رغم عدم التزامها بـ 8 شروط..لماذا يُجامل صندوق النقد حكومة الانقلاب ؟

- ‎فيتقارير

 

 

رغم عدم التزام نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي بإملاءات صندوق النقد الدولي التي يفرضها فيما يسمى برنامج الإصلاح الاقتصادي، مقابل تقديم قروض للسيسي لينفقها في مشروعات فنكوشية أو مصالح شخصية أو سداد أقساط وفوائد الديون الخارجية التي تجاوزت الـ 170 مليار دولار لأول مرة في التاريخ المصري، إلا أن صندوق النقد وافق على  زيادة البرنامج الأصلي بنحو 5 مليارات دولار، ليصل إجماليه إلى 8 مليارات دولار، بدلا من 3 مليارات نهاية عام 2023 عقب قرار تحرير سعر الصرف بداية مارس الماضي .

وقد حاول السيسي الإيحاء للمصريين بأن قررار تحرير سعر الصرف هو السبب في رضا صندوق النقد عليه، لكن الحقيقة ترجع إلى موقفه من القضية الفلسطينية ودعمه للكيان الصهيوني في حرب الإبادة التي يشنها على قطاع غزة.

كان نظام الانقلاب قد تسلم 820 مليون دولار قيمة الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد خلال مارس الماضي عقب إتمام المراجعتين المؤجلتين من مارس وسبتمبر الماضيين على برنامج الإصلاح الاقتصادي، وأيضا الشريحة الثانية بقمية 820 مليون دولار، خلال شهر إبريل الماضي.

ومن المقرر أن يتسلم 820 مليون دولار قيمة الشريحة الثالثة من القرض مع صندوق النقد خلال شهر يونيو المقبل بعد استكمال المراجعة الثالثة.

ورغم حصول الانقلاب على شريحتين، من صندوق النقد، إلا أن هناك 8 شروط لم يلتزم بها داخل البرنامج، وفقا لتقرير الخبراء الخاص بأول مراجعتين من برنامج التمويل.

وأرجع الخبراء، موافقة صندوق النقد على الشريحتين، رغم عدم الالتزام بالشروط إلى مواقف سياسية تتمثل في موقف الانقلاب من القضية الفلسطينية.

 

8 شروط

 

في هذا السياق كشف تقرير خبراء الصندوق، أن حكومة الانقلاب استوفت 7 معايير هيكلية من إجمالي 15 معيارا تم وضعها في إطار ما يسمى برنامج الإصلاح الاقتصادي، من ضمنها نشر وثيقة سياسة ملكية الدولة للشراكة مع القطاع الخاص، وتعديل قانون المنافسة الذي يحكم عمليات الاندماج والاستحواذ، رغم أنه لم يتم الموافقة بعد على اللائحة التنفيذية للتعديلات من قبل مجلس وزراء الانقلاب، وتوسيع نطاق عدد الأسر المؤهلة للحصول على المساعدة الاجتماعية، وتحديد تدابير السياسة الضريبية لموازنة السنة المالية 2023-2024، والامتناع عن منح إعفاءات للبنوك التجارية التي تخالف صافي حدود مراكز العملات الأجنبية المفتوحة، بالإضافة إلى الامتناع عن تقديم خطط الإقراض المدعمة من خلال البنك المركزي المصري.

وأوضح التقرير أن الشروط الـ 8 التي لم تلتزم بها حكومة الانقلاب مع برنامج صندوق النقد هي:  

1- نشر عقود المشتريات العامة التي تزيد قيمتها عن 20 مليون دولار على بوابة المشتريات الحكومية الإلكترونية، بما في ذلك إذا تم منح العقود عبر مناقصة العمليات وإيضاح كافة المعلومات عن جميع العطاءات المقدمة، والعطاء الفائز وأسماء مقدمي العطاءات، على أن يتم نشره على الموقع خلال 30 يوما من نهاية العطاء، والتأكد من أن الجميع يمكنه أن يصل إلى تلك المعلومات.

2- استمرار تطبيق مؤشر أسعار الوقود بالتجزئة آليا وفقا للصيغة المتفق عليها.

3- نشر أحدث 3 تقارير سنوية من الجهاز المركزي للمحاسبات مع تقديم شرط ملزم لضمان النشر في الوقت المناسب والمضي قدما بالالتزام بالنشر.

