حالات الانتحار اليومية التي تحدث بين الأسر المصرية الفقيرة، بسبب ضعف الأب في مواجهة الجوع، وتلبية احتياجات أطفاله من المأكل والمشرب.

الأمر الذي تحدث معه قطاع كبير عن الفتنة المستنصرية والمجاعة التي حدثت في عهد الفاطمي الممستنصر بالله، ووصلت لحد أن أكل المصريون الجيف والكلاب الميتة والحمير، كما أكلوا الأطفال.

ما هي الشدة المستنصرية؟
الشدة المستنصرية أو الشدة العظمى كما يطلق عليها، من أشد المجاعات التي تعرضت لها مصر منذ عهد يوسف عليه السلام، واستمرت هذه المجاعة 7 سنين. وحدثت في زمن الفاطمي المستنصر بالله فنسبت إليه وعرفت بـ(الشدة المستنصرية).

واشتدت المحنة حتى أكل الناس بعضهم بعضًا، وكان الرجل يخطف ابن جاره فيشويه ويأكله، وضبطوا رجلًا من السود كان يقف على سطح بيته حتى رأى امرأة في الطريق فقذفها بحبل في نهايته كلابات من الحديد ثم جذبها حتى سقطت في يده، وأخذها إلى داخل بيته وأخذ يقطع من جلدها قطعًا من اللحم، ليأكله، فسمع الناس استغاثتها وخلصوها منه وقتلوه في الحال.

ويروى أن سيدة غنية من نساء القاهرة، آلمها صياح أطفالها الصغار وهم يبكون من الجوع، فلجأت إلى (شكمجية) حليها وأخذت تتحسر؛ لأنها تمتلك ثروة طائلة ولا تستطيع شراء رغيف واحد، فاختارات عقدًا ثمينًا من اللؤلؤ تزيد قيمته عن ألف دينار، وخرجت تطوف الأسواق ولا تجد من يشتريه!

وأخيرًا استطاعت أن تقنع أحد التجار بشرائه مقابل كيس من الدقيق، وشرعت في نقل كيس الدقيق إلى بيتها، ولكنها لم تكد تخطو بضع خطوات حتى هاجمتها جحافل الجياع، فاغتصبوا الدقيق، وعندئذ لم تجد مفرًا من أن تزاحمهم حتى اختطفت لنفسها حفنة من الدقيق، وانطلقت تجري بها إلى بيتها، وعجنت الدقيق وصنعت به قُرَصا صغيرة وخبزتها، وأخفتها في طيات ثوبها، وانطلقت إلى الشارع، صائحة: الجوع الجوع الخبز الخبز، والتف حولها مجموعة من الناس، وسارت معهم إلى بيت الخليفة، ثم أخرجت قرصة من طيات ثوبها ولوحت بها وهي تصيح: أيها الناس فلتعلموا أن هذه القرصة، كلفتني ألف دينار فادعوا معي لمولاي السلطان.

واشتد القحط والوباء؛ فأكلوا الجيف والميتات، وأفنيت الدواب، ولم يبقّ للمستنصر سوى ثلاثة خيول بعد العدد الكثير، ونزل الوزير يومًا عن بغلته، فغفل الغلام عنها؛ لضعفه من الجوع، فأخذها ثلاثة نفر وذبحوها وأكلوها، فقبض عليهم، ثم صلبوا، فاغتنم الجياع ستار الليل فهجموا على جثث المصلوبين وأكلوا لحومهم ولم يبق إلا عظامهم.

وقبض على رجل كان يقتل النساء والصبيان ويبيع لحومهم ويدفن رءوسهم وأطرافهم، فقتل، واشتد الغلاء والوباء حتى أن أهل البيت كانوا يموتون في ليلة واحدة، وكان يموت كل يوم على الأقل ألف نفس، ثم ارتفع العدد إلى عشرة آلاف، وفي يوم مات ثمانية عشرة ألفا، وكان "المستنصر" يتحمل نفقات تكفين عشرين ألفًا على حسابه، حتى فني ثلث أهل مصر، وقيل إنه مات مليون وستمائة ألف نفس، ونزلت الجند لزراعة الأرض بعد أن هلك الفلاحون، وخلت القرى من سكانها، وخربت ضواحي: الفسطاط-العسكر، والقطائع، وتحولت إلى أطلال خربة.

أسباب المجاعة
الأول: العوامل الطبيعة وتتمثل في نقص الفيضان ومنسوب مياه النيل، وكانت العامل الرئيسي في اندلاع الأزمة.
الثاني: الجشع والطمع الذي كان بين أوساط الحكم والتجار.

فتنة السيسي
في الوقت الذي خرجت فيه المرأة بالشارع وقطعت الطريق، للإعلان عن غضبها في ظل حملات تجويعها برعاية النظام، وتعمد إهانتها واضطرارها للبحث عن رغيفها في صناديق القمامة، لم يبالِ عبدالفتاح السيسي، بالأخبار التي تحدثت عن هذه الغضبة للمرأة المصرية، وأزمتها في البحث عن لقمة العيش، بعد قرار وزارة التموين بخفض نسبة الخبز على الكروت الذهبية، التي بموجبها يصرف أصحاب البطاقات الورقية خبزهم، فضلا عن اتجاه الحكومة لخفض حصة الخبز للمواطنين.

وكشفت الآونة الأخيرة، كيف أهان قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي الغلابة في مصر، كما كشفت كيف انتشر الفقر بين النساء في عهد السيسي، حتى أن عشرات الآلاف من النساء باتت تعمل في تجميع القمامة، للحصول على لقمة عيشها والإنفاق على أبنائها، في ظل حالة الانهيار الاقتصادي.

ويطالب السيسي النساء بالتقشف في الوقت لذي يمنح فيه وزراءه ملايين الجنيهات كمرتبات، فضلا عن إذلالهن باعتقال أبنائهن وأزواجهن، وقطع أرزاقهن.

تحت خط الفقر
وأظهرت التقارير الرسمية 2016، ارتفاع نسبة الفقر المدقع في مصر إلى 5.3% من السكان في 2015، ارتفاعًا من 4.4% في 2012.

وأرجع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر (وهو جهة حكومية)، ارتفاع نسبة الفقر المدقع في البلاد خلال العام الماضي، إلى صعود أسعار السلع الغذائية.

ويعرف الإحصاء المصري في بيانه، الفقر المدقع، بأن الوضع الذي لا يستطيع فيه الفرد أو الأسرة توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية.

وأشار إلى أن نسبة الفقراء في البلاد صعدت من 25.2% في عام 2011 إلى 26.3% في 2013، وواصل الارتفاع إلى 27.8% في 2015.

وأوضح الجهاز أن متوسط قيمة خط الفقر المدقع للفرد شهريًا، يبلغ 322 جنيهًا (36.2 دولارًا) في 2015.

وبدأت مصر تطبيق سياسات تقشفية، عبر تخفيض دعم المواد البترولية في يوليو 2014، ورفع أسعار الكهرباء والمياه، وقانون الضريبة على القيمة المضافة، وقانون الخدمة المدنية.

وتزامنت الإجراءات التقشفية، مع تراجع متواصل في سعر الجنيه مقابل الدولار، وزيادة عجز الميزان التجاري المصري بعشرات المليارات من الدولارات.

Facebook Comments