كتب رانيا قناوي:

ما زال نظام الانقلاب بقيادة عبدالفتاح السيسي، يناقض نفسه، وينظر إلى المجتمع المصري على أنه مجتمع جاهل يمتلك ذاكرة الذباب أو السمك، حتى أنه يتخيل أنه يمكنه التعامل مع الغرب ودول العالم المتقدم بالأجندة نفسها التي يتعامل بها مع المصريين، فيصر على القيام بدور البطولة في الحرب المزعومة على الإرهاب ، وفي الوقت نفسه يقنع نفسه بأنه يمكنه الترويج للسياحة في الخارج، الذي يتابع كل صغيرة وكبيرة عن مصر، معتمدا السيسي في ذلك على حفنة من الإعلاميين الذين يستخفون بعقول المشاهدين.

وفي الوقت الذي ينصب فيه "داعش" أكمنة لأهالي العريش، ويصفي قيادات بالشرطة في وضح النهار، يزعم السيسي سيطرته على الوضع هناك، وأن الفترة المقبلة ستشهد تقدما ملحوظا في الحركة السياحية.

من جانبه توجه يحيى راشد -وزير السياحة بحكومة الانقلاب- إلى برلين، مصطحبا معه عددا من راقصي الفنون الشعبية، ليعلن عن حملة تكلفت ملايين الجنيهات تحت الزعم بالترويج للسياحة في مصر، على الرغم من أن حفلات الرقص الشعبي التي يعتمد عليها النظام عفا عليها الزمن، ومل منها الأجانب، الذين ينظرون إليها على أنها "سلعة غبية" يتصور من خلالها نظام "الكفتة" أنه يمكن له أن يخدع الجميع.

وزعم يحيى راشد أن الاستقرار الأمنى والسياسى وراء التحسن الملحوظ فى حجم السياحة الوافدة إلى البلاد، التي لم يشاهدها المواطن المصري، فضلا عن أن العاملين بالقطاع السياحي يصرخون ليل نهار من خراب بيوتهم وإغلاق محلاتهم ومطاعمهم، في الوقت الذي ردد فيه علاء عابد رئيس لجنة حقوق الإنسان فى برلمان العسكر بفيينا عبارة رئيسه الانقلابي "مصر وحدها تحارب الإرهاب نيابة عن العالم"، داعيا إلى إنشاء تكتل دولى لمحاربة الإرهاب.

ويعلق الكاتب الصحفي فهمي هويدي على تناقض الحدثين في وقت واحد؛ بأن الأول كان يخاطب غرفة برلين للسياحة، والثانى كان يخاطب اجتماعا للأمم المتحدة عقد فى العاصمة النمساوية لمناقشة موضوع الإرهاب والجريمة، إلا أن الرسالتين تعبران عن ازدواجية الخطاب المصرى؛ فأحدهما يريد أن يجذب السياح والمستثمرين فيتحدث عن الاستقرار والأمان، أما الثانى فهو يبالغ فى موضوع الإرهاب فيستنفر ويحذر، "مرة بدعوى أنه يهدد العالم ومرة ثانية لأنه يهدد الدولة ويدعو إلى إسقاطها. وذلك ليس موقفا جديدا، لأنه منذ 3 سنوات، صار الإرهاب أهم عناوين الحالة المصرية والصيغة الأكثر جاذبية لوصم الصراع السياسى وشيطنته".

غباء الانقلاب
ولم يدرك نظام السيسي أن اللعب على وتر الإرهاب في ظل انهيار الاقتصاد الذي كان يعتمد على السياحة بشكل كبير، من شأنه أن يوصد الأبواب فى وجوه السياح والمستثمرين، بمعنى أنه يخدم النظام ويضر بالوطن.

ويحاول السيسي لعب دور "الغبي"؛ فحين سئل عن الإرهاب أجاب بأنه محصور فى شريط ضيق بشمال سيناء، فى منطقة لا تتجاوز ٢٪ من جملة مساحتها، في الوقت الذي يتهم فيه السيسي أكثر من 80 ألف معتقل من الشباب داخل السجون بالإرهاب، ويقوم فيه بتصفية عدد كبير منهم، حتى إن القتل لم يقتصر على الناشطين المصريين ، بل امتد إلى الطالب الإيطالي "جوليو ريجيني".

مصر معتقل كبير
ولم يسأل نظام الانقلاب نفسه كيف يروج للسياحة في الوقت الذي أصبحت مصر عبارة عن معتقل كبير، ومقرا لتصفية الشباب، حتى أنه وضع فى السجون نحو ٦٠ ألف مواطن (حسب تقرير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان)، ولاستيعابهم تم بناء ١٩ سجنا جديدا خلال السنوات الثلاث الماضية.

ومن هؤلاء قدمت أعداد كبيرة إلى المحاكم الجنائية والعسكرية، التى قررت إعدام المئات منهم.

كما صدرت القوانين الاستثنائية التى قيدت الحريات العامة، وجرى العصف بمنظمات المجتمع المدنى خصوصا الحقوقية منها، وتعرض مئات للاختفاء القسرى كما منع مئات آخرون من السفر إلى الخارج.

إلى غير ذلك من الإجراءات، بما فى ذلك تعليق المشانق للأبرياء. حتى ان أحد أركان ما سمى بـ"ائتلاف ٣٠ يونيو" قال فى أحد اللقاءات إن الخلاف السياسى لا حل له سوى «اجتثاث الخصوم» أسوة بما فعله الأمريكيون مع عناصر حزب البعث بعد احتلال العراق (عام ٢٠٠٣).

هل تنجح أساطير السيسي؟
ونعود إلى الكاتب الصحفي فهمي هويدي الذي أشار إلى أن فكرة استخدام الأساطير لتشويه ثورة يناير وتبرئة الذين أهانوا الشعب والوطن وظفت مرة أخرى لتصفية الثورة وإجهاض أحلامها فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية.. وهو ما تم من خلال نسج مجموعة من الأساطير حول الإرهاب الذى صار السلاح الأمضى الذى استخدم لأجل ذلك.

وأضاف أن الإرهاب فى مصر نطاقه محصور فى الشريط الضيق المتمثل فى شمال سيناء، كما أن الوطن ليس مهددا بالانهيار ولا الدولة مهددة بالسقوط كما يشيع نظام السيسي من أجل ابتزاز العامة وتصفية المعارضين، مؤكدا أن الترويج لمثل تلك المقولات للتخويف من خطر الإرهاب، كان سبيلا لضرب الديمقراطية وتبرير استخدام العنف والقمع لحسم الخلاف السياسى.. وهو ما أدى إلى إماتة السياسة وإنعاش دور الأمن وأساليبه.

وأشار إلى أن المبالغة فى خطر الإرهاب لم تصرف الانتباه عن تحديات التنمية الحقيقية فى الداخل فحسب، ولكنها أيضا أسفرت عن تراجع الاهتمام بالتهديدات الخارجية. وهو ما أدى ليس فقط إلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية فى الأجندة المصرية، وإنما أدى أيضا إلى تنشيط التعاون مع الدولة العبرية. الأمر الذى أوصلنا إلى مفارقة أصبح فى ظلها التطبيع مع إسرائيل مقدما على المصالحة السياسية الداخلية.. وصارت إسرائيل التى قامت على الإرهاب تدعي أنها حليف.. فى حين أصبح الأشقاء المعارضون أعداء من "أهل الشر".

Facebook Comments