4- نشر تقرير سنوي شامل عن النفقات الضريبية، بما في ذلك تفاصيل وتقديرات الإعفاءات الضريبية، مقسمة حسب التصنيف متضمنة الشركات في المناطق الاقتصادية الحرة وجميع الشركات المملوكة لدولة العسكر سواء شركات القطاع العام، أو الشركات المملوكة للقوات المسلحة أو حتى المشاريع المشتركة.

5- اعتماد نهج قائم على المخاطر في الإجراءات الجمركية والحد من الوقت اللازم للإفراج عن الواردات في ميناء الإسكندرية، ووفقا للتقرير تم تجاهل ذلك في المراجعة للتركيز على الأولوية للإصلاحات الأكبر.

6- الانتهاء من تحويل كافة السجلات الحكومية إلى إلكترونية لتعزيز كفاءة التحصيل الضريبي.

7- مراقبة مالية الانقلاب متأخرات الدفع والإبلاغ عنها، بما في ذلك الشركات المملوكة لدولة العسكر، على أن تنشر التقرير خلال 90 يوما من نهاية السنة المالية عن أرصدة الالتزامات والمدفوعات المتأخرة، بالإضافة إلى كافة المعاملات، وإجمالي الالتزامات والمستحقات، والمدفوعات من وإلى وزارة مالية الانقلاب مع الهيئة العامة للبترول، والهيئة العامة للسلع التموينية، وهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، والهيئة الوطنية للبريد، والهيئة القومية لسكك حديد مصر، وبنك الاستثمار القومي، والبنك المركزي المصري، وشركة الكهرباء القابضة، والشركة القابضة للمياه والصرف الصحي، ومصر للطيران.

8- إصدار اللائحة التنفيذية لقانون الإدارة المالية العامة بما في ذلك العناصر الرئيسية لتقويم الميزانية، والموافقة على ورقة الاستراتيجية المالية، وفصل خط الأساس والمبادرات الجديدة، وتعهدات لأنشطة المناخ.

 

تهجير أهالي غزة

 

حول الموقف الغريب لصندوق النقد قال استشاري الاقتصاد السياسي مدحت الشريف: إن “صندوق النقد وضع على حكومة الانقلاب مجموعة من الشروط منذ تعامله معها عام 2016، ومع كل اتفاق جديد يزيد شروطه لاعتماد برنامجه،  مشيرا إلى تعليق الشرائح الأخيرة لعدم تطبيق الانقلاب للاشتراطات”.

وأضاف «الشريف»  في تصريحات صحفية أن القيمة المادية التي سيعطيها الصندوق، ليست مهمة من وجهة نظر حكومة الانقلاب، فما هي إلا شهادة ثقة للبدء في طروحات سندات وأذون خزانة لتغطية التزامات الانقلاب خلال الفترة من 2024 إلى 2027، وهو رقم ضخم يصل إلى 92 مليار دولار من ديون خارجية ومتوسطة وطويلة الأجل و25.7 مليار دولار قصيرة الأجل بعد استبعاد ودائع الإمارات أي بإجمالي 118 مليار دولار تقريبا وفقا لبيانات البنك المركزي.

وأشار إلى أن التزامات الانقلاب خلال العام الجاري 2024، تصل إلى 42 مليار دولار، وتم بالفعل سداد أجزاء منها الشهور الماضية، بحانب سداد 845.3 مليون دولار لصندوق النقد في الأيام المقبلة.

وحول ما أعلنه الصندوق عن الأزمات السياسية في رفح سبب لموافقته على الشرائح رغم عدم التزام الانقلاب بـ8 شروط، أكد «الشريف» أن صندوق النقد والبنك الدولي، ما هما إلا ذراعين لبعض الدول الغربية لفرض برامج سياسية واقتصادية معينة على معظم دول العالم تصب في صالح هذه الدول، حيث تكون سيطرتها اقتصاديا عن طريق استغلال تعثر هذه الدول والتي تتجه بدورها إلى الاقتراض من الصندوق والبنك الدولي، حيث تغير شكل الاحتلال العسكري على مستوى العالم وأًصبحت صورته اقتصادية، بما يعني فقد الإرادة السياسية نسبيا، بمقابل مده بدعم مادي .

وشدد على أن الأمر مع الصندوق له جزء سياسي، حيث تطالب بعض الدول الغربية السيسي بتنازلات، منها على سبيل المثال التهجير القسري لأهالي غزة، واستيعاب جزء من الفلسطينيين داخل مصر، وهي جميعها وسائل للضغط على البلاد في مقابل إقناع الصندوق بالتنازل عن بعض اشتراطاته وتمرير الموافقة على قروض عاجلة للسيسي .

