تعديلات قانون “المالية الموحد”  مجرد جري بالمكان…الاستمرار بالاستدانة وإرجاء ضم الصناديق الخاصة

- ‎فيتقارير

 

ضمن سياسات المراوغة التي تتبعها الحكومة مع أي إصلاح، قد يحقق أي إنجاز في تعديل الأوضاع الاقتصادية القائمة، جاءت مناقشة الحساب الختامي للموازنة العامة للدولة،  ككل عام، بلا تجديد وبلا قرارات تحدث تغييرا بالواقع المرير، حيث ما زالت أزمة وجود 59 هيئة اقتصادية خارج الموازنة، مستمرة  دون تحقيق وحدة الموازنة وشموليتها، وضم الهيئات الاقتصادية والصناديق لها.

 

في الأسبوع الماضي ، مرت تعديلات قانون المالية العامة الموحد المقدم من الحكومة، التي تدرج الهيئات الاقتصادية ضمن الموازنة العامة وتضع حدا أقصى للديون، لكن نواب المعارضة المستقلين، ونواب الأحزاب المحسوبة على المعارضة مثل المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل والتجمع، رفضوا مشروع القانون، وتحفظت عليه النائبة أميرة العادلي، عضو المجلس عن تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين.

 

إذ يوجد، نحو 59 هيئة اقتصادية، منها المجتمعات العمرانية، والعامة للتنمية الصناعية، والعامة للبترول، والقومية لسكك حديد مصر.

 

وحسب وزير المالية محمد معيط، تبلغ إيرادات الهيئات الاقتصادية نحو 2.8 تريليون جنيه، أي أكثر من قيمة الموازنة العامة للعام المالي 2023/2024 التي تبلغ 2.1 تريليون.

 

ولا تشمل الهيئات الاقتصادية الجهات التابعة للقوات المسلحة أو الصناديق الخاصة، التي بلغت أكثر من 6400 صندوق، أبرزها صناديق “تحيا مصر”، و”رعاية الشهداء والمصابين”، و”هيئة قناة السويس”.

 

ويبدو أن مشروع القانون الذي تروج له الحكومة في إطار تفاهماتها مع صندوق النقد الدولي قبيل الاتفاق على قرض الـ 8 مليار ات دولار، يتبع سياسة الجري في المكان.

 

فلم تُجرِ الحكومة تعديلاتها لتحدث نقلة في الموازنة العامة للدولة التي تعاني عجزا بلغ أكثر من 7%، ولا إعادة ترشيد الإنفاق وتوظيف الموارد في ظل دين عام داخلي وخارجي بلغ 113% من الناتج المحلي، بل إنها مراوغة في شكل خطة خمسية تمنح بها الحكومة لنفسها مهلة سنوات لإدراج الهيئات الاقتصادية في الموازنة العامة للدولة.

 

مزيد من الديون

 

المطلب بإدراج تلك الهيئات تبنته المعارضة قبل سنوات، لكن يبدو أن الحكومة تدرك أن الإصلاح المالي ووحدة الموازنة، تقابلهما عقبات تجعلها تربط إجراء هذا النوع من الإصلاحات بمهلة زمنية تصل إلى خمس سنوات.

 

وتتذرع الحكومة بأن فصل الهيئات الاقتصادية عن الموازنة العامة للدولة منذ السبعينيات خلق أوضاعا لا يمكن تغييرها بسهولة، ومن ثم تتمسك بفترة الخمس سنوات لإجراء التعديلات.

 

وسمحت المادة 25 من مشروع القانون الذي وافق المجلس عليه نهائيا، بحساب كافة مُؤشرات المالية العامة، التي تشمل إجمالي موارد واستخدامات المُوازنة العامة للدولة وموارد واستخدامات جميع الهيئات العامة الاقتصادية، بصورة تدريجية.

 

وعدّل مشروع القانون تعريف الموازنة العامة، وضم لها موارد واستخدامات جميع الهيئات العامة الاقتصادية، وأضاف عبارة تفتح الباب لعدد من الثغرات، فاشترط دون التأثير على طبيعة عمل الهيئات العامة الاقتصادية أو مراكزها القانونية أو إعداد موازناتها أو نظم المحاسبة بها أو علاقتها بالخزانة العامة للدولة.

