كتب يونس حمزاوي:

على خطى حكومات المخلوع حسني مبارك، تمضى حكومة الانقلاب برئاسة الجنرال الدموي عبدالفتاح السيسي، تطلق التصريحات الرنانة والوردية وتتلاعب بالأرقام والإحصائيات لتضليل الجماهير عن حقيقة الأوضاع المزرية التي آلت إليها البلاد تحت حكم العسكر.

يتجلى هذا التلاعب في أوضح صوره في 5 صور أو مشاهد تعكس الإصرار والتعمد على خداع المواطنين وتضليل الشعب لرسم صورة وردية مغايرة للواقع المؤلم وحياة المرار التي تعصف بالفقراء والمهشين وامتدت نيرانها لتكوي فئات كبيرة من الطبقة المتوسطة التي باتت عارية متجردة من رداء الستر الذي احتمت به دهرا قبل انقلاب 3 يوليو المشئوم.

وأحدث الأمثلة على ذلك، حسب الخبير الاقتصادي مصطفى عبدالسلام، في مقال له بعنوان "التلاعب بالأرقام" على صحيفة "العربي الجديد"، هي الأرقام المعلنة من قبل مؤسسات رسمية وعلى لسان مسئولين حكوميين وتتعلق بميزان المدفوعات وإيرادات قناة السويس والصادرات والاستثمارات الأجنبية التي تم جذبها للبلاد، وكذلك بمعدل التضخم ونمو البطالة والفقر وغيرها.

إيرادات القناة
أولى هذه الصور والمشاهد هي ما خرج به قبل أيام، رئيس هيئة قناة السويس، الفريق مهاب مميش، ليعلن أن إيرادات القناة ستقفز إلى 80 مليار جنيه في العام الجاري 2017، مقابل 49.7 مليار جنيه في العام الماضي 2016، وهو الخبر الذي أسعد ملايين المصريين، إذ يعني أن القناة ستزيد إيراداتها أكثر من 30 مليار جنيه في عام واحد وبما يعادل نسبة زيادة تفوق 60.9% بالجنيه المصري.

لكن نظرة متأنية لأرقام الزيادة التي أعلنها مميش بحسب عبدالسلام، نجد أنها غير صحيحة وبها تلاعب واضح، فعندما تحسب رقم إيرادات قناة السويس بالدولار، وهي عملة السداد المعتمدة بالقناة، نجد أن الإيرادات ستتراجع إلى 4.44 مليارات دولار في عام 2017، (80 مليار جنيه على 18 جنيهاً متوسط السعر حالياً تساوي 4.44 مليارات دولار) مقابل 5.035 مليارات دولار إيرادات العام 2016، وهو ما سيعني خسارة القناة نحو 591 مليون دولار في العام الحالي، وبنسبة تراجع 11.7%.

والبنك المركزي يتلاعب أيضا
الصورة الثانية من صور الخداع والتضليل ما جرى نهاية الأسبوع الماضي، حيث زعم البنك المركزي تحوّل ميزان المدفوعات من العجز إلى الفائض، خلال النصف الأول من العام المالي الجاري 2016-2017، قائلاً إن الفائض بلغ نحو 7 مليارات دولار، خلال الفترة من يوليو/تموز إلى ديسمبر/كانون الأول من عام 2016، مقابل عجز بلغت قيمته 3.4 مليارات دولار في نفس الفترة من العام الماضي.

هذه الأرقام والفائض المحقق يعني، أن مصر جذبت موارد ضخمة من النقد الأجنبي في النصف الثاني من عام 2016، وأن هناك زيادة في الموارد الأجنبية تجاوزت 10 مليارات دولار، وأن قطاعات اقتصادية استردت عافيتها مثل السياحة والصادرات غير البترولية والاستثمارات الأجنبية وتحويلات العاملين بالخارج، وهذا غير صحيح على الإطلاق، لأن نظرة مدققة لهذه الموارد تظهر أنها تراجعت وبشكل حاد.

والملفت أنه عقب الإعلان عن تحول ميزان المدفوعات من السالب الي تحقيق فائض، سارعت وسائل الإعلام لتؤكد أن ذلك يعد مؤشراً جيداً وإيجابياً، وخير دليل على أن الاقتصاد المصري يسير بخطى ثابتة على المسار الصحيح، خاصة أن تقرير البنك المركزي أشار إلى أن نسبة 73% من هذا الفائض تحققت خلال الفترة من أكتوبروحتى ديسمبر من العام الماضي. وكله خداع في خداع وتضليل يصل إلى درجة الجريمة.

لكن عندما نبحث عن السبب الحقيقي في تحول عجز ميزان المدفوعات إلى فائض، نجد أن السر يكمن في اقتراض مصر 14 مليار دولار في النصف الثاني من عام 2016، فالقروض تمثل نحو 80% من صافي التدفقات الرأسمالية المسؤولة عن تحقيق الفائض، وهنا نكون دخلنا في لعبة التلاعب بالأرقام، وربما تخرج علينا المؤسسات الحكومية بعد شهور لتؤكد استمرار الفائض، خاصة مع حصول مصر على 5 مليارات دولار قروضا في شهر واحد، هو يناير 2017.

أرقام مضللة حول الاستثمار الأجنبي المباشر
هناك مثال آخر في لعبة الأرقام، تكشف عن الصورة الثالثة من وسائل التلاعب بالأرقام وتضليل الجماهير؛ فوسائل الإعلام الموالية للانقلاب تشن حملة دعائية تدعي  حدوث تحسن كبير في الاستثمار الأجنبي المباشر، وأن البلاد جذبت 12 مليار دولار في عام. وعندما تبحث عن الحقيقة تجد أن الرقم مبالغ فيه، وأن ما تم جذبه، إما عبارة عن استثمارات في قطاع البترول، أو أنها أموال ساخنة في الأذون والبورصة، وهي استثمارات ضررها للاقتصاد أكثر من نفعها.

وحتى المركزي للإحصاء
وتأتي رابع صورة التضليل والتلاعب بالأرقام ما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يوم الخميس الماضي أن معدل التضخم بلغ 31.7% في فبراير الماضي، وبعدها بساعات خرج علينا البنك المركزي ليؤكد أن معدل التضخم الأساسي تجاوز 33%، وهو ما يعني أن أرقام التضخم التي تعلنها الحكومة غير دقيقة وتقل كثيراً عن الواقع الذي يعيشه المصريون، لأن معدل التضخم الأساسي يستبعد من حساباته السلع سريعة التقلب مثل الخضار والفاكهة وغيرها.

وتلاعب في نسب الفقر
ننتقل لصورة خامسة وربما لا تكون أخيرة من صورة التضليل والتلاعب بالأرقام، يتعلق بالفقر، ففي الوقت الذي تؤكد فيه الأرقام الرسمية أن نسبة الفقر في البلاد تقدر بـ26.3%، طبقاً لبيانات آخر بحث أجراه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وأن نسبة الفقر المدقع تدور حول 5%، نجد أن وزير التنمية المحلية، هشام الشريف، يخرج علينا ليؤكد أن عدد المصريين الذين هبطوا تحت خط الفقر المدقع تخطى حاجز الـ 40%، نتيجة تحرير سعر صرف العملة المحلية.

Facebook Comments