 

ورقة حساسة

 

وحذر «الشريف» من أن مسيرة التعويم ببرنامج صندوق النقد لن تتنهي فهو يستهدف التحرير الكامل لسعر الصرف، وهو ما يعد مخاطرة شديدة غير محسوبة النتائج، مؤكدا أن تحركات حكومة الانقلاب لإصلاح الاقتصاد عقب تعويم 2016، لم تكن تسير في الطريق الصحيح .

وأعرب عن تخوفه من أن تكرر حكومة الانقلاب ما اتجهت إليه بعد عام 2016، باستخدام ورقة الاتفاق مع صندوق النقد كشهادة ثقة، في الحصول على مليارت الدولات كقروض ولجذب مقامري الأموال الساخنة للاستثمار في سندات وأذون الخزانة، وهو ما أدى إلى انخفاض سعر الدولار حينها نتيجة توافر المعروض منه، وكان غير معبر عن تنمية اقتصادية حقيقية،  لذلك زادت ديون البلاد الخارجية .

وأشار «الشريف» إلى أنه مع أول أزمة دولية انسحبت عشرات المليارات من الأموال الساخنة من أسواق المال المصرية، وهو ما أدى إلى ما نعيشه الآن من تأثيرات حادة لتوالي الأزمات الدولية المؤثرة على الاقتصاد المصري.

وأكد أن شروط الصندوق سواء التي ألتزمت بها حكومة الانقلاب أو لم تلتزم بها  هي تدخل للصندوق في أمور الدولة من وجهة نظر الاقتصاد السياسي، مثلما حدث في قرار إلغاء مبادرات البنك المركزي لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومشروعات الصناعة، بالإضافة إلى القرارات الأخيرة  من تدبير العملة لمستوردي جميع السلع حتى الاستفزازية والهامشية منها والتي لها بدائل محلية، وهذه الشروط تعبر عن توجيهات الدول المتقدمة إنتاجيا في أن تظل الدول المقترضة من الصندوق والبنك الدولي أسواقا لدعم منتجاتها في ظل التضييق على عناصر الإنتاج الوطني في هذه الدول.

كما حذر «الشريف» من بيع أصول وحصص حكومة الانقلاب في الشركات الناجحة كما يحدث حاليا، حتى لا يتم البيع بأثمان بخسة، مطالبا حكومة الانقلاب بالتعلم من دروس الماضي ومراعاة أن الصندوق يضغط على ورقة حساسة وهي الآمن والسلامة المجتمعية.

 

عقد اتفاق

 

وقال الخبير الاقتصادي الدكتور محمد فؤاد: إن “الشروط التي حددها الصندوق عبارة عن مؤشرات أداء تحتاج إلى انضباط”.  

وأضاف فؤاد في تصريحات صحفية ، أن الفجوة التمويلية التي تواجه الانقلاب، تعني أن دولة العسكر يدخل لها دولار كما أنها في احتياج لدولار، ومقدر الفجوة التمويلية 28 مليار دولار حتى 2026 ، مشيرا إلى أن تدبير هذا المبلغ ممكن من خلال زيادة الصادرات وجذب الاستثمارات الأجنبية.

ولفت إلى أن اقتراحات الصندوق بشأن تحديد بيع أصول، هي ليست إجبارا لدولة العسكر، ولكن لتساعد في زيادة الاحتياطي النقدي وتخطي عقبة الفجوة التمويلية، موضحا أنه حتى أموال رأس الحكمة ترتبط بشقين رئيسيين أحدهما زيادة الاحتياطي النقدي، والأخر لسداد الفجوة التمويلية.

وأكد فؤاد أنه في حالة عدم توجيه جزء من أموال صفقة رأس الحكمة للموازنة، سيتم اللجوء إلى الديون لتمويل عجز الموازنة، وبالتالي هناك جزء من الصفقة ستحول لتمويل الموازنة.

واعتبر أن الكلام عن بيع محطة كهرباء الزعفرانة وجبل الزيت ليس جديدا، ولكنها قيد البحث المستمر، كما أن صندوق النقد الدولي تحدث بشكل مكرر عن دعم المحروقات، وارتفاع أسعارها، إلى جانب الدعم الآخر المقدم للمواطنين.

وأشار فؤاد إلى أن العلاقة بين الانقلاب وصندوق النقد عبارة عن عقد اتفاق بشروط محددة بين الطرفين، موضحا أن تقرير الصندوق تحدث عن خطوط عامة بشأن السياسات الاقتصادية، وحدد عددا من النصائح لتحسين الوضع الاقتصادي.