كتب- محمد مصباح:

 

كشف خبراء بيطريون، مؤخرًا، عن استيراد مصر، اللحوم الحية الأيرلندية عن طريق إسبانيا، التي يستخدمها المصدرون في أوروبا كمحطة لتمرير العجول الأيرلندية الممنوع استيرادها أصلاً في دول كثيرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نتيجة إصابتها بجنون البقر.

 

وأكد الخبراء أن مصر كانت تحظر استيراد العجول والألبان من أيرلندا الموبوءة بمرض جنون البقر منذ العام 1998، ولذلك لجأ بعض المصدرين الأوروبيين إلى تصدير اللحوم الأيرلندية الرخيصة السعر للقوات المسلحة المصرية، عبر إسبانيا، بحسب تقارير اعلامية..

 

وقالت مصادر مسؤولة بالهيئة العامة للخدمات البيطرية في مصر، إنه تم إنهاء صفقة ضخمة منذ عامين، لاستيراد 100 ألف عجل من إسبانيا بنفس الطريقة التي يقوم فيها المصدرون بالتحايل على حظر الاستيراد من أيرلندا، وذلك بنقل العجول إلى إسبانيا لشهور معدودة، ثم بيعها مباشرة إلى مصر.

 

وتمت الصفقة في إطار الاتفاق الموقع بين الشركة القابضة للصناعات الغذائية، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، مع إحدى الشركات الألمانية العملاقة العاملة في مجال الثروة الحيوانية، ووصلت أول دفعة منها إلى ميناء الإسكندرية في 10 فبراير من العام الماضي، وقدرت بـ1100 عجل، تم توزيعها على منافذ القوات المسلحة المنتشرة في مصر.

 

لا أجهزة لكشف "الجنون"

 

وأشارت المصادر، إلى أن إسبانيا ليس لديها فائض لتصدره، وهي في الأصل دولة مستوردة، ولا تبيع مواطنيها ما تقوم باستيراده من أيرلندا، إنما تبيعه إلى دول مثل مصر من خلال عملية التحايل تلك، التي تدر أرباحاً طائلة على الجميع، بسبب التسهيلات التي يحصل عليها المستوردون في عملية الدفع.

 

وتزيد سن الحيوانات التي استوردها الجيش المصري، عن 3 إلى أربع سنوات، وهي السن التي يصيب فيها مرض جنون البقر الماشية.

 

ولا تمتلك مصر أجهزة للكشف عن مرض جنون البقر، وهو ما يمثل خطورة بالغة على صحة المصريين.

 

واكتشف مرض جنون البقر في المملكة المتحدة في الثمانينات من القرن الماضي، ووصل إلى عدد من دول أوربا والعالم بسبب تلوث الدقيق الحيواني وانتشاره بينها، ويصيب المرض الدماغ بالتلف، وقد أثار في حينها مخاوف دولية من انتشاره من البقر إلى البشر، الأمر الذي جعل دول العالم تأخذ احتياطات من استيراد اللحوم، واجراءات مشددة للكشف على الأبقار طبيا.

 

 يشار إلى أن تدخل الجيش المصري في المجال الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل الانقلاب العسكري ، الذي سمح لشركات الجيش 

بالاستحواذ على مشاريع كبرى، كان منها "ترسانة الإسكندرية" على سبيل المثال.

 كما توسع في إنتاج السلع الغذائية والأجهزة الكهربائية والخدمات المدنية، المتمثلة في الفنادق وقاعات الأفراح وخلافه. 

 

تغلغل عسكري بكل المجالات 

 

ولم تترك المؤسسة العسكرية مجالاً اقتصاديًا لم تحاول أن تستحوذ عليه لتحقق المكاسب، سواء في مشروعات ضخمة من المصانع وإنشاء الطرق والكباري (الجسور) أو حتى التجارة بالسلع الغذائية البسيطة، والتي يمتلك الجيش الأفضلية في إنتاجها لأكثر من سبب، وهي سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة وتربية الحيوانات، وهي ملكية لا يشوبها أي نوع من أنواع الضرائب ولا الإيجارات التي تدفعها الشركات الخاصة.

 

هذا إضافة إلى تجنيد آلاف من الشباب للعمل في تلك المزارع من دون مقابل يذكر، إذ إن راتب المجند المصري، الذي يعمل في تلك المشروعات، لا يتجاوز 300 جنيه، وهو ما يمثل أقل من 10 في المائة مما يتقاضاه نظيره في القطاع المدني.

 

كما أن للجيش القدرة على توزيع تلك المنتجات بطريقة لا تكلفه شيئًا؛ إذ إنه يمتلك أسطولا من الآليات، التي تستوردها القوات المسلحة، من دون دفع أي ضريبة أو جمارك عليها، كما أن توفير الوقود هو من أبسط الأمور داخل القوات المسلحة التي تحصل على حصتها من الموازنة العامة للدولة كاملة، بما فيها المواد البترولية.

 

وتحولت التشكيلات القتالية إلى وحدات إنتاجية، حيث أن إدارة منافذ بيع السلع التابعة للقوات المسلحة تتم بطريقة لامركزية، إذ إن كل كتيبة وكل وحدة من وحدات القوات المسلحة المنشرة في مصر مكلفة بإنتاج المواد الغذائية كل حسب استطاعتها، كما أنها مكلفة بإنشاء منافذ لبيع تلك السلع. فمثلًا الوحدات التابعة لقيادة المنطقة الغربية تقوم بفتح فروع لتغطي محافظات السلوم ومرسى مطروح وسيوة، والوحدات التابعة لقيادة المنطقة الشمالية العسكرية تغطي محافظات الإسكندرية وغرب الدلتا.

 

أما القاهرة، فتتولى إدارتها المنطقة المركزية العسكرية، وتتولى تشكيلات ووحدات الجيش الثاني الميداني محافظات بورسعيد والإسماعيلية وشرق الدلتا. كما تقوم الوحدات والتشكيلات التابعة للجيش الثالث الميداني بتغطية محافظات السويس والبحر الأحمر وجنوب سيناء. وأخيرًا لتتولى قيادة المنطقة الجنوبية، بوحداتها وكتائبها، تغطية محافظات الصعيد الشمالية والجنوبية.

 

ويؤكد مراقبون أن هذا التوغل يعتبر تهديدا للأمن القومي المصري، فانخراط الوحدات العسكرية في إنتاج المواد الغذائية وبيعها للمواطنين، ينسف تماماً وظيفتها الأساسية المتمثلة في الاستعداد القتالي الذي لا يكون على أكمل وجه سوى بالتدريب المتواصل. وفكرة أن تقوم الفرق والألوية والكتائب، بتوظيف جنودها وضباطها في الزراعة وبيع المنتجات الغذائية للجمهور، تعني نسياناً تاماً لموضوع الكفاءة القتالية وما إلى ذلك.

 

كما أن الاحتكاك الدائم بين المدنيين والعسكريين، من خلال عمليات البيع والشراء داخل تلك المنافذ، يخلق علاقة مشوهة بين الطرفين قد تؤدي إلى عدم احترام المدني لقواته المسلحة، ولا سيما أن الأمر كله لا يتجاوز تجارة مربحة لقيادات الجيش.

 

Facebook Comments