كتب- سيد توكل:

أمسك المواطن المطحون بالغلاء والمعجون بالقمع "الريموت"، وأخذ يتنقل بين القنوات ليتوقف أمام "كليب راقص" تذيعه إحدى القنوات، لكنه استغفر سريعًا وقلب "الريموت" لينتقل إلى برنامج ديني على فضائية أخرى، لكن صعقته المفاجأة؛ حيث إن "الراقصة" التي كانت على المحطة الأولى هي نفسها مذيعة البرنامج الديني على المحطة الثانية وكانت تتكلم عن تجديد الخطاب الديني.

 

وبين التشكيك في جدية برنامج الراقصة سما المصري، والاستنكار الشديد لما أعلنت عنه، اندلعت موجة من الجدل الشديد في مصر، حول "سما" وجهاز المخابرات الحربية الذي يقف وراء أمثالها، حتى تتجرأ على الإعلان عن تقديم برنامج ديني في بلد يضم أكبر مؤسسة دينية إسلامية في العالم وهو الأزهر الشريف.

 

كباريه الأخلاق الحميدة

 

وكانت الراقصة "سما المصري" أعلنت منذ عدة أيام عزمها تقديم برنامج ديني على إحدى الفضائيات، التي لا تزال تتفاوض معها بشأن مسألة الحجاب، حيث تحاول القناة إقناعها بارتدائها بينما هي في حيرة من أمرها.

 

الراقصة المؤيدة للانقلاب أكدت أن برنامجها الديني، سيركز وفقط "على القضايا الأخلاقية والاجتماعية، دون الدخول في القضايا الدينية والمسائل الفقهية"، زاعمة أن "المهم في البرنامج هو المحتوى الذي يقدم للجمهور وليس شخصية من يقدمه".

 

ومنذ ذلك الحين وهي تصدر تصريحات إعلامية بشأن برنامجها المرتقب، دون أن تحدد بعد القناة التي ستحظى بإذاعته، ولا الممول الحقيقي لها.

 

إعلان الراقصة، أحدث موجة انتقاد كبرى على مواقع التواصل الاجتماعي، واتهمها كثيرون بعدم الصدق فيما تدعيه، لكنها فقط تريد الشهرة على حساب الدين، بينما سخر آخرون منها بقوله: "سما هتطلع من الكباريه على البرنامج الديني مباشرة، لكن أكيد هتغير هدومها".

 

الإسلام الوسطي الجميل 

 

ولأن الحديث عن الخطاب الديني في مصر، هو أحد أكثر القضايا المثارة هذه الأيام، فقد كان الربط سريعًا بين إعلانها، وبين التوجه العام للدولة لتجديده.

 

وبينما أكد كثيرون أن الدولة لن تسمح أبدًا بأن تكون "سما المصري" وجهًا من أوجه تجديد الخطاب الديني في مصر، لما يحمل ذلك من تناقض أخلاقي كبير، ذهب آخرون إلى أنها بالفعل قد تكون مدعومة من الدولة نفسها، وذلك في إطار السعي لتغيير الصورة النمطية عن شكل البرامج الدينية.

 

ما دعم وجهة النظر تلك أن إعلان الراقصة عن هذا البرنامج تزامن مع تدشين كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر مؤتمرًا لتجديد الخطاب الديني حمل عنوان "تجديد الخطاب الديني بين دقة الفهم وتصحيح المفاهيم".

 

أيضًا فإن برنامج "سما" الديني، سبقه أحاديث مختلفة صدرت من فنانين وإعلاميين، عن رؤيتهم للخطاب الديني وتجديده، حيث وصفت الفنانة صابرين في أحد تصريحاتها، أن الرقص أمام اللجان الانتخابية بالحجاب هو تعبير عن "الإسلام الوسطي الجميل".

 

بينما اعتبرت الفنانة إلهام شاهين نفسها أكثر تدينًا من كثير من مشايخ الدين، وقالت إنها على استعداد لتعليمهم أصول الدين.

 

وبالتزامن مع ذلك فإن حملات الحرب على النقاب، والمطالبة بخلع الحجاب، والدعوة إلى "التحرر"، لم تتوقف في مصر منذ دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي في 2015 إلى ما أسماه بالثورة الدينية على النصوص والأفكار التي اعتبرها خاطئة وقدست عبر السنين، مبديًا استياءه من أن يكون الإسلام هو مصدر إزعاج وقلق للعالم كله.

 

"سما" كارت إلهاء

 

وجهة نظر أخرى رآها البعض في إعلان سما المصري عن هذا البرنامج تتمثل في أنه لا يعدو كونه سياسة حكومية معروفة تعرف بـ "بص العصفورة".

 

تلك السياسة من أكثر ما تمارسه السلطة في مصر منذ يوليو 2013، وتعتمد فيها على إطلاق قضية جدلية تتلقفها وسائل الإعلام الموالية للسلطة، وتظل مثارًا للحكي والكلام المتبادل، بهدف شعل الرأي العام عن قضايا أخرى أو قرارات هامة تمررها الحكومة.

 

ما يدعم هذا، هو الاهتمام غير المسبوق من كافة الفضائيات والمواقع الإخبارية بقضية "سما المصري"، ليس ذلك فحسب، بل وصلت القضية إلى قبة البرلمان حتى أصبحت محل نقاش بين الأعضاء، الذين أعلن بعضهم أنه سيقدم طلب إحاطة حولها.

 

أيضًا فإن إعلان "المصري" عن برنامجها، تزامن مع اتخاذ الحكومة عدة قرارات صعبة، مثل رفع سعر تذكرة مترو الأنفاق إلى جنيهين، أو إعلان عزمها اتخاذها مثل رفع تذاكر كافة وسائل النقل الحكومية الأخرى، بالإضافة إلى رفع أسعار الكهرباء يوليو المقبل.

 

سبوبة العسكر

 

وأخيرًا فإن آراء أخرى تشير إلى إمكانية أن تنجح في تقديم برنامجها، لكن ليس من أجل الخطاب الديني، أو تشويه صورة الأزهر فحسب، لكن الهدف الرئيسي من خلاله سيكون "سبوبة الإعلانات" التي ربما ستنهال على البرنامج بسبب جدليته الشديدة.

 

وفي هذا الإطار، فإن منتجي البرنامج إن وُجدوا بالفعل، سيدافعون عنه بكل ما أوتوا من قوة، وستكون رغبتهم في ذلك هو الحصول على أكبر قد من عوائد الإعلانات في رمضان.

Facebook Comments