  

ووفق مراقبين، فإنه في ظاهر مشروع القانون استجابة لتوصيات الحوار الوطني بوضع حد أقصى للدين، لكن النص المقدم من الحكومة، الذي وافق عليه مجلس النواب دون الالتفات إلى التعديلات المقترحة من المعارضة، يفتح الباب لمزيد من الديون.

 

إذ إنه بموجب المشروع الجديد، يضع مجلس الوزراء سنويا حدا أقصى لقيمة الدين الحكومي العام الذي يتضمن دين أجهزة الموازنة العامة للدولة ودين الهيئات العامة الاقتصادية، ويتم تحديد هذه القيمة بنسبة من الناتج المحلي المُتوقع خلال السنة المالية.

 

وهو ما شبهه النائب عبد المنعم إمام رئيس حزب العدل بـ”أستك” يمكن ضبطه على مقاس الحكومة سنويا، فيما رفضت الحكومة ونواب الأغلبية مقترحات تعديل النص بصورته الحالية، التي لا تتضمن إطارا ملزما للحكومة بحد أقصى لا يمكن تجاوزه.

 

ورفض المجلس التعديل المقترح من النائبة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الذي ينص على أن تلتزم الحكومة بالعمل على خفض النسبة الحالية، حتى تصل نسبة الدين العام (خارجي وداخلي) إلى 90% خلال عامين، و 70% خلال 6 أعوام، من الناتج المحلي الإجمالي، كما يجب ربط سقف الدين الخارجي بقيمة الصادرات والالتزام بخفض نسبته إلى 150% خلال 6 أعوام.

 

حيث ترى النائبة أن مصر تحتاج مؤشرات كثيرة وضوابط لعملية الاقتراض، وليس مجرد وجود سقف مرن بدون استراتيجية، كي نطمئن.

 

الملفت أن النص الذي مرره مجلس النواب فتح ثغرات لمزيد من الديون تتجاوز الحد الأقصى الذي تحدده الحكومة، فقد سمح بتجاوز الحد الأقصى السنوي لدين الحكومة في حالات الضرورة والحتميات القومية بعد العرض على رئيس الجمهورية واعتماد مجلس الوزراء بناءً على عرض وزير المالية، ومُوافقة مجلس النواب على تعديل قانون ربط المُوازنة العامة للدولة.

 

كما لم يتوقف المجلس أمام هذا النص المطاطي الذي يترك تفسيرات الحتمية القومية للحكومة والرئيس.

 

للقانون عيوب أخرى

 

لم تكتف الحكومة بنصوص مطاطة وعائمة لسقف الديون وضم الهيئات الاقتصادية للموازنة، بل استطاعت الحصول على موافقة المجلس لمنحها مهلة جديدة لتطبيق موازنة البرامج والأداء.

 

وكان القانون الصادر في 2022 ينص على تطبيق موازنة البرامج والأداء خلال 4 سنوات من صدور القانون، بينما النص الوارد في المشروع مد المهلة لتصل إلى 6 سنوات، نظرا لعدم جاهزية وزارة المالية للتطبيق، تم تعديل النص على أن يكون التطبيق خلال 6 سنوات من العمل بالقانون، أي تتبقى 4 سنوات على التطبيق الكامل، حسب تقرير لجنة الخطة والموازنة، وتتبع مصر نظام موازنة البنود الذي يوضح الاعتمادات المخصصة لكل جهة دون تفصيل أوجه الإنفاق والمستهدفات، وهو عكس موازنة البرامج والأداء التي تحدد المخصصات والأهداف.

 

ورغم خطورة تطبيق نظام بنود الإنفاق فقط على معايير الشفافية والحوكمة ، إلا أن نواب الأغلبية مرروا النص كما هو دون تعديل.

 

و ذلك على الرغم من أن موازنة البرامج والأداء ضرورة لإصلاح الخلل الموجود في الموازنة العامة وتفعيل الرقابة ومحاربة الفساد.

 

وإجمالا فإن التعديلات الجديدة التي تتعمد التباطؤ والجري في المكان لتسمح باستمرار السياسات القديمة، ما هي إلا وسيلة تعتمدها الحكومة كلما اضطرت لإجراء تغييرات ليست لديها إرادة حقيقة لتطبيقها، نتيجة مبررات مختلفة، آخرها ضغوط صندوق النقد الدولي، دون إرادة حقيقية للتغيير والإصلاح، الذي يظل بعيد المنال في ظل حكم عسكري لا يريد الا مصالح أشخاص قلة يمسكون بتلابيب السلطة فقط.